تبرئة ترامب: مبررات ضعيفة لقرار ممتد الـتأثير

ما بعد رفض الجمهوريين إدانة الرئيس الأميركي السابق

 

 

* إذا نجا ترامب من كل التحقيقات التي شملت سلوكياته، وأحكم قبضته على الحزب الجمهوري، وفاز بترشيح حزبه للانتخابات الرئاسية في 2024، فسوف يتحمل أنصاره في مجلس الشيوخ المسؤولية، حتى وإن زعموا أنهم لم يفعلوا ذلك

 

بدا زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، السيناتور ميتش ماكونيل، من كنتاكي، دائمًا وكأنه سيصوت لصالح إدانة الرئيس السابق، الذي لا يزال يسيطر على مجريات الحزب من منفاه في مارالاغو.

ولكن يعد المبرر الذي قدمه ماكونيل عند إعلانه عن تصويته لصالح تبرئة ترامب الأسبوع الماضي استخفافًا سياسيًا وتهربًا ماكرًا من القضية الأساسية التي كان مجلس الشيوخ بصدد اتخاذ قرار بشأنها: هل يتحمل دونالد ترامب مسؤولية اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني)؟

صرح ماكونيل بالفعل برأيه حول الحقائق: ترامب مدان بالتحريض، على الأقل بموجب المفهوم البديهي للكلمة.

قال ماكونيل في خطاب أمام المجلس الشهر الماضي: «تلقى الجمهور أكاذيب». وأضاف: «استفزهم الرئيس وأصحاب نفوذ آخرون، فحاولوا استخدام الخوف والعنف لإيقاف إجراء معين»- يقصد اعتماد فوز بايدن بالانتخابات- «وهو ما لم يعجبهم».

كانت تلك لحظة حقيقية صادمة من ماكونيل، الذي يبدو صامتًا في الغالب، في حركة شجاعة بدأنا نشاهدها مؤخرا في حزب أغلب أعضائه إما منبهرون بترامب أو خائفون منه.

ولكن ماكونيل تراجع بعد ذلك، وصوّت لصالح إنقاذ ترامب من الوقوع تحت طائلة المساءلة- ليس لأنه بريء ولكن على أساس إجرائي واهن.

كتب ماكونيل لأعضاء آخرين من مجلس الشيوخ قبل التصويت: «اقتنعت أن إجراءات العزل مصممة في الأساس لعزل الرئيس، وبالتالي ليس لدينا اختصاص قضائي».

ودفع ماكونيل بأنه حتى لو تمت إجراءات عزل ترامب في أثناء فترة رئاسته، ليس من الممكن إحالته إلى المحاكمة بعد انتهاء ولايته.

يعتقد أغلب الباحثين القانونيين من المحافظين والليبراليين على حد سواء أن هذه الحجة باطلة. ففي القرون الماضية، أحال مجلس الشيوخ مرتين على الأقل مسؤولين بعد خروجهم من السلطة. وفي الأسبوع قبل الماضي، أيد الكونغرس بتصويت من أعضاء الحزبين بلغ 56 مقابل 44 تلك المواقف السابقة.

إن الدافع وراء تراجع ماكونيل واضح، هو يريد أن يقدم لزملائه الجمهوريين غطاءً ومبررًا إجرائيًا للتصويت ضد عزل ترامب حتى لا يطاردهم القرار، فأغلب ناخبي الحزب الجمهوري التمهيديين لا يزالون مخلصين لترامب بقوة.

ولكن المنطق الذي قدمه ماكونيل واهٍ للغاية، إلى درجة أنه لن يصمد أمام الوقائع التاريخية.

ولم تكن مراوغة ماكونيل هي المبرر الوحيد الضعيف الذي قدمه أعضاء الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، إذ إنهم بحثوا عن أسباب لتبرئة شخص يؤمن كثير منهم سرًا بأنه مذنب.

دخل بعض منهم في جدل من طراز قديم: نعم ترامب شحن الحشود الغاضبة، ولكن ألم يفعل الديمقراطيون الأمر ذاته عندما برروا العنف على هامش احتجاجات الدفاع عن ذوي البشرة السمراء؟

قال السيناتور روي بلانت: «في الصيف كان الناس في جميع أنحاء الدولة يفعلون الممارسات ذاتها». ما هي المشكلة إذن في تشجيع ترامب للناس الذين اقتحموا الكابيتول وهددوا بقتل نائب الرئيس؟

كذلك اتسم بالضعف تأكيدهم على أن العزل «مجرد سياسة» ناتجة عن كراهية لترامب وأنصاره.

ودفعت السيناتور مارشا بلاكبيرن من تينيسي قائلة: «يتعلق الأمر بإهانة الأفراد الذين أيدوا الرئيس ترامب».

تغفل هذه الحجة أن عشرة من أعضاء الحزب الجمهوري، من بينهم عضو مجلس النواب ليز تشيني من ويومنغ، رأوا أن الاتهامات خطيرة بما يكفي إلى درجة انضمامهم للديمقراطيين في التصويت بالموافقة على العزل.

قُدمت أيضًا حجة متعلقة بالتعديل الأول للدستور: إن وضع ترامب قيد المساءلة بسبب تأثير كلماته يعد انتهاكًا لحقوقه.

وهذا ببساطة خطأ. فالتعديل الأول يكفل حقوق المواطن ترامب في التعبير عما يجول بخاطره. ولكنه لا يحمي الرئيس السابق ترامب من فقدان منصبه- أو من منعه من تجديد فترته- إذا قرر الكونغرس أنه ارتكب جرائم تنتهك الدستور. ولا يحمي التعديل الأول التحريض على العنف.

وهذا يصل بنا إلى الاتهام الموجه ضد ترامب، ذلك الذي يسعى الجمهوريون إلى التهرب منه.

يتضح بالأدلة أن ترامب لم يشجع المشاغبين عندما اقتحموا مبنى الكابيتول فحسب، بل انتظر ساعات قبل أن يطلب منهم العودة إلى منازلهم.

يريد المدافعون عن الرئيس من أعضاء مجلس الشيوخ الحكم على ما فعله ترامب وفقًا لمعايير القانون الجنائي، وهو ما يتطلب وجود بينة على تسببه في أعمال الشغب عن عمد وبصفة مباشرة.

ولكن إجراءات العزل ليست إجراءات محاكمة جنائية. إنها عملية يمكن بها للكونغرس إزاحة مسؤول رفيع المستوى من منصبه بعد انتهاكه لقسمه، ومنعه من تولي منصب في المستقبل.

يحتاج أعضاء مجلس الشيوخ الذين صوتوا لصالح تبرئة ترامب إلى أن يقولوا بوضوح ما إذا كانوا يعتقدون أنه حرَّض أنصاره أم لا. قال ماكونيل إن ترامب «مسؤول عمليًا وأخلاقيًا» عن أحداث السادس من يناير (كانون الثاني)، ولكنه برأه بناء على أسباب إجرائية. ولم يبتعد أغلب الجمهوريين الآخرين عن ذلك كثيرًا.

سوف يذكر التاريخ أصواتهم باعتبارها حكم على كلمات ترامب وأفعاله، وليس قرارا بإعفاء المسؤولين من محاكمات العزل جراء أفعالهم في الشهر الأخير من فترة خدمتهم.

يجب أن يفكر هؤلاء الأعضاء كيف ستبدو حساباتهم السياسية قصيرة الأجل بعد أعوام من الآن، حتى من وجهة نظر الناخبين في الانتخابات المقبلة.

في محاكمة الأسبوع الماضي، ادعى ترامب أن قرار تبرئته انتصار، ووعد أنصاره بأنه سيستمر في نشاطه السياسي. وقال: «الآن فقط بدأ حراكنا التاريخي الوطني الجميل لكي تعود أميركا عظيمة من جديد».

في الشهور المقبلة، ربما تظهر أدلة جديدة لتكشف إذا ما كان ترامب متواطئًا بصفة مباشرة مع المتطرفين الذين اقتحموا الكابيتول. وكما سمعنا في أثناء المحاكمة، بدا ترامب غير مهتم بأن أعضاء الكونغرس معرضون لخطر داهم في ذلك اليوم.

وإذا نجا ترامب من كل التحقيقات التي شملت سلوكياته، وأحكم قبضته على الحزب الجمهوري، وفاز بترشيح حزبه للانتخابات الرئاسية في 2024، سوف يتحمل أنصاره في مجلس الشيوخ المسؤولية- حتى وإن ادعوا أنهم لم يفعلوا ذلك.

يبدو أن ماكونيل، وهو ليس من أنصار ترامب، يراهن على أن نجم الرئيس السابق سوف يخبو تلقائيا، وأن سيطرته على الحزب الجمهوري سوف تضعف. فليأمل هو وحزبه أن يصح راهنهم.

 

* نشر هذا المقال في الأصل في «لوس أنجليس تايمز».