وزير الري المصري الأسبق لـ«المجلة»: على مصر والسودان استخدام وثيقة واشنطن كمرجع للاتفاق مع إثيوبيا

* تعنت إثيوبيا ومطالبتها بحصة من المياه محاولة لإعادة تقسيم المياه على مصر والسودان
* أتمنى أن ينتهي الخلاف وأن يتم التوافق... وما عدا ذلك ستشتعل المنطقة
* من الصعب جداً تحديد ردود فعل الجانب المصري... واتخاذ موقف عسكري في يد القيادة السياسيةفقط
* من وقف خلف استخدام الشباب في ثورة يناير هو من يقف خلف بناء سد النهضة في محاولة لكسر مصر

 

القاهرة: أكد محمد نصر علام وزير الري والموارد المائية المصري الأسبق أنه من الضروري الاتفاق بين مصر والسودان على مبادئ مشتركة فيما يخص أزمة سد النهضة، فأي قطرة مياه تنقص من نهر النيل تضر البلدين، مع الوضع في الاعتبار أن تكون اتفاقية واشنطن هي المرجعية الأساسية وورقة الضغط التي يستخدمها المفاوض لحل الأزمة..

كما تحدث الوزير المصري الأسبق عن اتفاقية عنتيبي ورفض مصر والسودان التوقيع عليها، وأكد أن هناك من يحرّض على خنق مصر من جهة الجنوب، مشدداً على ضرورة أن يكون موقف مصر والسودان واحداً..

حول أزمة سد النهضة، والخيارات المتاحة لحل هذه المشكلة ودور الاتحاد الأفريقي في الوساطة بين مصر والسودان وإثيوبيا، وغير ذلك من القضايا المتعلقة بالمياه، كان هذا الحوار مع الدكتور محمد نصر علام، وزير الري المصري الأسبق..

 

* ما موقف دول حوض النيل من أزمة سد النهضة؟

- دولة إثيوبيا كانت متزعمة الموقف خصوصا في اتفاقية عنتيي، ووضعت شروطا بمعايير معينة، جزء منها حسب اتفاق الأمم المتحدة عام 1997 وجزء منها مفتعل لصالح دول المنابع، وأهم بنود هذه الاتفاقية إعادة تقسيم حصص المياه على دول المصب وقد اختلفت مع هذا الأمر حينما تم تعييني وزيرا للري والموارد المائية، لسببين: الأول أن هناك دولا منذ آلاف السنين، تحصل على نسبة محددة من مياه النيل، وعلى رأسها مصر، ثم تأتي دولة تريد تقليص الحصة دون معرفة نسبة هذا التقليص، وبحسب أهواء دول بعينها، في حين أن معظم دول حوض النيل منابع، وتقوم بالزراعة والصناعة، ويفيض، فليس من المعقول تجاهل حصة بعض الدول. السبب الثاني قيام دول المنبع بتغيير ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية حوض النيل من أن القرارات يجب أن تكون بالتوافق بين دول الحوض، فقامت هذه الدول بزعامة إثيوبيا من أجل الحصول على أغراضها بتغيير «التوافق»إلى «أغلبية».وهذا نقض لما تم الاتفاق عليه، لذلك فإن كل الاجتماعات التي تمت في هذا الإطار تم تمريرها بالأغلبية، وهذا يعني مخالفة للائحة المنظمة للعلاقات والقرارات في دول حوض النيل. وكان رأي مصر والسودان أن جميع القرارات الصادرة من اجتماعات وزراء دول حوض النيل مخالفة، وأمام رفض مصر والسودان أصرت إثيوبيا على ذلك، وتم التوقيع على اتفاقية عنتيي، لكن مصر والسودان لم يوقعا عليها ومعهما بوروندي، وفي نفس الوقت وقعت خمس دول على الاتفاقية، وهو ما اعتبرته مصر والسودان مخالفا للقانون، وفي مارس (آذار) 2011 قامت بوروندي بالتوقيع على الاتفاقية عن طريق الضغط التجاري، لأنها دولة حبيسة وصادراتها كلها تتم عن طريق تنزانيا وكينيا، ليصبح من وقع على الاتفاقية 6 دول، وهذا الرقم كافٍ في حالة اعتماد ذلك من البرلمان في كل دولة، لكن ما حدث غير ذلك، حيث إن بوروندي لم تقر الاتفاقية في البرلمان، وكذلك كينيا، لتصبح اتفاقية عنتيبي معطلة، ولا قيمة لها.

وكان من أكبر الدول دعماً للاتفاقية أوغندا وإثيوبيا. وبعد قيام ثورة يناير 2011 فوجئنا بسد النهضة، وبالرغم من قيام القيادة السياسية في مصر في الفترة الانتقالية بالسماح لإثيوبيا ببناء السد وهم يطمعون في بناء أكبر سد ممكن يخزن 74 مترا مكعبا من المياه إلا أن مصر لم تقف حاجزا لمنع البناء، ثم جاءت اتفاقية إعلان المبادئ، وأهم بنودها قاعدة عدم الإضرار وهي اتفاقية قانونية ملزمة، كما تنص على مدة التخزين بما لا يحدث ضررا بدول المصب، وهنا ظهر تعنت إثيوبيا وهي تطالب بحصة من المياه ليصبح السد عبارة عن ذريعة من الذرائع التي تستخدمها أديس أبابا للحصول على نسبة من المياه بهدف الضغط على الدول.

 

* وماذا عن رفض مصر والسودان التوقيع على اتفاقية عنتيبي؟

- بعد أن رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاقية واشنطن للضغط على مصر والسودان بهدف التوقيع على اتفاقية عنتيبي، لكنموقف مصر من هذه الاتفاقية الرفض التام، والسبب في ذلك أن الاتفاقية لم يوقع عليها سوى 4 دول، بعد اعتماد البرلمان فيها، كما ذكرنا سابقا، لكن إثيوبيا تريد إجبار مصر على توقيع الاتفاقية رغم أن القاهرة لا تعترف بها، من هنا جاءت المهاترات التي تمت من أديس أبابا طوال السنوات الماضية.. في نفس الوقت هناك دول كانت مؤيدة في الماضي للموقف المصري، منها الكونغو وبوروندي مع السودان، التي سيقع عليها نفس الضرر، مع الوضع في الاعتبار أن دولة جنوب السودان لم توقع نهائيا.

 

* ثمة من يقول إن هناك مخططاً لخنق مصر خلف موقف إثيوبيا، كيف ترى ذلك؟

- مصر دولة مركزية، وهي قلب العالم العربي والإسلامي، كما أنها حائط الصمود أمام الغزوات الاستعمارية على المنطقة العربية، وهذا معروف للعدو قبل الصديق. بالإضافة إلى وجود قناة السويس، وعندما تم استعمار مصر من قبل بريطانيا، لم يهتم المصريون بقناة السويس ولكن اهتموا بالنيل، حينها اخترعت بريطانيا سياسة العصى والجزرة مع المصريين فبدأت تستخدم الخدمات مقابل بقائها في مصر وحماية جنودها وحينما استقلت مصر ذهبت بريطانيا إلى السودان وقامت ببناء سد لمعاقبة المصريين لزراعة القطن الذي كانت تحصل عليه من مصر أثناء احتلالها، وهذه السياسة تتبعها الآن إثيوبيا وآخرون والهدف الأساسي للسد هو خنق مصر، مع الوضع في الاعتبار أن من كان خلف استخدام بعض الشباب الذين شاركوا في «ثورة يناير» لزيادة وتأجيج الأحداث هم من خلف بناء السد، في محاولة لكسر مصر، وهذا مخطط أساسي للقضاء على المنطقة ومن المشهد الحالي تلاحظ أن هناك مؤامرة لهدم دول الربيع العربي والقضاء على المؤسسة. من هنا أؤكد على وجود دعم مقدم لأديس أبابا والدليل على ذلك ما حدث في الفترة الأخيرة من حراك شعبي، وقامت الحكومة هناك بضرب المواطنين بالطائرات، هل هناك إدانة صدرت من المجتمع الدولي ضد ما حدث للمواطنين؟ لم يصدر بيان واحد ضد ما حدث من انتهاكات، شيء آخر ما حدث لآبي أحمد وتردد أنباء عن تعرضه للاغتيال هل تم تداول ذلك؟ بالطبع لا.

 

* مصر والسودان مصير واحد، كيف ترى ذلك؟

- السودان طرف مهم جدا، وهو في قلب الحدث، وعلى مدار سنوات عديدة ارتبطت مصر والسودان ليصبحا مصيرا واحدا، وهما في الواقع مرتبطان ارتباطا وثيقا، وإذا حدثت أزمة في مصر يشعر بها السودان، وللعلم الخرطوم حمل العبء مع مصر في نكسة 1967، وقد حاولت إثيوبيا شق الصف المصري السوداني عن طريق خلق أزمات بين البلدين، والوقيعة بينهما، وفي الوقت الذي شهدت فيه العلاقات بين مصر والسودان بعض التوتر تم تعييني وزيرا للري، حيث أوليت اهتماما كبيرا لعودة العلاقات، على أن تكون هناك شفافية كاملة وتبادل للمعلومات بينهما.. وفي فترة الرئيس السابق البشير وما حدث بعد الإطاحة بالإخوان من حكم مصر، تمت تغذية الكراهية في الجانب السوداني وخصوصا في جانب الشباب، لكن لا يستطيع أحد زرع كراهية مصر داخل كبار السن هناك لأنهم يعرفون قيمة مصر جيدا، خاصة وأن هناك قطاعا كبيرا يرتبط بالتجارة مع مصر، خصوصا الجنوب، وهناك علاقات أسرية وتبادل زيارات، وقد عمل التيار الديني فترات طويلة على استغلال بعض الأمور لتغذية مشاعر الكراهية بين الشعبين، ولا بد من وضع حلول سريعة للمشاكل العالقة بين البلدين وإعادة التكامل والقيادة تلعب دورا في ذلك. وأنا من وجهة نظري أرى أن القيادة في مصر والقيادة في السودان الآن يريدان حل هذه الأزمات لصالح الشعبين... وليعلم الجانبان أن كل نقطة مياه تنقص من النيل تضر البلدان، ومن المهم الاتفاق على النقاط الخاصة بسد النهضة، مع الوضع في الاعتبار مصالح مصر والسودان والاتفاق على مبادئ واحدة وإن تم ذلك سيكون قد تم حل 50 في المائة من مشاكل السد .

 

* وماذا عن تدخل الاتحاد الأفريقي في الأزمة؟ 

- هناك خلاف سابق بين مصر وجنوب أفريقيا وهي رئيسة الدورة الأخيرة للاتحاد الأفريقي على خلفية الصراع على مقعد مجلس الأمن، وهناك حالة تنافس شديدة بين البلدين ولا يوجد مناخ من التعاون، بالإضافة إلى أنه سبق أن ذهب المسؤولون الإثيوبيون إلى دولة جنوب أفريقيا يطلبون التدخل والضغط على مصر لتمر مطالب بلدهم، لكن مصر رفضت ذلك، الأمر الذي استغلته أديس أبابا بزعم أن مصر تتجاهل الاتحاد الأفريقي، وفي هذا الشأن حققت إثيوبيا نقاطا عديدة لصالحها، خصوصا بعد أن أيد مجلس الأمن قرار إثيوبيا بتدخل رئيس الاتحاد الأفريقي في المفاوضات، والسبب في ذلك أن مجلس الأمن يعتمد أولا عرض القضية على الاتحاد الإقليمي قبل النظر في الشكوى المقدمة، وهذا الأمر في لائحة مجلس الأمن حيث تنص على أن «المنظمات الإقليمية هي الأولى بنظر النزاعات في الإقليم»،وفي نفس الوقت جنوب أفريقيا لا تستطيع أن تعادي إثيوبيا، لكن الاتحاد في استطاعته حل الأزمة، بدليل أنه جمد عضوية مصر وهي الدولة المؤسسة للاتحاد، بعد يونيو (حزيران) 2013، وكذلك جمد عضوية السودان، والمفوضية الأفريقية لديها رؤساء أشداء من الممكن من خلالهم التدخل لحل الأزمة، وهذا كله تجاهله رئيس الاتحاد الأفريقي وخضع لشروط إثيوبيا وسمح لها ببناء السد المخالف للقوانين الدولية وتعنتها في سنوات ملء السد. 

 

* هل إهمال مصر للاتحاد الأفريقي وخصوصاً بعد حادث تعرض الرئيس الراحل مبارك للاغتيال في أديس أبابا صعّب الأمر على مصر؟

- على مر التاريخ هناك اضطرابات في العلاقات بين مصر وبعض الدول الأفريقية وعلى رأسها إثيوبيا منذ آلاف السنين، حتى في زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكذلك مع السودان، أما باقي دول حوض النيل فكانت الخلافات بسيطة، مع الوضع في الاعتبار أن مصر كانت تدعم هذه الدول وهي ليست لها أطماع كبيرة، لكن إثيوبيا بالذات لعلاقاتها وضع خاص، حيث إن معظم المياه القادمة للنيل في مصر السودان منها. في نفس الوقت لا يوجد تعاون مستمر، فهي دائما ما تتحدث عن أن نهر النيل ملكها وهذا الحديث يوتر العلاقات لذا فإن التفاهم معها في منتهى الصعوبة، وللعلم أي خلافات مع باقي دول حوض النيل يتم تداركها وسرعان ما تعود العلاقات.

 

* وماذا عن الوساطة الأميركية في الأزمة؟ 

- مما لا شك فيه أن هذه الوساطة حركت المياه الراكدة في الأزمة، حيث تمت المفاوضات بحضور خبراء فنيين في مجالات السدود، حيث تمت مناقشة الأزمة بين الوفود المصرية والسودانية والإثيوبية مناقشة فنية على أحدث النماذج، وتم التوافق بين الوفود الثلاثة على معظم بنود المفاوضات، خاصة القضايا الفنية لسد النهضة وتمت الموافقة عليها، لكن سرعان ما تنصلت إثيوبيا وتراجعت عن موقفها ثم انسحبت من المفاوضات بعد علمها بالبنود القانونية الخاصة بأن الاتفاق ملزم، وفض المنازعات، وفترات الجفاف. وعاودت الحديث عن حصة من مياه النيل، وبعدها تقدمت لمجلس الأمن بطلب تطالب فيه مصر بالانضمام إلى اتفاقية عنتيبي، وهذا الحديث بعيد كل البعد عن موضوع المفاوضات.. بالإضافة إلى ما يحدث الآن من السودان وإعادة الأراضي التي استولت عليها إثيوبيا وتم تحريرها، وهو ما يير إلى واحدة من أهم مشاكل السودان مع إثيوبيا، وهو موقف غريب من أديس أبابا، فعندما تتحدث السودان عن مشاكل سد النهضة تجد أديس أبابا تتحدث عن الخروج من الأراضي التي حررتها الخرطوم مع أن هذه الأراضي سودانية، باعتراف إثيوبيا.

 

* وماذا عن القواعد العسكرية التركية... هل هي مساندة للجانب الإثيوبي؟ 

- عندما انسحبت إثيوبيا من اتفاق واشنطن وقام آبي أحمد بزيارة تركيا من أجل الخروج من هذا المأزق وضع خطة للحصول على حلول، لأن العلاقات التركية الإثيوبية كبيرة، خصوصا أن هناك اتفاقية أمنية بين البلدين، وما يحدث في الشأن الإثيوبي هو ما حدث في ليبيا من جانب تركيا، ولو أن الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يضع خطوطا حمراء في الشأن الليبي لتمادت تركيا، في نفس الوقت هناك قواعد عسكرية تركية تحمي مطار أديس أبابا بخلاف الأسلحة التي ترسل، وهذا هو المعلن، وما خفي كان أعظم، ولا يخفى على الجميع أن إردغان ينفذ أجندة، وهذه الأجندة من المعلوم أن أساسها هو خنق مصر.

 

* بعد تعثر المفاوضات بين مصر وإثيوبيا، هل هناك حل عسكري؟

- لا أحد يستطيع تحديد ذلك إلا القيادة السياسية، وأنا لدي رجاء إلى الله أن تنتهي هذه الخلافات، فبخلاف ذلك سيتم إشعال النار في المنطقة، ولا أحد يستطيع أن يعلم ماذا يمكن أن يحدث لها؟ ومن الصعب جدا تحديد ردود الفعل خاصة من الجانب المصري، ومن أجل نهاية هذه الأزمة لا بد من التوافق... وتجب الإشارة إلى أنه لم تحدث مفاوضات إلا بعد التدخل الأميركي، وما كان يتم قبل ذلكعبارة عن «خناقات»،والخلاف بين مصر والسودان والجانب الإثيوبي على نقاط محدودة، كما ذكرنا من قبل، مثل: هل الاتفاقية ملزمة؟ مشاكل إدارة السد في سنوات الجفاف. 

وأريد أن أؤكد على ضرورة أن تتمسك مصر والسودان بأن تكون اتفاقية واشنطن هي المرجع، لأن الجانب الإثيوبي يرفض كل الحلول التي يتم طرحها من جانب مصر والسودان.