أبي

 

كنا نسمع ونحن صغار أن الحزن يولد كبيراً، ومع مرور الوقت يقل ويصغر، حتى يصل إلى الحجم الذي يكاد أن لا يشعرنا بالحزن الدي وُلد في قلوبنا، ولكن التجارب دائماً هي كبد الحقيقة، وللأسف هذه المقولة لا تمت للواقع بصلة، فالحزن حزن أياً كان، لا ينتهي، بل يترك في القلب غصة، وفي العين دمعة، وفي الضلوع وقيداً لا ينطفئ جمره، لفراق من نحب أو من كنا نعتقد في يوم من الأيام أنه لن يفارقنا.

للأسف أكتب هذه الكلمات في رثاء أبي الذي لم أتصور يوماً أن يفارقني، بل إن الله وحده هو من يعلم كمّ الألم الذي أحمله بين ضلوعي لفراقه، ولكن هذه هي سُنة الحياة التي فطر الله الناس عليها؛ في رحلة تحمل بين صفحاتها ألماً وأملاَ، حزناً وفرحاً، وتنطوي تلك الصفحات بكل ما تحمله بين سطورها لتبقى بعدها ذكريات، عندما نتذكرها نسترجع لحظات نندم على أننا لم نكن فيها بجوار من نحب ومن فارقنا دون أن ندرك أو نستوعب كيف فارقنا.

ولأبي معنا ذكريات تعجز الكلمات عن وصفها، فهو من علمنا معنى العطاء بغير حساب، والحب بغير حدود، والتسامح مع كل من خذلنا... هو من علمني كيف أحب، وعلمني معنى الوفاء والإخلاص.

وأتذكر عندما كنا صغاراً كيف كان يشعر بنا عندما تضيق نفوسنا، فكان في قسوته حانياً وعطوفاً بشكل لم أدركه إلا بعدما أصبحت أباً، حتى ونحن كبار عندما كان بجوارنا كنا نشعر بالأمان، لكن بعد فراقه أُصبنا بالوهن والضعف رغم عدم مرور وقت كبير على فراقه، فكان وجوده معنا درعًا حصينة نتدرَّع بها، فلم يكل أو يمل- رحمة الله عليه- بل إنه كلما ازدادت متاعبنا، ازداد حبه وعطفه علينا، وبموته مات من كان يريد أن نكون أكثر نجاحاً منه.

يعلم الله أن أبي كان صواماً قواماً ربانياً زاهداً عابداً، لم يبحث في يوم من الأيام عن جاه أو مال، بل كان زاهداً راضياً بقضاء الله وقدره، حتى في رحلة مرضه كان مؤمناً بأنه قضاء الله وقدره، وبأنه باب الله الأعظَم، وجنة الدُنيا، وراحة الصَابرين، فلم ييأس إلى أن أدركته رحمة الله بقضائه لتنتهي رحلة معاناته مع الألم الذي أرهق جسده، ليكتب الله له الرحمة ويُكتب لنا الألم بفراقه وفقدانه؛ فرحمة الله على من فارقنا وكان في فراقه عز ورحمة له من المرض، وترك وراءه شوقاً في القلب زاد بعد رحيله؛ فاللهم إن أبي كان لكتابك تالياً، وله حافظاً، فشفِّع فيه القرآن وارحمه من النيران واجعله يا رحمن يرتقي في الجنة حتى آخر حرف قرأه وآخر آيةٍ تلاها.. برحمتك يا أرحم الراحمين.