عثمان محمد علي: أرفض حرية الإبداع، ولهذا السبب أطالب بتغيير مادة في الدستور

قال في حوار لـ«المجلة»: ظلمت ولم أحصل على حقي... ولكني راضٍ بالمقسوم

* عملت مع نور الشريف وعادل إمام ويحيى الفخراني ومحمود ياسين

* فترة الستينات هي العصر الذهبي للفن في مصر ونحن نسير الآن للهاوية بسبب الأعمال الحالية

* لم تعد الدراما ترتقي لمستوى القوة الناعمة بعد أن أصبح «عاهات البشر»نجوماً

* زكي طليمات ساعدني كثيراً وحسام الدين مصطفى منحني فرصتي مع «الفرسان»

* لا يعلم الكثيرون أنني المصحح اللغوي للأعمال التاريخية والإسلامية الشهيرة

* سجلت القرآن الكريم بصوتي في 1550 حلقة مترجمة لغير الناطقين باللغة العربية في مختلف أنحاء العالم

* تركت العمل في المجال الحقوقي من أجل حبي للفن

* محمد وفيق وعبد العزيز محمود وعزيزة راشد نجوم قدمتهم لعالم الفن

 

قال الفنان عثمان محمد علي إنه سعيد وفخور بتجربته الفريدة في تقديم مسلسلات تاريخية وإسلامية شهيرة في الدول العربية، ومنها المملكة العربية السعودية، وإنه لا يكترث بفكرة البطولة المطلقة التي حرم منها على مدار تاريخه الفني الذي يتجاوز نصف قرن، وأضاف في حواره لـ«المجلة»أنه متصالح مع نفسه ولا يشعر بالحزن على عدم حصوله على ما يستحقه من شهرة ونجومية تتناسب مع ريادته ومساهماته في أعمال فنية راقية المستوى. وأعرب عن سعادته الكبيرة بابنته الفنانة سلوى عثمان وأدائها المميز في العديد من الأعمال الشهيرة ومنها مسلسل «سجن النسا».

وذكر الفنان عثمان محمد علي تفاصيل عن علاقته بالرائد المسرحي الكبير زكي طليمات، وكذلك ذكرياته مع الدكتور فؤاد محي الدين رئيس وزراء مصر الأسبق. وانتقد عثمان الأعمال الفنية الموجودة على الساحة حاليا ووصف بعض نجومها بـ«العاهات»على حد قوله، وطالب بتغيير مادة في الدستور المصري لعودة الرقابة على المصنفات الفنية كما كانت في مرحلة الستينات من القرن العشرين، رافضا مبدأ حرية الإبداع المطلقة. وأشار إلى اكتشافه وتقديمه لعدد كبير من نجوم الدراما في التلفزيون والسينما وعلى رأسهم الفنان الراحل محمود عبد العزيز.

وعلى الرغم من أنه بدأ مسيرته الفنية مع عمالقة المسرح المصري، إلا أن الجمهور ارتبط به من خلال أعماله التلفزيونية الشهيرة مثل «رأفت الهجان»، «أبنائي الأعزاء شكرا»، «لن أعيش في جلباب أبي»، «يتربى في عزو»، و«الضوء الشارد»، و«أميرة في عابدين»، و«أفراح إبليس»، و«العراف»،وغيرها من الأعمال التي شارك فيها كبار النجوم، أمثال عادل إمام، ونور الشريف، ويحيى الفخراني، ومحمود ياسين، ومحمود عبد العزيز، وعبد المنعم مدبولي، وسميرة أحمد، ويوسف شعبان، وممدوح عبد العليم. كما كان عنصرا مشتركا بين أشهر المسلسلات التاريخية والإسلامية التي قدمها عبر تاريخه الفني الطويل، ومنها مسلسلات «الفرسان»، و«الأبطال»، و«رياح الشرق»، و«عصر الأئمة»، و«أبو حنيفة النعمان»، و«الإمام الشافعي»، و«لا إله إلا الله».

إلى جانب المسرح والتلفزيون، كانت له مشاركات مميزة في أفلام سينمائية شهيرة، منها: «شجيع السيما»مع أحمد آدم، و«أقوى الرجال»مع سهير رمزي، و«شبكة الموت»، و«أمن دولة»مع نادية الجندي. كما تزخر مسيرته الفنية بمئات الأعمال الدرامية التي أثرى بها الإذاعة، إلى جانب تجربته الخالدة في تسجيل القرآن الكريم كاملا بصوته في 1550 حلقة، تمت ترجمتها للغات الإنجليزية والفرنسية، وعرضها في مختلف بلدان العالم.

 

ينتمي الفنان المصري عثمان محمد علي لجيل الرواد، وهو من مواليد الإسكندرية عام 1935، درس بكلية الحقوق جامعة القاهرة، إلا أن حبه للفن أخذه بعيدا عن العمل في الحقل الحقوقي، ودرس بمعهد الفنون المسرحية على يد الفنان زكي طليمات، ومارس العمل المسرحي التربوي وقد لا يعلم الكثيرون أنه تولى مناصب تنفيذية في فترة من الفترات في محافظة الإسكندرية كما عمل مستشارا فنيا مسؤولا علن الأنشطة والفاعليات الفنية في عدد من الأندية المصرية، منها نادي سموحة، ونادي الاتحاد السكندري. وعرف عنه عشقه وولعه باللغة العربية والشعر، مما جعله يؤلف كتابا عن فن الإلقاء، كما تولى مهمة المراجعة اللغوية لأغلب المسلسلات التاريخية والدينية التي قدمت على الشاشة الصغيرة.

للفنان عثمان محمد علي ابن دكتور مهندس وهو الدكتور هشام عثمان، وابنة هي الفنانة الشهيرة سلوى عثمان. كرمته جامعة الدول العربية في عهد أمينها العام الأسبق عمرو موسى، وجمعية لسان العرب، وحصل على درع التفوق في اللغة العربية. وقد كرمته وزارة الثقافة المصرية مؤخرا تقديرا لمسيرته الريادية في الحقل الفني والثقافي، وحول هذه المسيرة ومشواره الفني الطويل أجرت «المجلة»معه هذا الحوار...

 

* بداية نود التعرف على الفنان عثمان محمد علي؟

- أنا فنان مصري من جيل الرواد، عشقت التمثيل من صغري وأنا في المرحلة الابتدائية والتحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية وكان وقتها يسمى المعهد العالي لفن التمثيل العربي، أيام زكي طليمات، والتحقت أيضا بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول، التي أصبحت فيما بعد جامعة القاهرة. وإلى جانب ذلك درست دراسة دينيه مما ساعدني على حفظ القرآن الكريم والحمد لله.

 

* تنوعت دراستك بشكل ساعدك في الجمع بين مختلف أنواع الفنون والعلوم والثقافات. فمن كان صاحب الفضل في توجيهك آنذاك؟

- من صغري أعشق التمثيل وأحب القراءة والاطلاع والثقافة وأذكر وأنا في المدرسة الابتدائية أنني شاركت في جمعية التمثيل وجمعية الأناشيد وحصلت على جائزة وأنا طفل صغير وهو ما حببني في الفن وشجعني على الاستمرار في هذا الطريق جنبا إلى جنب مع دراستي بالمدرسة وصولا للمرحلة الثانوية كما عملت أيضا أثناء دراستي فكانت حياة زاخرة بالكفاح. والتحقت بكلية الحقوق في الوقت الذي كان الالتحاق بها حلما يراود الجميع باعتبارها رمزا علميا كبيرا ومكانا يتخرج فيه كبار الشخصيات والساسة ورجال القضاء.

 

 

* ولماذا لم تعمل بمجال دراستك الحقوقية التي كانت تحظى بقيمة أدبية كبيرة آنذاك؟

- بالفعل كانت دراستي بكلية الحقوق في فترة العظماء، حيث كان يدرس لي قمم القانون في مصر آنذاك، منهم الفقيه القانوني الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري، والدكاترة سليمان مرقص، وعبد المنعم بدر، ومحمود مصطفى، وصوفي أبو طالب، ورفعت المحجوب، الذي كان وقتها معيدا بالكلية. ولكن حبي للتمثيل كان أكبر من الرغبة التي كانت تكتنف الكثيرين ممن يلتحقون بكلية الحقوق وقتها كمدخل للعمل في مجال القضاء. وقد شجعني حبي العميق للفن على النجاح في المواظبة بين دراسة الحقوق والفن في نفس الوقت حيث إن الدراسة في المعهد كانت في الفترة المسائية بينما كانت الدراسة الجامعية في الفترة الصباحية، ومن ثم لم يكن هناك تعارض بينهما.

 

* كيف كانت بدايتك العملية بعد التخرج؟

- عشقي لبلدي الإسكندرية جعلني أحرص على عدم مغادرتها والعيش فيها والعمل فيها منذ تخرجي في الجامعة رغم الفرص العديدة التي صادفتني للانتقال للعيش بالقاهرة. كنت أعمل مستشارا للمسرح في الإسكندرية وهي مهمة تربوية تقتضي التعامل مع التلاميذ والمواهب الشابة في مختلف مدارس الإسكندرية وكنت أعتبرها رسالة سامية أهم عندي من أي هدف آخر فمكثت في الإسكندرية ومارست الأنشطة الفنية التربوية والثقافية وكان من حسن حظي أنني عاصرت شخصيات عظيمة منهم حمدي عاشور محافظ الإسكندرية وقتها، والذي عملت معه في مجلس المحافظة، والدكتور فؤاد محيي الدين أيضا الذي كان محافظا للإسكندرية قبل توليه رئاسة وزراء مصر فيما بعد.

* هل هناك ذكريات جمعتك ببعض مشاهير السياسة؟

- من أجمل تلك الذكريات فترة عملي مع الدكتور فؤاد محيي الدين حينما ذهبت إليه، وعرضت عليه تجربة إنشاء فرقة موسيقية للأطفال تعمل بالآلات النحاسية بعد أن راقتني الفكرة أثناء زيارتي لإحدى دور الأيتام في إطار عملي التربوي والمسرحي. وفوجئت به يوافق على تنفيذ الفكرة على نطاق واسع ومنحني كل الصلاحيات اللازمة ونجحنا في إنشاء أول فرقة للآلات النحاسية من أطفال الملاجئ وقدمنا وقتها مهرجانا كبيرا احتفالا بأعياد الطفولة في الشوارع كما أقمنا حفلا ضخما لهؤلاء الأطفاء في مسرح سيد درويش في الاسكندرية بحضور المحافظ فؤاد محيي الدين وهي فترة من أجمل فترات حياتي لشعوري بقيمة الفن وأهميته كرسالة تربوية يسهم فيها جميع الأطراف والمسؤولين. واستمر هذا التوجه نحو الفن كرسالة من خلال عملي أيضا كمستشار فني للعديد من الأندية السكندرية الكبرى منها نادي سموحة والاتحاد والصيد. كما نجحت خلال مسيرتي الفنية في اكتشاف عدد كبير من الفنانين وتقديمهم للجمهور حتى أصبحوا نجوما منهم الفنان محمود عبد العزيز ومحمد وفيق وإسماعيل محمود وعزيزة راشد وهم جميعا كانوا تلامذتي وكنت سببا في التحاقهم بالمعهد ما عدا محمود عبد العزيز الذي اتخذ خطواته نحو السينما والفن بشكل مختلف بعد عمله مع المخرج نور الدمرداش.

 

* إلى جانب عملك التنفيذي في الجانب التربوي والثقافي، خضت تجربة التمثيل باقتدار وبدأت مع الرواد لتتجاوز مسيرة عطائك الإبداعي نصف قرن، فكيف خضت غمار التمثيل؟ ومن فتح لك أبواب الشهرة؟

- يرجع الفضل للأستاذ المسرحي العظيم زكي طليمات فهو الذي أخذ بيدي وشجعني وأنا في سنة أولى بالمعهد وكانت آخر سنواته في المعهد فكان بمثابة المرشد لي. وعشقت المسرح وقدمت عددا كبيرا من المسرحيات لقمم أدبية عربية منها مسرحية «الغربان»للدكتور محمد عناني، ومسرحية «ليلى والمجنون»لصلاح عبد الصبور. وكانت بدايتي في الأعمال الدرامية من خلال مشاركتي في المسلسل الإذاعي «حب وإلهام»عام 1954، ثم تلتها أعمال عديدة منها مسلسلات «للحب رأي آخر»، «مهاجر إلى الصمت»، «الفنان والوهم».

 

* إلى جانب المسرح والإذاعة شاركت في السينما بعدد من الأفلام هل تذكرها؟

- بالفعل قدمت عددا قليلا من الأعمال السينمائية، منها: «أقوى الرجال»بطولة سهير رمزي، و«شبكة الموت»، و«أمن دولة»بطولة نادية الجندي، و«ثمن الغربة»بطولة عادل أدهم، و«شجيع السيما»بطولة أحمد آدم.

 

* لمن تدين بالفضل في شهرتك: السينما أم التلفزيون أم المسرح؟

- طبعا كان للتلفزيون أثره الكبير في تعريف الناس بي من خلال مشاركتي في مسلسلات شهيرة وذات جماهيرية كبيرة، منها: «أبنائي الأعزاء شكرا»لعبد المنعم مدبولي، و«الحاج متولي»،و«لن أعيش في جلباب أبي»لنور الشريف، و«الضوء الشارد»مع ممدوح عبد العليم، و«يتربى في عزو»بطولة يحيى الفخراني. وغيرها الكثير. لكني أدين بالفضل للمخرج حسام الدين مصطفى الذي كانت بدايتي معه في مسلسل «الفرسان»مع كوكبة من نجوم الدراما العربية، وقدمت فيه بدور «السلطان جلال الدين»الذي أعتبره نقلة كبيرة بالنسبة لي. كما شرفت بتقديم عدد كبير من الأعمال التاريخية والدينية التي أذيعت في مختلف أنحاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وحققت نجاحا كبيرا، منها: «الإمام الشافعي»، و«أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة»،وهي أعمال أعتز بأنني توليت فيها مهمة التصحيح اللغوي أيضا.

* أي الأعمال التي شاركت فيك هي الأقرب لك؟

- كل أعمالي لها مكانة عندي، ولكن أقربها لقلبي هو تجربة إذاعية جميلة، عندما قمت بتسجيل القرآن الكريم كاملا بصوتي في 1550 حلقة لغير الناطقين باللغة العربية، حيث كنت أقدم النص القرآني باللغة العربية و تتم ترجمته، وكان يذاع في مختلف الدول الأجنبية بترجمته، وذلك دون أن أتقاضى عنه أجرا وأعتبر بهذه التجربة صدقة جارية أحمد الله عليها لأنها أهم عندي من كنوز الدنيا.

 

* ما رأيك في الأعمال الفنية الحالية؟

- أنا ضد الفن المعروض حاليا في المسلسلات، وأرفض أغلب الأعمال المعروضة خاصة تلك الأعمال التي تظهر البلطجة والخروج عن الآداب والسلوكيات غير الأخلاقية، للأسف نحن في ترد وفي هاوية وما كنا نطلق عليه القوة الناعمة أصبح قوة سيئة ورديئة لا ترقى إلى مستوى ما نسميه القوة الناعمة التي كان يفترض فيها أنها ترفع من القيمة المضافة للفنون والثقافة فنحن في حضيض لولا بعض البريق.

 

* ما سبب ذلك؟ وهل تعتقد أن للمناخ السياسي تأثيرا على المناخ الفني؟

- دائما أقول إن هناك منظومتين لا بد أن ينصلح حالهما، هما الخطاب الديني والدراما، وإذا لم يحدث ذلك فعلي الدنيا السلام. لقد وصل الفن إلى الهاوية وعندما يصبح عاهات البشر نجوما فإننا نكون بذلك متجهين نحو الطريق الخاطئ. وأذكر أن فترة الستينات من القرن الماضي كانت أزهى عصور الفن بمصر بل كانت العصر الذهبي للفنون، حيث كنا نقدم فنانا حقيقيا، لكن للأسف لم يعد هذا موجودا على جميع المستويات الفنية بما فيها الشعر، بمعنى أننا نجد الآن من يكتب مجرد كلمات لها سجع موسيقي بلا معنى وبلا روح وبلا طعم، يسمي نفسه شاعرا، ويقوم بعقد جلسات وندوات وسط حضور لا يفهم ولا يعي ما يسمع ولاعلاقة له بالفن ولا بالشعر ولا الثقافة، فالشعراء الجيدون قليلون وهو أمر مختلف عن الحالة التي كنا نعيشها في تلك الفترة الماضية بكل ما فيها من زخم فني وثقافي. 

 

* أليس غريبا أن يرتبط العصر الذهبي للفنون بفترة سياسية اتسمت بالرقابة الصارمة والتضييق السياسي والأمني على الإبداع والمبدعين؟

- أعتقد أن سبب هذا التناقض والعيب يكمن في مادة بالدستور لم تأخذ حقها في الإعداد والتكوين وأقصد بها المادة الخاصة بحرية الإبداع، حيث نصت على أن حرية الإبداع مكفولة للجميع متناسين التقاليد والأعراف والأخلاق والدين، فكان يجب أن يوضع ذلك في الاعتبار لكنهم تركوها مفتوحة ولكن لا بد أن نقيد حرية الإبداع ولا يكون لكل من هب ودب الحق فيه بل إنني من أنصار عودة الرقابة على المصنفات الفنية، لأن الإبداع ليس حرية مطلقة، بل على عكس ما يعتقد الكثيرون، فإن الإبداع حرية مشروطة لها قواعد وأسس وفيها أخلاق وتقاليد وأعراف، وإن لم تلتزم الإبداعات بهذه القيود «يبقى عليه العوض!». 

 

* هل تعتقد أن التزامك بهذا الخط على طول العمر الفني الذي يتجاوز نصف قرن من الإبداع حرمك من النجومية التي تستحقها؟

- بالفعل أنا لم آخذ حقي كاملا في الوسط الفني، لكني راض بما كتبه لي الله تعالى ومتصالح مع نفسي لأقصى درجة وهذا هو المقسوم وأنا حاولت والحمد لله على ما أعطاني وفخور بنجاح ابني الدكتور هشام، وهو دكتور مهندس، وسعيد بابنتي الفنانة سلوى عثمان، وما حققته من نجاح في مسيرتها الفنية وتقديمها أعمالا محترمة وجيدة، أذكر منها: «المال والبنون»،و«سجن النسا»،وأتمنى لها مزيدا من التوفيق.