غزو البلهاء

* مع «فيسبوك»أصبح كل شيء قابلا للنسيان، ولم يعد المدرس أو الشيخ قدوة يحتذى بها، بل خيال مآتة يلهث وراء لقمة العيش المغمسة بالذل

 

بادئ ذي بدء، أريد أن أقر وأعترف بأنني لست من هواة وسائل التواصل الاجتماعي، وبالقطع لست جهبذا في استعمال الكمبيوتر مع اضطراري لاستعماله فقط لدواعي العمل وضرورات الحياة العملية. لكنني لا أؤمن بتفوق الكمبيوتر على الإنسان لأنه هو من اخترع الآلة وليس العكس، ولأن كل شيء له ثمن منذ بدء الخليقة. فلا شك أن الإنسان سيدفع أبشع الأثمان لثورة المعلومات التي اجتاحت العالم وطرقت منازلنا واقتحمت حجرات نومنا لتحيل الحياة إلى جحيم، أغرب ما فيه أنه دغدغ عواطف الأجيال الجديدة وخدر عقولهم لدرجة أنهم لم يعد معظمهم يفكر في مدى انقيادهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي وهو ما يخيف أجيال الآباء والأجداد من أمثالنا. وهذا ليس من باب النستولجيا ولكن من باب الحسرة على اندثار قيم وعادات كانت بمثابة الحصن الحصين للأجيال السابقة من الاكتئاب والقلق والأمراض العصرية التي احتلت صدور الأجيال الجديدة وتم استبدال صراع الأجيال الذي كان صحيا إلى حد كبير بصراع الإنسان مع نفسه فتم تدمير سعادته التي كان قوامها البساطة واكتساب المهارة بالعلم والخبرة من معلمينا في المدرسة ومفكرينا في الكتب وشيوخنا في جوامعنا واستبدلنا ذلك بكبسة زر ليخرج علينا الشيخ «غوغل»ليفتي فيما يعرف، وأكثر فيما لا يعرف. ثم بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي ازدهرت صناعة الموت عبر انتشار الإرهاب والتجنيد بالأفكار المسمومة لخفافيش الظلام لدرجة الوقاحة الدينية باختراعهم نكاح الجهاد، وهو قمة الترخيص الديني بالمهيصة تحت شعار الجهاد بأمراء أجهل من دابة. لكنها الدعاية والنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أضفت مصداقية على خدع كانت لا تنطلي على أجيال الأجداد أمثالنا عندما كنا نملك عقلا نقديا يستطيع أن يميز بين الغث والسمين لامتلاكنا الكتب التي كان يبذل مؤلفوها الجهد الجهيد لإخراجها برونق فكري يعز على أي إنسان أن ينساه.

ولكن مع «فيسبوك»أصبح كل شيء قابلا للنسيان ولم يعد المدرس ولا الشيخ قدوة يحتذى بها بل خيال مآتة يلهث وراء لقمة العيش المغمسة بالذل مع عدم الإحساس بالشبع لرحيل نعمة البركة فاختزل اليوم إلى دقائق عندما نفيق قليلا من أغلال التواصل الاجتماعي لنسقط فريسة وسائل الترفيه التي انتشرت أكثر على وسائل التواصل الاجتماعي بعد تحولها إلى أصنام يعشقها أكثر الدهماء. فلا عجب أن يكتسح أحد الناعقين عالم الغناء وللعجب يحتل المرتبة الأولى ويحقق انتشارا لم تحققه أم كلثوم كوكب الشرق التي كانت تنتقي قصائدها بالحرف وليس بالكلمة.

وتظهر زعامات كرتونية تظن أنها تستطيع القيام بثورات لمجرد امتلاكها مسرح التواصل الاجتماعي بصرف النظر عن عدم تمتعها بأي بعد ثقافي أو علمي أو حتى اجتماعي، ناهيك عن أن بعضهم من المدمنين والساقطين خلقيا تماما مثلما كان يفعل المخرج الراحل حسن الإمام بإضفاء بعض من التصرفات الوطنية على قليل من الراقصات زمن العوالم والقوادات، ولكن للحق لم يتجرأ ويعلن أنهم زعماء.

ولكن في زمن «الواتس آب»سولت نفس أحد المدمنين لأن يعلن نفسه زعيما وهو لا يعرف الفرق بين حكومة الظل وحكومة المنفى. لكن هناك من يراهن على الخراب لأنه الأسهل. وهل هناك أسرع من الخراب الإلكتروني وللأسف «صادف شن طبقة»فصادف هوى أقزام الدول، فقامت بتمويل حملاته الفاشلة، ولولا ثورة وسائل التواصل الاجتماعي ما كنا سمعنا عنه وهو الذى لم يخبره أحد بأن الزعامة لا تشترى ولا تمنح، ولكنها حصيلة مكونات شخصية وعلوم اجتماعية وتاريخية وسياسية ومواقف واضحة في الأوقات الحاسمة وليست تحليلات بأثر رجعي يتداولها كل من هب ودب علي وسائل التواصل الاجتماعي. وتصبح الحياة كلها افتراضية. حتى الحب بين الناس أصبح يعبر عنه بكبسة زر وضاع البعد الإنساني الذي كان يميز الإنسان عن الجماد وليس الحيوانات لأنهم لا يزالون يتواصلون فيزيائيا.

فهل آن للإنسانية بأن تتوقف قليلا وتنظر في كيفية التحكم في الآلة التي حولت كل شيء إلى افتراض؟ حتى الأسرة لم تسلم من مرض العصر فزادت حالات الطلاق وزاد الإضراب عن الزواج، وتقطعت بالأسر أسباب الحب والشعور بدفء القرب من بعضهم وهو ما حمى البشرية على مدار القرون من الانقراض قبل أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي مسرحا لغزو البلهاء.