المظاهرات الطلابية في تركيا... تهدّد عرش إردوغان

شارك مع المتظاهرين بعض نواب المعارضة في البرلمان التركي
طلاب جامعة إسطنبول يحملون ملصقات لرئيس جامعة بوغازيتشي مسعود بالو (يسار) وعميد جامعة إسطنبول محمود أك ولافتات كتب عليها «طلاب جامعة إسطنبول متضامنون مع بوغازيتشي (غيتي)

* حملة الاعتقالات للطلاب تزامنت مع حملة اعتقالات أخرى لعسكريين بالجيش التركي

* استخدمت قوات الأمن كل أنواع القوة المفرطة بدءاً من إطلاق الرصاص الحي مروراً بالضرب والسحل، وصولا إلى اعتقال ما يصل إلى 600 متظاهر

* لا نريد عمداء بالوصاية بل نريد أكاديميين أحراراً

* المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس يعرب عن قلق بلاده حيال الاعتقالات الجديدة مؤخرا في تركيا

* أصدر 3317 أكاديمياً ومفكراً وكاتباً من جميع أنحاء العالم، بينهم جوديث بتلر ونعوم تشومسكي، بياناً مشتركاً تضامناً مع طلاب جامعة بوغازيتشي

* الحكومة تجاهلت تداعيات هذه التظاهرات على أمل أنها ستنتهي بفعل القبضة الأمنية كما عبر عن ذلك الرئيس إردوغان في خطابه إلى أعضاء حزبه قائلا: «سنفعل كل ما هو مطلوب لمنع ذلك»

 

القاهرة: منذ الثاني من يناير (كانون الثاني) 2021، تشهد تركيا احتجاجات وتظاهرات بدأت جامعية (شارك فيها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس) لتتحول إلى مجتمعية، وذلك اعتراضا على قرار الرئيس التركى رجب طيب إردوغان الصادر في الأول من يناير بتعيين مليح بولو رئيسا لجامعة بوغازيتشي (البوسفور) وهي إحدى أقدم وأعرق الجامعات التركية، إذ مثل قرار التعيين لأحد المقربين من الرئيس إردوغان والعضو في حزب العدالة والتنمية في رئاسة هذه الجامعة، مخالفة لكافة الأعراف الديمقراطية في الجامعات التركية التي يتولى فيها الرئاسة عبر الانتخابات، وذلك قبل أن تتغير الظروف بمقتضى التعديلات التي أدخلها الرئيس إردوغان ما بعد انتخابه عام 2018، معطيا لنفسه سلطة تعيين رؤساء الجامعات التي تديرها الدولة، من خلال اختياره واحدا من بين ثلاثة مرشحين منتخبين من داخل الجامعة، إلا أنه في هذه المرة ضرب عرض الحائط بهذه القاعدة ليصدر قرارا منفردا بتعيين بولو رئيسا للجامعة، وهو ما رفضه الطلاب وأساتذة الجامعة المطالبون باحترام الأعراف الأكاديمية الديمقراطية التي كانت سائدة قبل التعديلات الدستورية (2017) التي حولت تركيا إلى دولة الرجل الواحد.

ومع توسع ساحة التظاهرات وانتقالها إلى الميادين الرئيسية في تركيا بناء على دعوة بعض مؤسسات المجتمع المدني الرافضة لتغول الرئيس إردوغان على المؤسسات الأكاديمية، تصاعدت الأوضاع وتأزمت الظروف مع التدخلات غير القانونية من جانب الشرطة التركية ضد هؤلاء المتظاهرين الذين شارك معهم بعض نواب المعارضة في البرلمان التركى، الأمر الذي يثير تساؤلات حول تلك المستجدات والتطورات التي ستشهدها هذه القضية التي تعد عنوانا للهيمنة التي يمارسها الرئيس إردوغان وأتباعه في حزب العدالة والتنمية ليس فقط في المؤسسات السياسية وإنما كذلك في المؤسسات الأكاديمية، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار تزامن حملة الاعتقالات التركية للطلاب المتظاهرين مع حملة اعتقالات أخرى لعسكريين بالجيش التركي التي نفذتها الحكومة في الأول من فبراير الجارى (2021) باعتقال 294 عسكريا على خلفية اتهامهم بالانتماء إلى جماعة رجل الدين فتح الله غولن، وذلك في استمرار لمسلسل تصفية الجيش. فما مواقف مختلف الأطراف داخليا وخارجيا حيال ما يجرى في تركيا؟ وما تداعيات كل ذلك على مستقبل العدالة والتنمية في الحياة السياسية التركية مع قرب الاستحقاقات الدستورية 2023؟

يحاول هذا التقرير الإجابة على هذه التساؤلات، من خلال محورين على النحو الآتي:

شرطة مكافحة الشغب التركية تغلق شارعا خلال الاحتجاج على تعيين مليح بولو رئيسا جديدا لجامعة بوغازيتشي. 5 فبراير 2021 - أنقرة (غيتي)

أولا: جامعة البوسفور ومليح بولو... مكانة لا يستحقها

تعد جامعة البوسفور من أهم وأعرق الجامعات في تركيا لدرجة يطلق عليها «هارفارد التركية» وتخرج منها الكثير من النخب التركية كونها أسست في عام 1863 كأول مؤسسة تعليمية وبحثية أميركية في الخارج، وقد تحولت منذ عام 1971 إلى جامعة تركية خالصة. ونظرا لما تتمتع به الجامعة من تاريخ عريق، ورصانة أكاديمية ودور مشهود في الارتقاء بمستوى التعليم العالي والبحث العلمي في تركيا، وبما يجاري مستويات التعليم العالي عالميا، حرص إردوغان على أن يفرض هيمنته عليها لتحويلها إلى واحدة من المؤسسات التابعة لحزبه من خلال تعيين أحد أعضاء حزبه الذين اخفقوا في الانتخابات النيابية عام 2015 عميدا لها، وهو ما يعد مخالفا لكافة الأعراف الأكاديمية من ناحية، ولا يليق بمكانة الجامعة من ناحية أخرى، خاصة إذا ما نظرنا إلى الخبرات السابقة لرئيس الجامعة الجديد «مليح بولو» المولود عام 1970، وتقلده مناصب حزبية وإدارية عديدة في حزب العدالة والتنمية، وترشحه على قوائمه في الانتخابات البلدية والبرلمانية عدة مرات، في حين أنه لا يملك أية خلفية علمية أو أكاديمية، فهو ليس عضوا في الهيئات الإدارية والتدريسية ليس فقط في الجامعة التي عين رئيسا لها، بل في أية جامعة أخرى، وهو ما يعني أن تعيينه جاء على أساس حزبي ودون أي تشاور مع الهيئات الجامعية، الأمر الذي يؤكد على سعي إردوغان على إفساد الحياة الأكاديمية من خلال وضع أشخاص على رئاستها لا يملكون المكانة العلمية والأكاديمية التي تؤهلهم لتولي هذه المناصب، بما يطعن في حرية واستقلالية الجامعات من جانب، ويؤثر سلبا على نزاهتها وجدارتها العلمية والبحثية من جانب آخر، وهو ما أشار إليه صراحة الكاتب التركي مراد يتكين في مقال له بأن أحد أهداف حزب العدالة والتنمية تفريغ الجامعات من مضمونها التعليمي والتوعوي بما يسهل السيطرة عليها.

ضباط الشرطة التركية يحتجزون متظاهرين خلال مسيرة لدعم طلاب الجامعة- إسطنبول (غيتي)

ثانيا: الأزمة الأكاديمية... هل تمثل بداية النهاية للحقبة الإردوغانية؟

تكشف الوقائع عن أن الأزمة ليست في طريقها إلى الحل مع تصاعد الموقف بسبب السياسات الحكومية المتعنتة سواء في تعاملها الأمني مع المتظاهرين، بما شهد استخدام كل أنواع القوة المفرطة بدءاً بإطلاق الرصاص الحي مرورا بالضرب والسحل، وصولا إلى الاعتقال لمئات من هؤلاء المتظاهرين والذي تقدره الحكومة بنحو 600 معتقل وإن كان البعض يشير إلى أرقام تفوق ذلك، ولكن تم الإفراج على أغلبيتهم في حين لا يزال البعض رهن الاعتقال، منهم اثنان صدرت بشأنهما أحكام. هذا فضلا عن موقف الحكومة الرافض للرجوع عن قرارها المعيب بتعيين العميد الجديد الذي رفض بدوره الاستقالة بل وأكد على بقائه في منصبه، وهو ما يوسع الفجوة بين الطرفين (الطلاب والمعارضة من جانب، والحكومة وحلفائها من جانب آخر) بل وتشدد كل منهما في موقفه.

وفي خضم تأزم الأوضاع جاءت ردود الفعل المحلية والخارجية رافضة للسياسات الحكومية وطريقة تعاملها مع التظاهرات الطلابية. فعلى مستوى الداخل التركي، أعلنت مؤسسات مدنية وأكاديمية كثيرة رفضها لهذا القرار. ومن ذلك؛ أصدر رؤساء 35 نقابة للمحامين في جميع أنحاء تركيا بيانا مشتركا يدين عنف الشرطة ضد الطلاب، مؤكدا على أن: «ما يجري مخالف للدستور وقوانين المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وكذلك قوانين القضايا المستقرة للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الدستورية العليا، ونطالب بإنهاء جميع أنواع الضغط على المواطنين الذين يستخدمون حقوقهم الديمقراطية التي لا تشكل جريمة، ونحن ضد جميع الأعمال والإجراءات غير القانونية، بغض النظر عن مصدرها». وفى السياق ذاته عبر الشركاء السابقون للرئيس إردوغان عن رفضهم لهذه الخطوة غير الديمقراطية، إذ انتقد زعيم حزب المستقبل أحمد داود أوغلو ما تم بقوله: «الجامعات ليست أمكنة بلا أرواح، هي إقليم للعقول التي تتغذى من الحرية». وبدوره صرح علي باباجان رئيس حزب الديمقراطية والتقدم بأنه «ينبغي أن تتمتع الجامعات بإدارة ذاتية فبلادنا بحاجة إلى أكاديميين وعلماء أحرار وإلى طلاب منتجين. الحرية والإنتاج لا يتحققان في ظل تعيين رؤساء الجامعات عبر الوصاية. لا نريد عمداء بالوصاية بل نريد أكاديميين أحرارا». ويعني ما سبق خصما من الرصيد السياسي لحزب العدالة والتنمية في الاستحقاق القادم 2023.

الأمر ذاته لم يختلف مع ردود الفعل الدولية التي جاءت رافضة أيضا لقرار الرئيس إردوغان ومؤيدة لمطالب المتظاهرين. وإذا كان من المنطقي أن يرفض الاتحاد الأوروبي بمؤسساته المختلفة هذه الممارسات غير القانونية كما عبر عن ذلك وزير خارجية الاتحاد جوزيف بوريل في بيانه بأن «الاتحاد الأوروبي يشعر بقلق بالغ إزاء التطورات السلبية... في مجالات سيادة القانون وحقوق الإنسان والنظام القضائي»، ليتفق في ذلك مع ما ذهبت إليه المفوضية الأوروبية في بيانها، من أن «احتجاز طلاب يمارسون حقهم القانوني في حرية التجمع مقلق للغاية، ولا يتعين استخدام جائحة كوفيد-19 ذريعة لإسكات الأصوات الناقدة».. إلا أن ما يلفت الانتباه هو الموقف الأميركي ما بعد انتخابات جو بايدن الذي أصبح أكثر اهتماما تجاه ما يجرى في تركيا التي نسجت علاقات جيدة مع الإدارة الأميركية السابقة برئاسة ترامب الذي لم يوجه انتقادات حقيقية لما كانت تشهده تركيا من تراجعات غير مسبوقة في مجال حقوق الإنسان ليس فقط ضد الأكراد وإنما ضد كافة فئات المجتمع التركي الرافضة للسياسة الإردوغانية وهيمنته على مؤسسات الدولة، وهو ما شهد تغيرا مهما مع الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة جو بايدن حينما أعرب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس في بيان له عن «قلق الولايات المتحدة حيال الاعتقالات الجديدة في الأيام الأخيرة في تركيا». ولم يقتصر الأمر على الجانب الرسمي، بل كان للجانب الأكاديمي والعلمي موقف رافض لهذه التجاوزات التركية، إذ أصدر 3317 أكاديميا ومفكرا وكاتبا من جميع أنحاء العالم، بينهم جوديث بتلر ونعوم تشومسكي، بيانا مشتركا تضامنا مع طلاب جامعة بوغازيتشي، جاء فيه أن «حكومة حزب العدالة والتنمية التركية تواصل تقويض حقوق وحريات الأفراد، ومبدأ استقلالية الجامعات والمنظمات المدنية».

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنه رغم حالة عدم المبالاة التي تعبر عنها الحكومة التركية في تعاملها مع تلك التظاهرات الطلابية، اعتقادا منها أن الأمر لن يتجاوز حد الزوبعة في فنجان وأن لديها القدرة للسيطرة على الأوضاع بمزيد من القبضة الأمنية والتعامل الشرطي مع هذه المطالب، إلا أن الواقع قد يتجاوزها في ظل حالة التردي التي تشهدها تركيا على المستويات كافة؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بما ينذر بتداعيات غير مأمونة على استقرار الأوضاع الداخلية خلال المدى المنظور، خاصة أن الخطاب الرئاسي الذي يعبر عنه الرئيس إردوغان لا يعبر عن حالة التذمر والرفض التي تتسع رقعتها بين المواطنين الأتراك، يدلل على ذلك خطابه الأخير بشأن وضع دستور جديد للبلاد، وذلك بقوله: «ربما حان الوقت كي تبحث تركيا مرة أخرى وضع دستور جديد... إذا توصلنا إلى تفاهم مع شريكنا في الائتلاف قد نبدأ الجهود لصياغة دستور جديد في الفترة القادمة».

ولا شك أن خطابه عن التوجه لوضع دستور جديد في البلاد في ظل تلك الأزمات المتزايدة إنما يعكس أحد أمرين:

الأول، الانفصال التام بين رئاسة الدولة وما يجري في الشارع التركي من حراك يرفض كل هذه السياسات التي تحولت على المستوى الخارجي من صفر مشاكل مع الجوار إلى صفر جوار من دون مشاكل وأزمات. وعلى المستوى الداخلي من تنمية واستقرار اقتصادي إلى أزمات معيشية طاحنة تزداد سوءا كل يوم. ويدلل على صحة هذا التفسير ما قام به الرئيس إردوغان مؤخرا (أوائل فبراير/ شباط الجاري) بتعيين 11 رئيسا جديدا لبعض جامعات البلاد بموجب مرسوم رئاسي غير عابئ بالتصعيد الذي يشهده الشارع التركي منذ قراره بتعيين رئيس جامعة البوسفور، بل ذهب أيضا إلى الإعلان عن إنشاء أقسام جديدة في جامعة بوغازيتشي، وهما: كليتا القانون والاتصالات الجديدتان، كخطوة لاستكمال الهيمنة على الجامعة من ناحية، وبعث رسالة إلى أنصاره بأن كل الأمور تحت السيطرة وأنه الوحيد الذي يتحكم في كل شيء من ناحية أخرى.

 

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (غيتي)

أما الأمر الثاني، التجاهل المتعمد من جانب الحكومة لتداعيات هذه التظاهرات على أمل أنها ستنتهي بفعل القبضة الأمنية كما عبر عن ذلك الرئيس إردوغان في خطابه إلى أعضاء حزبه بأننا: «سنفعل كل ما هو مطلوب لمنع ذلك... وأن المحتجين الشباب يفتقرون إلى القيم الوطنية والروحية لتركيا، وهم أعضاء في الجماعات الإرهابية» وهو ما أكده أيضا وزير داخليته سليمان صويلو، بقوله إن «79 من الطلاب المعتقلين أعضاء في منظمات إرهابية»، مؤكدين على أن ما جرى عام 2013 لن يتكرر مرة أخرى حينما خرج مئات الآلاف من الناس في مسيرة ضد خطط الحكومة لبناء ثكنات في حديقة جيزي في إسطنبول، وهو ما أشار إليه الرئيس التركي صراحة بقوله: «هذا البلد لن يعيش مرة أخرى حدث جيزي في تقسيم، لن يسمح بذلك، لم نقف مع الإرهابيين ولن نفعل ذلك». كما عبر عن التوجه ذاته رئيس الجامعة المعين مليح بولو برفضه تقديم استقالته وتأكيده في حديثه للصحافيين بأنه يفترض أن «الأزمة التي بدأت مع تعيينه ستنتهي في غضون 6 أشهر».

وفى كلا الأمرين (سواء كان ثمة غياب لفهم ما يجري أو تجاهل له) تنذر هذه الأزمة بقرب نهاية المرحلة الإردوغانية التي عانت فيها تركيا من تراجعات داخلية وأزمات خارجية وتوترات إقليمية بسبب سياساتها التدخلية في شؤون كثير من الدول.

ملخص القول إن الأزمة الأكاديمية هي بداية النهاية لنظام دولة الرجل الواحد والتي ستدخل الاختبار الشعبي بعد ما يقرب من عامين مع الاستحقاق النيابي والرئاسي عام 2023، شريطة أن تتوحد القوى السياسية التركية الرافضة لسياسات حزب العدالة والتنمية داخليا وتوجهاته خارجيا، لأن فشل هذه القوى في مواجهة هذا التغول يعني هيمنة كاملة لدولة العدالة والتنمية على مقدرات تركيا لعقود أخرى سيعاني خلالها الشعب التركي مزيدا من الإفقار اقتصاديا، والكبت والقهر سياسيا، والسجن والاعتقال أمنياً.