خبراء لبنانيون يكشفون لـ«المجلة» ألغام موازنة «رفع العتب»

شهد لبنان مظاهرات واسعة بعد حجز أموال المغتربين التي تبلغ 70 في المائة من الودائع في البنوك

 

* هل تتماشى الموازنة مع مطالب الجهات الدولية أم إن وزير المال أعدها لرفع العتب؟

* إقرار الموازنة يعود إلى مجلس النواب وليس للحكومة

* حمود: ما هي القوة القاهرة التي تمنع تشكيل حكومة؟

* سروع: مشروع موازنة 2021 هو موازنة صیانة حسابیة لنفقات الدولة

* زمكحل: موازنة ضرائبية على كبار المكلفين والمودعين

 

بيروت: منذ أن أحال وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال، غازي وزني، مشروع الموازنة العامة لسنة 2021 إلى رئاسة مجلس الوزراء، مرفقا بتقرير مفصل عن الأسس المعتمدة في إعداد المشروع وأبرز المتغيرات بين قانون موازنة 2020 ومشروع موازنة 2021، والسجال يدور حول بنودها وأرقامها وحول أحقية الحكومة المستقيلة في دراسة هذه الموازنة والموافقة على بنودها لإحالتها إلى مجلس النواب لمناقشتها وإقرارها قانونيا لأن الموازنة تصدر بقانون وليس بقرار من الحكومة .

غير أن اجتماع الحكومة لإقرار الموازنة، وإحالتها إلى مجلس النواب، كما يرغب رئيس الجمهورية من أجل عرقلة تشكيل الحكومة، تعقده الخلافات على تفسير مادة دستورية تمنع الحكومة المستقيلة من الانعقاد، بالنظر إلى أن الفقرة الثانية من المادة 64 في الدستور اللبناني تنص على أنه «لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال». وبينما يعتبر مؤيدو عمل اجتماعها أن إقرار الموازنة سيعدّ تفعيلاً لحكومة تصريف الأعمال، بحسب ما تقول مصادر معارضة لاجتماع الحكومة المستقيلة، يقول آخرون إن الظروف الضاغطة بموازاة غياب التوافق على تشكيل حكومة جديدة، يمكن أن يبدل في ذلك، ويستندون إلى سابقة حصلت في الستينات.

وفي الوقت الذي يرفض فيه أعضاء في لجنة المال والموازنة التذرع بالظروف للقيام بشيء غير دستوري،

دعا رئيس اللجنة النائب إبراهيم كنعان الحكومة «لأن تجتمع استثنائيا لإحالة مشروع موازنة 2021 إلى مجلس النواب بعد أن أحالها وزير المالية إلى رئاسة مجلس الوزراء في ظل الشلل في مسار التأليف والوضع المالي المتدهور، وضرورة إقرار الإصلاحات المالية، وضبط الإنفاق خارج فوضى الاثنى عشرية، وتعزيز اعتمادات وزارة الصحة».

لكن مصادر رأت أن الإجازة للحكومة المستقيلة بإقرار موازنة، هو مخالف للمبادئ القانونية إذ لا يحق لها إقرار الموازنة، وما دام أنها لم تقر الموازنة عندما كانت مستقيلة، فلا يمكن أن تحيلها إلى البرلمان»، معتبراً أنه خلافاً لما قيل «هذا لا يدخل ضمن الإلزامات الضرورية بمعناها الضيق».

ماذا تضمنت هذه الموازنة؟ وماهي نظرة أهل الاختصاص بمضونها وبنودها؟ وهل تتماشى مع مطالب الجهات الدولية المصرة على الإصلاح أولاً، أم إن وزير المال أعد هذه الموازنة وأحالها لرفع العتب؟

هذه الأسئلة طرحتها «المجلة» على الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود، وعلى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور جو سروع، وعلى رئيس تجمع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين في العالم الدكتور فؤاد زمكحل، وخرجت بالأجوبة التالية:

وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال

إقرار الموازنة دور مجلس النواب وليس الحكومة

يقول الدكتور سمير حمود:  إن إقرار الموازنة يعود إلى مجلس النواب وليس للحكومة، فالحكومة تقر عرض الموازنة على مجلس النواب لإقرارها، باعتبار أن الحكومة هي سلطة تنفيذية وليست سلطة قرار أو تشريع لأن الموازنة بحاجة إلى تشريع لأنها تصدر بقانون وليس بقرار حكومي، وهنا ينقسم الرأي إلى وجهتي نظر أن العمل على قاعدة الاثنى عشرية لا يجوز أن يتجاوز شهر يناير (كانون الثاني) من العام، فما هو الأفضل: أن تتجاوز الحكومة القانون وتصرف على قاعدة الاثنى عشرية وتخالف القانون أم تضع الموازنة وتعرضها على مجلس النواب ويكون المجلس سيد نفسه في إقرار الموازنة وتشريعها ويصبح صرف الحكومة أكثر قانوناً، إنما هذا القانون حسب وجهة نظري حين وضع نص على أنه في حال تعذر تشكيل حكومة في ظل حكومة مستقيلة لأسباب قاهرة، لكن لا يوجد قانون أو تشريع يقول إن هناك شخصين مختلفين ومتمسكين بموقفيهما وكل واحد منهما بقول هذا لي وهذا لك، وأن تقوم بوضع تشريع أو قانون على مقاسهما، ما هي القوة القاهرة التي تمنع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف بإصدار مراسيم تشكيل الحكومة وتقول للحكومة المستقيلة إنك ملزمة بالاجتماع وإقرار موازنة ونحن بعنادنا لا نريد تشكيل حكومة جديدة، ومن الطبيعي أن يقول رئيس الحكومة المستقيلة إذا كنت لا تريد تشكيل حكومة جديدة فأنا أرفض أن أدعو المجلس لدرس وإقرار الموازنة، لأن الموازنة ليست أرقاماً وواردات ونفقات بل هي الوجه السياسي الحقيقي لأي حكومة.. حتى يصحّ القول: «هويّة الحكومة تُقرأ من عنوان الموازنة»، مثلا يمكن أن تقوم الحكومة بتخصيص موازنة كبيرة لتسليح الجيش فهذا يكشف أن الحكومة تريد تعزيز البلد عسكرياً أو تريد تخصيص ميزانية كبيرة للمدارس والجامعات، ستعرف أن هوية الحكومة تربوية لا يجوز أن نستمر كما هو الحال منذ عشرين عاماً أن تكون الموازنة من غير هوية بل تتضمن الرواتب والأجور من دون أن يكون هناك أي هوية إنمائية أو تربوية أو ثقافية لذلك فقدت الموازنة أهميتها حتى تعطي إطلالة على هوية الحكومة لكن هذا لا يمنع أن تجتمع الحكومة المستقيلة لعرض الموازنة على مجلس النواب الذي يقوم بإقرارها، إنما المفارقة هنا لماذا تبقى الحكومة حكومة تصريف أعمال إذا كان بالإمكان لأنه ليست هناك قوة قاهرة لتشكيل حكومة جديدة لذلك هناك اليوم التباس وهذا الالتباس مبرر.

الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود

 

أي موازنة وأي إصلاح وأي حكومة؟

من ناحيته وصف الدكتور جو سرّوع مشروع موازنة 2021، بموازنة صیانة حسابیة لنفقات الدولة، بدلیل ما ورد فیھا من تعدیلات ضریبیة ورسوم متنوعة وشاملة، وعصر بعض نفقات القطاع العام وتأجیل بعضھا من سنة 2020 إلى 2021، بما فیھا بعض المخصّصات. وأكد أن أي مسّ بحقوق القطاع العام في ظروف لم یعد فیھا الحق محقاً، أمر یجب أن یكون خارج الطرح وفوق النقاش.

وقال سروع: في المقابل، تقضي الواقعیة بأن لا نحمّل ھذه الموازنة أكثر مما حملناھا، إذ إن أیة موازنة ذات معنى باتت محكومة إلى الآن بوجود حكومة اختصاصیین مستقلة تتبنى خریطة طریق لإصلاحات ھیكلیة، قدرھا أقله إلى الآن، مرتبط عضویاً بمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، تُترجم بخطة تعافٍ اقتصادي ومالي بشقیھا الآني والاستراتیجي، قابلة للتنفیذ، وتحظى بموافقة الدول المانحة وبتوافق ودعم داخلي شامل وكامل علني وضمني.

وفي المقابل، «یذیق الأفرقاء السیاسیون في العلن ھذا المطلوب من طرف اللسان حلاوة» ویعیقونه في الممارسة، مضیفا:

لبناننا یعاني من سلطة تسلّطت تاریخیاً ومنھجیاً على قدراته ومقدّراته وأوصلته بمسیرة حكم عقیمة رائدھا ثقافة فساد وھدر متكافلة ومتضامنة. سلطة تفرّقت حین أفقرت البلد والناس، وقادت البلد بنكران سافر وعناد راسخ، وعنجھیة عالیة الصوت وأوصلته إلى انھیار متعمّد وعمیق DEEP DELIBERATE DEPRESSION. سلطة في منظومة فرّطت بالثقة في البلد، وفقدت ثقة ناسھا بھا، وعزلت لبنان عن محیطه العربي وأصدقائه في العالم. وقیل فیھا الكثیر من التوصیف المُخجل، وھي على ما ھي من كِبر وانفصال عن واقع البلد والناس.

وسأل سروع عن أیة موازنة وأیة إدارة وأي إصلاح وأي حكومة، في ظل منظومة صانعة للأزمات المتتالیة، في كل مرّة یطالبھم الوطن بتغلیب مصالحه وحق الناس بالعیش الكریم، والاطمئنان على مستقبل أجیاله على مصالحھا، فتعیش داخل ھذه الأزمات أزمة بأزمة وتتغذى بھا، غیر مبالیة لنزیف الوطن وأنین الناس ووجعھم.

وأكد أن أمر ھذه المنظومة بات مكشوفاً أمام الوطن، كیاناً وناساً أولاً، وأمام كُثُر في العالم وعلى كل المستویات، الذین یعون ویقدّرون قیمة النموذج اللبناني، وأھمیته لمجتمعات عدیدة في العالم، مھددة بالتفكك الاجتماعي والعرقي والدیني. ھذا النموذح الذي أثبت مرّة تلو الأخرى في تاریخه القدیم والحدیث، أنه إن اھتز لا یقع، وكثر ھم الذین یؤمنون بقدرة اللبنانیین ومقدراتھم على النھوض بوطنھم، والذین أبدوا استعدادھم لدعم جھودھم على وضع وطنھم على سكة تعافٍ ثابتة ومستدامة، ووفقاً لأسس ونظم الحوكمة الجیدة والإدارة الرشیدة المتقدمة في العالم.

الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور جو سروع

التشاور مع صندوق النقد

بدوره قال الدكتور فؤاد زمكحل بداية، كلمة حق تُقال، صار لدينا مشروع موازنة للعام 2021 في موعده، حيث بدأ النقاش حوله. هذا شق إيجابي علينا أن نُعلن عنه. لكن عندما ندخل في تفاصيل الموازنة فهي لسوء الحظ تتضمن نقاطاً سلبية. فهي مشروع موازنة ضريبية بامتياز، إذ كأننا موجودون في عالم آخر يختلف عن واقع لبنان، إذ تتكلم الموازنة عن النمو وعن الشركات التي تكبر وتزدهر، وأن على كبار المكلفين أن يُساهموا في إعادة البناء وغيرها من الأمور.

هي موازنة ضريبية لشقين:

الشق الأول: الموازنة الحالية تزيد الضرائب على كبار المكلفين وكبار المودعين، وكأننا في بلد أحواله طبيعية حيث نطلب من كبار المكلفين والمودعين أن يُساهموا في إعادة بناء الاقتصاد والحركة الاقتصادية. لكن مَن هم كبار المودعين؟ إنهم رجال وسيدات الأعمال الذين آمنوا في هذا البلد ووظفوا أموالهم فيه، ومنهم قسم كبير من المغتربين، الذين عملوا ليل نهار، فيما الدولة جذبت أموالهم إلى لبنان كي يستثمروا بها في لبنان. هؤلاء هم كبار المودعين.

نعم، لقد جذبنا أموال هؤلاء المغتربين في بيئة غير صحية، وحجزنا أموالهم بطريقة غير قانونية، إذ حتى تاريخه لا يوجد قانون يتعلق بـ«الكابيتال كونترول» (Capital Control). ومن ثم صُرفت وسُرقت وهُدرت هذه الأموال، وهي تبلغ نحو 70 في المائة من الودائع.

وبعد حجز الأموال، نقول لكبار المودعين أنفسهم، إنكم تستطيعون سحب أموالكم من المصارف وفق الـ3900 لسعر الدولار الواحد (تسعيرة المصارف)، بدل الـ9 آلاف ليرة لسعر الدولار في السوق الموازية المعروفة بالسوق السوداء.

وأخيراً نقول لهؤلاء المودعين والمغتربين بأننا سنُجبركم على أن تدفعوا جرّاء ودائعكم ضريبة مصرفية ما بين 1 في المائة و1.5 في المائة، لأن هؤلاء الرياديين من رجال الأعمال استثمروا في لبنان من أموالهم التي جنوها في بلدان الاغتراب، لذلك نجعلهم يدفعون الثمن. وهكذا نضرب المودعين الكبار على المدى المتوسط والبعيد.

رئيس تجمع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين في العالم الدكتور فؤاد زمكحل

هذه هي الحقيقة- الجريمة اليوم، التي يدفع ثمنها المودعون اللبنانيون. هذا الأمر لا يؤذي المستثمرين أو المودعين الكبار وحدهم، بل إنها ستؤذي أولادهم وأحفادهم، وكل الأجيال المقبلة، باعتبار أن الرسالة التي يقوم بها لبنان راهناً هي أن يُحوّل المودعون أموالهم إلى لبنان، من أجل أن تُحجز، بل وأيضاً من أجل صرفها وهدرها، وأن يدفعوا ثمن الفشل والإهدار والفساد القائم في لبنان. هذه الرسالة السيئة التي نقدمها عن سمعة لبنان، ستضرب الثقة ليس على المدى القريب فحسب، بل على المدى المتوسط والطويل.

تجدر الإشارة إلى أن ثلث الموازنة (عادة في الموازنات السابقة) كانت تذهب إلى خدمة الدين، لكن مشروع الموازنة الحالي يذكر أنه ينبغي أن نفاوض البلدان المانحة لتلقي المساعدات الدولية. علماً أن أي قرار بالمساعدة الدولية للبنان سيمر عبر صندوق النقد الدولي، وخصوصاً بعدما تخلف لبنان عن سداد دينه (اليوروبوندز) في 7 مارس (آذار) 2020.

الشق الثاني يتعلق بموظفي القطاع العام، إذ لا شك في أن حجم الدولة، هو من أساس المشكلات التي لدينا، لأنه لسوء الحظ، يدفع المواطنون والاقتصاد، التوظيف السياسي، والمذهبي، والطائفي والخدماتي، إذ إن بلدا صغيرا مثل لبنان، لا يستطيع أن يدفع ثمنها. لكن في الوقت عينه، نضع في سلة واحدة كل موظفي القطاع العام. وثمة موظفون في القطاع العام يتقاضون رواتبهم مرة واثنتين وثلاث مرات، ويعلمون أين هم مسجلون، في مقابل أن ثمة موظفين في القطاع العام يعملون ليل نهار، وهم الذين نتكل عليهم من أجل بناء اقتصاد حقيقي ونقوم تالياً بتدفيعهم الثمن. ومن ثم بعد الضغوط السياسية تراجع مشروع تدفيع القطاع العام الثمن، واقتصر فقط على المودعين.

وفي المحصلة، رسالتي مفادها أن هذه الموازنة لا يمكن أن تطبق في ظل الحكومة الحالية (حكومة تصريف الأعمال)، بل يجب أن تنفذها الحكومة الجديدة. علماً أن الموازنة كان يجب أن تُحضر بالتشاور مع صندوق النقد الدولي، في ضوء إجراء الإصلاحات في القطاع العام (الكهرباء، العجز، الحوكمة، الفساد، وغيرها) كي نستحق مساعدات «سيدر» ومؤتمر «باريس-3». الحل الوحيد للقضاء على العجز، هو إعادة الثقة، من أجل استعادة النمو.