المرتزقة في مرمى أطماع إردوغان

حروب السلطان المظلمة

 

* تم اختطاف أكثر من 7343 مدنيًا خلال ثلاث سنوات من الاحتلال التركي، ومصير أكثر من نصفهم لا يزال مجهولاً

* دمر المرتزقة أغلب الأماكن والمواقع الأثرية المدرجة على لائحة اليونسكو خلال الهجمات على عفرين

* العلاقة بين إردوغان وعدنان تانريفردي رئيس مجلس إدارة «صادات» قديمة، «وتوطدت بعد فترة انقلاب فبراير 1997»

* «صادات» أقامت معسكرات تدريب داخل تركيا، أهمها معسكران في مقاطعتي توكات وقونية بوسط الأناضول، حيث «يتم تدريب المرتزقة والتنظيمات الإرهابية»

* «صادات» تعلن دون حرج عن تقديم دورات عن الحرب غير النظامية أو حرب العصابات

* هنالك مخطط تركي توسعي في أفريقيا، حيث وقّعت تركيا اتفاقيات تعاون عسكري مع العديد من الدول الأفريقية

* تركيا أعلنت في أكثر من مناسبة عن اتفاقها مع الحكومة العراقية على تدريب فصائل عراقية

* رصدت تقارير صحافية لبنانية تحركات السفارة التركية في بيروت، في البحث عن اللبنانيين من أصول تركية وتركمانية، لتشجيعهم على الحصول على الجنسية التركية

* من الممكن أن نشاهد سيناريو انقلاب المرتزقة على إردوغان خاصة مع عدم دفع رواتبهم بشكل منتظم

* حذر البنتاغون في سبتمبر 2020، من «جرائم المرتزقة السوريين» غربي ليبيا

 

 

أربيل: «هم أخطر بكثير من الجنود النظاميين، يمارسون أفعالا لا تخطر على بال، آلة حرب وقتل متعطشة للدماء، كلما أزهقت أرواح ترتفع بورصتهم»، متابعاً: «أشخاص انفصلوا عن صلاتهم الوطنية، يجتمعون فيما بينهم في رحلات النهب والرعب، لا ينطبق عليهم ما ينطبق على البشر، معاركهم شخصية، الواحد منهم لا يستطيع طلب الذخيرة من زميله المرتزق إذا انتهت زخيرته، هم بلا مشاعر أو ضمائر، لأنه ببساطة لا ضمائر لبشر مهنتهم القتل مقابل المال».

يحكي أبو كاميران لـ«المجلة»: «أنا السبعيني أستاذ التاريخ نزحت مبكرا إلى مدينة حلب بعد أيام قليلة من بدء العدوان التركي على مدينة عفرين في 2018»، متسائلا: «كيف لي أن أبقى في عفرين وأنا أعرف جيداً ماهية هؤلاء المأجورين، كنت على يقين من أن مهمتهم لن تنتهي بمجرد احتلال الأتراك لعفرين بل مهمتهم الحقيقية ستبدأ بعد ذلك... زرعوا الفوضى والرعب ونهبوا وسرقوا وخطفوا واغتصبوا ومارسوا أفظع الجرائم بحق البشر، وبحق أشجار الزيتون، كانوا ينتقمون من الأرض ويفرغون جام غضبهم عليها».

توفيت زوجة أبو كاميران بعد احتلال عفرين بأشهر قليلة، أما عن سبب الوفاة فيقول: «إنه القهر؛ لم تتحمل غزو الأغراب لعفرين، لم تكن أم كاميران تعاني من أي مرض، وهناك العديد من الأقرباء وأصدقاء ومعارف قتلوا قهرا».

في مارس (آذار) 2018 احتلت الدولة التركية ومسلحو الفصائل السورية التابعة لها، منطقة عفرين التابعة لمحافظة حلب السورية، وبحسب المتحدث باسم منظمة حقوق الإنسان عفرين- سوريا، إبراهيم شيخو: «في ظل العدوان التركي على منطقة عفرين، نزح مئات الآلاف من أهالي عفرين الأصليين من ديارهم، حيث نزح أكثر من 300 ألف مدني حتى الآن من عفرين، فيما النزوح القسري ما زال مستمراً من عفرين تحت ضغط الاحتلال التركي ومرتزقة الفصائل المسلحة السورية الموالية له بهدف التغيير الديموغرافي للمنطقة».

ويفيد شيخو في حوار لـ«المجلة» معه من مخيم «سردم» لنازحي عفرين، الذي أنشئ في منطقة الشهباء التابعة لمحافظة حلب، والتي تبعد عن عفرين عدة كيلومترات، يقول: «عمليات الخطف والقتل وأغلبها كانت بغاية طلب الفدية المالية، مستمرة، تم اختطاف أكثر من 7343 مدنيًا خلال ثلاث سنوات من الاحتلال، ومصير أكثر من نصفهم لا يزال مجهولاً، أما وضع النساء في عفرين، فقد تم توثيق 70 حالة قتل منها خمس حالات انتحار من النساء و68 حالة اغتصاب، إضافة إلى الاعتداءات التي تتعرض لها النساء بشكل يومي»، متابعاً: «وقام المرتزقة بقطع ما يزيد على 314400 شجرة زيتون وأشجار حراجية أخرى، وذلك للاتجار بحطبها، وحرق أكثر من 11 ألف شجرة زيتون وأشجار حراجية متنوعة، وحرق ما يزيد على ثلث المساحة المخصصة للزراعة والتي تقدر بأكثر من 11 ألف هكتار منذ احتلاله لعفرين وحتى الآن والاستيلاء على الآلاف من منازل المدنيين المهجرين قسراً وتحويل العشرات منها إلى سجون ومعتقلات ومقرات تابعة لعناصر الفصائل المسلحة التابعة للاحتلال التركي والمتاجرة بها بيعاً وشراءً، والاستيلاء على محصول الزيتون وتصديره إلى تركيا عبر معبر قرية حمام الحدودية بناحية جنديرس، والذي أنشأه الاحتلال التركي في العام الماضي لتسهيل عملية عبور محصول الزيتون والمسروقات وبيعه كمنتج تركي في الأسواق العالمية مثل أسبانيا وأميركا»، مشيراً «دمر المرتزقة أغلب الأماكن والمواقع الأثرية المدرجة على لائحة اليونسكو خلال الهجمات على عفرين، مثل معبد عين دارا، النبي هوري، كهف الدودرية، قبر مار مارون وغيرها العديد من المواقع الأثرية وتمت سرقة القطع الأثرية»..

ويضيف: «منذ قرابة الشهر والنصف أقدمت مجموعة من مرتزقة (السّلطان مراد) والتي تعمل بأمر مباشر من قبل الاستخبارات التركية، على اختطاف فتاة لا يتجاوز عمرها 13 عاماً في حي الزيدية في مركز عفرين المحتلة، وأنّ الفتاة قد تعرّضت للاغتصاب والعنف الجنسيّ من قبل تلك المجموعة، كما اختطفوا فتاة قاصرة تدعى فاطمة محمد رش كايلة (16 عاماً)، مع شقيقها القاصر من أهالي قرية ميسكة (mûskê) التابعة لناحية راجو، منذ قرابة 20 يوماً ولا يزال مصيرهما مجهولاً، أما مرتزقة الحمزات فقد اختطفوا عائلة عفرينية كاملة من أهالي قرية كفرشيل التابعة لمركز مدينة عفرين منذ قرابة شهر، ومصيرهم لا يزال مجهولاً»، منوها: «الاحتلال التركيّ ومرتزقته تمادوا في انتهاكاتهم بحقّ النساء، ضاربين بعرض الحائط كافّة القوانين والمواثيق والعهود الدولية ذات الصّلة، منها: معاهدة جنيف عام 1948، ومعاهدة لاهاي لعام 1879، وغيرها من الاتفاقيّات الدولية».

وما نقلناه من إبراهيم شيخو من الانتهاكات التي يرتكبها المرتزقة بشكل يومي في عفرين، يطلع عليها أبو كاميران عبر هاتفه المحمول... وحيدا في شقته بحلب يحاكي التاريخ الذي طالما عاش معه وخبره، وهذا ما جعله يعرف معدن الشر القادم إلى مدينتهم عفرين، لذا قرر مبكرا قبل اشتداد المعارك أن يرحل لأنه تيقن أن التاريخ لن يخزل تصوره فيما سيحمله هؤلاء إلى عفرين.

 لوحة فسيفسائية من آثار موقع أثري بعد العثور عليها من قبل مرتزقة في ناحية شرا التابعة لمنطقة عفرين

على خطى أسلافه بين سيوف المرتزقة ورماحهم

مصطلح «مرتزق» يحمل حكمًا قيميًا واضحًا حول هؤلاء الأشخاص بحسب أبو كاميران، ويقول إن «التاريخ يخبرنا كيف اتجهت السلطنة العثمانية للاعتماد على القوات غير النظامية والمرتزقة في العديد من عملياتها العسكرية»، مستدركا: «تفيد قصص التاريخ بأن الانكشاريين (انكشارية تعريب للاسم التركي «يني جري» أي «الجند الجدد»)، أشهر المرتزقة في تاريخ العثمانيين، حيث وضعت السلطنة العثمانية قانوناً يجبر أهل كل ضيعة أو مقاطعة تخضع لسلطتها على أن يقدموا قسماً من أبنائهم لهذه السلطة، فتنتزع الأبناء من أسرهم وتقطع تماماً ونهائياً صلاتهم بذويهم، ثم تجبرهم على اعتناق دينها، وتحولهم إلى عبيد مسلحين للسلطان لا يخرجون من أماكن الخدمة ولا يختلطون بالناس بل ولا يتزوجون، كان الأطفال يتم توزيعهم على العائلات الفلاحية التركية ليتعلموا اللغة والتقاليد، ثم يتم إدخالهم الثكنات ويتلقون تدريبات قاسية».

ويتابع: «هناك أيضا «قوات العزب» (Azap) التي تكوّنت من ميليشيات من الفلاحين والشباب القرويين العازبين الذين تطوعوا كجنود مشاة غير نظاميين وحصلوا على رواتب أثناء فترات الحرب، و(قوات الآقنجي) (Akinji) المصنفة كنوع من أنواع (وحدات الفرسان الخفيفة) التي يعيش أفرادها على الغارات والنهب، و(الألوية الحميدية) التي أسسها السلطان عبد الحميد الثاني عام 1890، وقد تم تشكيل هذه الألوية من الأقليات المسلمة التي كانت تعيش في كنف الدولة العثمانية ولا سيما التركمان حيث كان يتم زجهم في الحروب ضد الأرمن وروسيا القيصرية، كما أنشأ العثمانيون ما يعرف بفرق (الباشبوزق)، المعروفة أيضا بـ(باشي بوزوق) (bashi-bazouk)، والتي تكونت من جنود أجانب وأوكِلت إليها (أقذر) العمليات خلال فترات الحروب والثورات، وهم الأقرب اليوم لمرتزقة إردوغان في عفرين وليبيا وغيرها»، حسب أستاذ التاريخ، موضحا: لم تتردد السلطنة العثمانية في الاستعانة بـ«الباشبوزق» لمهاجمة المدنيين داخل المدن حيث نشر هؤلاء الخراب أينما حلّوا، فسرقوا ونهبوا الممتلكات وأحرقوا المنازل وابتزوا الأهالي وعمدوا لخطف الأطفال والنساء واغتصبوهم ونقلوا العديد منهم كعبيد نحو الآستانة، كما ارتبطت بمرتزقة «الباشبوزق» العديد من جرائم الإبادة وجرائم الحرب، أبرزها بالفترة المعاصرة مذبحة «باتاك» (Batak) في بلغاريا عام 1876 التي راح ضحيّتها نحو 7000 شخص عقب ثورة أبريل (نيسان)، ومذبحة «فوسيا» (Phocaea) سنة 1914، إضافةً للعديد من الجرائم الأخرى.

ويختم أبو كاميران حديثه مع «المجلة» بعبرة تاريخية يقول: أجداد إردوغان دفعوا ثمن الاستعانة بالمرتزقة، الذين لاحقا انقلبوا على سلاطينهم. وابن خلدون نصح الحكام والسلاطين بأن لا يعتمدوا على المرتزقة في تثبيت أركان سلطانهم، وأن يوفروا الأموال الطائلة التي ينفقونها عليهم، لأنهم مهما أجزلوا العطاء لهم فإنهم ليس بوسعهم أن يضمنوا ولاءهم، وسيظل ملكهم مهدداً طالما كان يحتمي بسيوف المرتزقة ورماحهم.

 

مفرخة المرتزقة

مع توريط إردوغان بلاده في الحروب المشتعلة بسوريا وليبيا وناغورني كراباخ، طفت إلى السطح ظاهرة المرتزقة الذين يرسلهم إلى ساحات الحروب من أجل تحقيق مشروعه التوسعي، ولكن كيف يتم تجنيد هؤلاء وتدريبهم، وإعادة تدويرهم وضخهم مجددا عند الحاجة في مناطق النزاع .

وبحسب المعلومات المتوفرة والتي حصلت عليها «المجلة» من المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن «سماسرة» تابعين للدولة التركية ينتشرون في المخيمات لإقناع الرجال والشبان من المخيمات بالإضافة لمقاتلين، بالذهاب إلى ليبيا للقتال تحت العباءة التركية مقابل الحصول على مبالغ مادية ضخمة، على أن يأخذ السمسار مبلغا ماديا يتراوح بين 100 و300 دولار أميركي على كل مجموعة يجندها، ولكن ما خفي أن هناك سماسرة في بلدان آسيوية وأفريقية تعمل على تجنيد المرتزقة أيضا وتتوزع معسكرات تدريب المرتزقة في تركيا ودول أخرى، أما الجهة التي تتولى تفريخ المرتزقة... وما يتعلق بالتدريب والدعم اللوجستي فيكشفها لنا الناشط المدني والصحافي التركي ساييت آفران، الذي يعتقد حسب معلوماته ومصادره أن «شركة صادات تعد الأداة العسكرية المهمة للتدخل التركي في الخارج دون الحاجة إلى توسيع انخراط الجيش في عمليات عسكرية خارجية، لا سيما تدريب المرتزقة ونقلهم إلى مناطق النزاعات وتعتبر مفرخة الفصائل المرتزقة السورية منذ بداية النزاع السوري».

ويقول أفران لـ«المجلة» إن «شركة صادات أسست عام 2012 لتكون مظلة تخرج منها كل الميليشيات والمرتزقة في الخارج، وهي التي تتولى التنسيق واستقدام الأعضاء، والاتفاق معهم، وتحديد أجورهم، ومصادر تمويلهم، والمهام التي تسند إليهم، وهذه الشركة تعمل في حوالي 20 دولة حول العالم، وصادات عمليا هي من دربت جميع الفصائل السورية الموالية لتركيا وتعتبر مفرخة تلك الفصائل».

النشاط المشبوه لمنظمة التعاون والتنسيق التركية (TIKA) في لبنان.. صورة لمراسيم تسليم المنظمة سيارة إطفاء لمركز طرابلس

ويوضح قائلا: «إن إردوغان وعبر شركة صادات التي يترأس مجلس إدارتها صديقه عدنان تانريفردي، الجنرال المتقاعد، الذي أسس الشركة مع أفراد الجيش الذين تم تسريحهم بسبب ميولهم السلفية، أبان الانقلاب الرابع بتركيا في فبراير (شباط) عام 1997، والذي سمي بالانقلاب الأبيض، حيث أُجبر قادة الجيش رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان على الاستقالة»، مضيفاً: «تانريفردي ومجموعة الضباط المطرودين أسسوا شركة صادات، ومن خلالها تمكنت الدولة التركية من تدريب مجموعات مختلفة من المرتزقة، في الداخل التركي وخارج تركيا... في داخل تركيا ذكرت تقارير أن شركة صادات أقامت معسكرات تدريب داخل تركيا، تحديدا معسكرين في مقاطعتي توكات وقونية بوسط الأناضول، حيث يتم تدريب المرتزقة والتنظيمات الإرهابية».

وحول العلاقة بين إردوغان وعدنان تانريفردي يقول أفران: «العلاقة قديمة، وقد توطدت العلاقات بينهما بعد فترة انقلاب فبراير 1997، بسبب ما يجمعهم من أفكار وميول إسلامية، أُجبر عدنان تانريفردي على التقاعد عام 1996، وكتب الجنرال المتقاعد في صحيفة (يني أكيت) المحلية المعروفة منذ تأسيسها بولائها لتنظيم الإخوان وولائها اللامحدود اليوم لإردوغان، وانضم تانريفردي إلى اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي ((ASDER، التي تأسست في 2005 على أيدي الجنود المطرودين من الجيش، كما تولى رئاسة مجلس إدارة مركز «المدافعين عن العدالة» للبحوث الاستراتيجية (ASSAM) ، وبعد محاولة الانقلاب منتصف يوليو (تموز) 2015، عينه إردوغان مستشارا عسكريا له، وفي يوليو 2018، أجرى إردوغان تعيينات لشخصيات جديدة في الهيئات السياسية الرئاسية، كان من بينهم عدنان تانريفردي، وقرر تعيينه، في هيئة السياسات الأمنية والخارجية، وهي إحدى الهيئات التابعة للرئاسة التركية، إضافةً إلى منصبه بوصفه كبير المستشارين لإردوغان الذي استقال منه لاحقا»..

وبحسب المعلومات، فإن منظمة «جمعية المدافعين عن العدالة»، ومركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجمعية واتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي، تابعة عمليا لشركة صادات وهي جزء اساسي من منظومة إردوغان السرية والعقل المدبر والمترجم لأطماع إردوغان التوسعية، وتعد شركة صادات بمثابة ذراع عسكرية لحزب العدالة والتنمية في تركيا، واستراتيجيتها تعتمد الإرهاب والعنف وسيلة لتحقيق مآرب سياسية، وشباب حزب العدالة والتنمية، وما يُعرف بجمعية الغرف العثمانية يلتحقون بمخيمات سرية تنظمها شركة صادات، وهو ما يشكل نواة لتشكيل ميليشيات خاصة بإردوغان في الداخل بحسب أفران.

ولمن يزور موقع الشركة الرسمي على الانترنت يجد أن شركة صادات تعلن دون حرج عن تقديم دورات عن الحرب غير النظامية أو حرب العصابات، ويمنح المتدربون في دورة صادات، شهادة «خبرة حماية» تفيد بأنهم اجتازوا الدورة ونجحوا فيها. ووفقًا للبرنامج، فإن الذين يجتازون دورة الحرب غير النظامية يكتسبون المهارات التالية: «تقنيات عملياتية تشمل التخريب والغارة والكمين والتدمير والاغتيال والإنقاذ والاختطاف والإرهاب وتحركات الشوارع والأنشطة السرية».

 

كونفدرالية الخلافة

وبحسب ما تعلنه على موقعها أيضا فإن شركة صادات تمارس أنشطتها في المناطق القريبة من تركيا في المقام الأول، بالإضافة إلى كل البلدان الإسلامية أو ذات النسب العالية من السكان المسلمين، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2017، قدمت صادات اقتراحاً لمنظمة التعاون الإسلامي بتشكيل «جيش الإسلام»، أما في ديسمبر 2019، فقد قدم عدنان تانريفيردي استقالته من منصبه كمستشار للرئيس إردوغان بعد تصريحات قال فيها إن شركته «تُمهِّد الطريق لظهور المهدي المنتظر»، وعرض خلالها تفاصيل برنامج توصيل إردوغان إلى سدّة الخلافة الإسلامية العابرة للقارات، وهو البرنامج الذي جرى فيه وضع دستور كونفدراليته المراد لها أن تضم 61 دولة عربية وإسلامية بانتظار ظهور المهدي المنتظر.

وتُظهر قائمة الدول التي تحلم القيادة التركية بأن تكون كونفدرالية الخلافة التي يؤمها إردوغان، 61 دولة، بينها 12 دولة من الشرق الأوسط، هي- كما جاءت في متن الدستور- البحرين والإمارات وفلسطين والعراق وقطر والكويت ولبنان وسوريا والسعودية وعُمان والأردن واليمن، ومن دول شمال أفريقيا تضم القائمة الجزائر وتشاد والمغرب وليبيا ومصر وتونس.

وحول مجال نشاط شركة صادات في تقديم تدريبات على الحرب غير النظامية وتجنيد المرتزقة، يجيب أفران: «تتولى الشركة تجنيد وتدريب المرتزقة من سوريا ودول آسيوية وأفريقية، حيث تحصل الشركة على عمولة معينة عن تدريب كل مقاتل وكذلك تجنيد المرتزقة، بالإضافة إلى دور الشركة في توفير المعلومات الاستخباراتية للمخابرات التركية، والتسويق للصناعة العسكرية التركية وتزويد عملائها بالأسلحة والمتفجرات وغيرها من المعدات العسكرية، وبحسب تقارير صحافية تركية، فإن فكرة إنشاء نقاط مراقبة تركية في إدلب السورية تعود إلى شركة صادات كما أنها في عام 2013، وقعت بروتوكولين للنوايا الحسنة مع الجيش الليبي لإنشاء منشأة رياضية عسكرية ومركز صيانة وإصلاح المركبات المدرعة وكانت قد أشارت تقارير رصد دولية سابقا إلى وجود صادات في ميناء سواكن في السودان، وأيضاً في معسكر تدريب عسكري لتركيا في الصومال لتدريب القوات الصومالية».

ويشير في هذا الخصوص إلى «مخطط تركي توسعي في أفريقيا، حيث وقعت تركيا اتفاقيات تعاون عسكري مع العديد من الدول الأفريقية، لا سيما نيجيريا والنيجر وتشاد وساحل العاج وغينيا وكينيا وتنزانيا وأوغندة وإثيوبيا»، ويشير أيضا إلى أن صادات قامت بتجنيد وتدريب مرتزقة من ألمانيا والنمسا وبلجيكا وفرنسا والسويد وأذربيجان وطاجيكستان وكازاخستان.

ويلفت إلى تقارير صحافية تركية كشفت أن الشركة «قدمت الدعم اللوجيستي للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وأوردت تصريحا لعدنان تانريفردي مفاده أن «على تركيا دعم الجماعات الإسلامية ضد إرهاب الدولة»، وأن «إرهاب الدولة المدعوم من الخارج يستهدف الجماعات الإسلامية في بعض المناطق الحساسة في أفريقيا مثل جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي ونيجيريا، ويجب دراسة التدابير الوقائية لحماية تلك الجماعات»، وأثارت التقارير حول دور الشركة في تدريب مقاتلي تنظيم داعش، وجبهة النصرة في سوريا، وعلاقاتها الوثيقة مع وكالة الاستخبارات التركية، تساؤلات نواب المعارضة في البرلمان التركي والتي لم تجد آذانا مصغية بسبب سيطرة نواب العدالة والتنمية وحليفهم الحركة القومية في البرلمان».

إعلان لشركة صادات لتدريبات عسكرية على حسابهم في «تويتر»

دوائر تجنيد ناعمة

ويتابع: «إن المؤسسات أو مراكز الأبحاث التابعة للشركة تعمل من خلال الأدوات الناعمة، وتضم شخصيات موالية للدولة التركية من الدول الأخرى، ضمن سياسة العثمنة.. على سبيل المثال توسيع النفوذ التركي في العراق، بالتحديد محافظتي الموصل وكركوك العراقيتَين، وأيضا في لبنان، وهناك معلومات أن لحزب العدالة والتنمية الحاكم، دوائر حزبية يقودها ساسة تركمان عراقيون، وساسة تركمان من دول أخرى ويستهدف عمل الدائرة شريحة اللاجئين المقيمين على الأراضي التركية من التركمان في دول المنطقة».

وليس حادثا عرضيا أن يرفع رئيس الجبهة التركمانية العراقية النائب أرشد الصالحي، خلال زيارته إلى المقرات التابعة لقوات «درع كركوك» و«فوج شهداء التركمان للحشد الشعبي» في النواحي والقرى التركمانية الواقعة بأطراف محافظة كركوك، إشارة «الذئب الأغبر»، أو ما يطلق عليه البعض «الذئاب الرمادية»، خاصة ما جرى الحديث عنه مؤخرا من تدريب تركيا لشبان تركمان عن طريق أرشد الصالحي رئيس الجبهة التركمانية في العراق، وهذا ما أشار إليه زعيم حزب «الحركة القومية التركية» دولت بهشلي والذي يعد حليفاً قوياً لإردوغان في تصريحات له، أن «الأقلية التركمانية العراقية، التي لها صلات عرقية بتركيا، لن تترك وحدها في كركوك»، زاعماً أن هناك آلاف المتطوعين الوطنيين «على استعداد للانضمام للقتال من أجل الوجود والوحدة والسلام في المدن التي يسكنها التركمان وخاصة كركوك».

كما قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، إن «كركوك تضم الأكراد والعرب، لكنّ الهوية الأساسية للمحافظة هي أنها إقليم تركماني».

وقد أعلنت تركيا في أكثر من مناسبة عن اتفاقها مع الحكومة العراقية على تدريب فصائل عراقية، على سبيل المثال، لم يكن خافيا دعمها علنيا فصيل حرس نينوى تحت قيادة أثيل النجيفي محافظ الموصل السابق، من الفصائل التي تم تمويلها وتدريبها من قبل تركيا في 2015، إلا أن الدعم المادي توقف في 2018 عقب الانتخابات العراقية وظهور نتائج غير مرضية للحكومة التركية؛ إذ حصل ائتلاف النجيفي على نسبة ضيلة من الأصوات.

ويبدو أن الأتراك يتحركون ببطء من خلال دوائر تجنيد ناعمة في المناطق التي يقل فيها منسوب النزاع عن مناطق أخرى (سوريا- ليبيا).

 وفي لبنان تعمل تركيا بشكل ثابت على إنشاء الشبكات والروابط مع مختلف المستويات داخل الطائفة السنية في كامل أنحاء لبنان، من طرف ومن طرف آخر تعمل ضمن مجموعات من اللاجئين السوريين.

وأظهر التصريح الذي أعلنه وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، من بيروت في 8 أغسطس (آب) الماضي، عن نية أنقرة منح جنسيتها للمواطنين الذين يعتبرون أتراكاً أو تركماناً في لبنان، والمسيرات التي جرت أكثر من مرة والتي جابت الشوارع بالأعلام التركية ضد المجموعات الأرمنية الموجودة في لبنان، وما تم تسجيله من تهديدات وشتائم بحق أحد مقدمي البرامج التلفزيونية له أصول أرمنية عن مخطط تركي ناعم يهدف إلى ازدياد النفوذ التركي.

وبحسب مراقبين، فمنذ عام 2006، ودخول القوات التركية كجزء من قوات اليونيفيل إلى لبنان، وجّه الأتراك منظمة التعاون والتنسيق التركية، (TIKA)، للعمل في لبنان، وتعمل تلك المنظمة على تقديم المساعدات للبلديات والجمعيات الأهلية في محافظتي طرابلس وعكّار عبر إقامة مشاريع محدّدة، وبالتالي التغلغل في المجتمعات، بحجة الأعمال الخيرية، ويستهدف بالدرجة الاولى بيئة المسلمين السنّة في لبنان.

ورصدت تقارير صحافية لبنانية تحركات السفارة التركية في بيروت، في البحث عن اللبنانيين من أصول تركية وتركمانية، لتشجيعهم على الحصول على الجنسية التركية. ولا ينحصر هذا الملفّ في بضعة آلاف من المواطنين اللبنانيين من أصول تركمانية في عكار وقرى محيطة بالكواشرة، إلّا أن ذلك يمتدّ إلى بعض عشائر البقاع (ومنها عشائر أو عائلات شيعية)، بهدف إعطاء هؤلاء جنسيات تركية، على قاعدة تاريخهم كمواطنين في السلطنة العثمانية أو من أصول تركية أو تركمانية.

والسؤال: ماذا تريد تركيا من خلق أذرع لها في بلدان مختلفة، وكسب ولاءات مواطني بلدان أخرى وتجنيدهم، وبالتالي تمدد رقعة انتشار أذرع إردوغان في المنطقة بحسب خريطة أطماعه، هي أدواته المميتة للسلم واستقرار البلدان المستهدفة.

 

أداة مميتة

ومن كل ما سبق نخلص إلى أن المسؤولية التركية عن ظاهرة انتشار المرتزقة مسؤولية مباشرة، وهي تعد في إطار الجرائم التي تخالف بنود معاهدة جنيف لحقوق الإنسان، لكن هذا لا يردع حلم إردوغان بالتمدد.

وحول تنامي ظاهرة تجنيد المرتزقة وارتباطها بحروب إردوغان، يقول أيمن عقيل رئيس مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان لـ«المجلة»: «منذ أن قامت الحكومة التركية بتشكيل المرتزقة والميليشيات في شمال شرقي سوريا، بداية من العام 2014، وهي ترتكب طيفًا واسعًا من الانتهاكات الحقوقية».

ويضيف عقيل: «الحكومة التركية استخدمت هذه الميليشيات كأداة مميتة لتحقيق مصالحها في مناطق النزاع على مستوى العالم، فقد تم إرسالهم إلى ليبيا للقتال بجانب قوات الوفاق حليف تركيا الأساسي، على حين تم إرسالهم إلى إقليم ناغورنو كراباخ للقتال بجانب أذربيجان حليف تركيا، فهذه الميليشيات أصبحت الأداة التي تعتمد عليها الحكومة التركية للتدخل في النزاعات المسلحة عبر العالم لتحقيق أهدافها السياسية، وهي مسؤولة عن ارتكاب مجموعة واسعة من الانتهاكات خلال تدخلها في هذه النزاعات»، محذرا من «خطورة هذه الفصائل على السلم والأمن الدوليين، فانتشارهم في الدول ينذر بعواقب وخيمة على استقرار الأمن والسلم الدوليين».

 ويتابع: «تستغل تركيا الأزمات الإنسانية للشعوب والأقليات العرقية في مساعي تجنيدها المرتزقة وخير مثال على ذلك قيام الحكومة التركية بنقل عدد هائل من مقاتلي حزب الأويغور التركستاني الإسلامي وعائلاتهم إلى سوريا، بهدف استخدامهم في سوريا واكتساب خبرة قتالية في القتال ضد الجيش السوري، وعلى هذا النحو تستخدم الحكومة التركية الأموال في بعض الأحيان لإغراء الأشخاص للانضمام إلى المرتزقة، في حين يظل العامل الآيديولوجي هو الأقوى في تجنيد الأشخاص للانضمام إلى الميليشيات السورية المسلحة، فتستخدم الحكومة التركية شعارات دينية وآيديولوجية وطائفية وعبارات تحث على الجهاد الإسلامي ضد الحكومة السورية الحالية، غالبًا ما تحمل هذه العبارات شعارات وطنية وثورية عن ضرورة مقاومة الظلم والتمادي آلة القمع السلطوية على يد بشار الأسد».

ويكشف أن «الفصائل المسلحة التابعة لتركيا تقوم بتجنيد الأطفال للقتال في بؤر النزاع المختلفة، ففي مايو (أيار) 2020 أرسلت الفصائل المسلحة التابعة لتركيا مجموعة من المدنيين والأطفال للقتال في ليبيا بجانب حكومة الوفاق الحليف السياسي لها وتشير تقديرات مؤسسة ماعت أن عملية التجنيد تتم بموافقة من ذوي الأطفال بغرض الحصول على المقابل المادي، ولكن يتم التلاعب ببطاقات الأطفال والتغيير في السن والهوية حتى يتسنى إرسالهم للقتال في ليبيا، بينما تكرر النمط ذاته في إرسال تركيا ما يزيد على ألفي مقاتل سوري للمشاركة في القتال الدائر بين أرمينيا وأذربيجان بإقليم كراباخ في سبتمبر (أيلول) من العام 2020»، وعلى هذا النحو يؤكد رئيس مؤسسة ماعت أن «الحكومة التركية متورطة في عمليات التجنيد بشكل مباشر بالتعاقد مع عدد من الشركات الأمنية مثل شركة صادات وشركة أبناء الأمة على أن تكون مهمة هذه الشركات فحص المقاتلين وإعداد الوثائق الخاصة بهم للسفر إلى مناطق النزاع المختلفة ويتقاضى كل طفل راتبًا قدره 3000 دولار، وتشير تقديرات ماعت إلى إرسال تركيا حوالي أكثر من 380 طفلا إلى مناطق النزاع المختلفة توفي منهم 25 طفلا».

ويؤكد عقيل على ضرورة أن يكون هناك «تنسيق بين المؤسسات الحقوقية على المستوى الإقليمي والدولي خصوصًا السورية منها، لإدانة انتهاكات حقوق الإنسان التي تقوم بها الحكومة التركية في شمال شرقي سوريا على مستويات عديدة، فهناك مجموعة من المنظمات تتحرك في ملف الآليات الدولية التابعة لمجلس حقوق الإنسان وتحاول تقديم أدلة واضحة على انتهاكات الفصائل المسلحة التابعة لتركيا وتحملها نتائج أعمال هذه الميليشيات طبقًا لمواد اتفاقيات جنيف الأربع».

عدنان تانريفردي مؤسس شركة صادات

ويشير إلى أن «هذه التحركات أسفرت عن نتائج ملموسة، إذ أدانت لجنة تقصي الحقائق الخاص بالوضع في سوريا في تقريرها السنوي انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الميليشيات المسلحة التابعة لتركيا في شمال شرقي سوريا محملة تركيا المسؤولية عن هذه الانتهاكات، على حين تحاول بعض المنظمات جمع الأدلة المتعلقة بأخطر الجرائم الدولية وانتهاكات القانون الدولي المرتكبة في شمال شرقي سوريا منذ دخول تركيا إليها وتوحيد هذه الأدلة وحفظها وتحليلها لإعداد ملفات من أجل تسهيل وتسريع رفع دعاوى جنائية منصفة ومستقلة وفقاً لمعايير القانون الدولي إلى المحاكم أو الهيئات القضائية الوطنية أو الإقليمية أو الدولية التي أسند لها اختصاص النظر في هذه الجرائم».

ويلفت قائلا: «هناك مجموعة من العوامل التي تجمع الميليشيات والفصائل المسلحة التابعة لتركيا في شمال شرقي سوريا بشكل ظاهري، يمثل الفكر المتطرف المتشدد الرابط بين هذه المجموعات وهو خطاب آيديولوجي واضح لها في كل وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لها، ولكن وبشكل خفي تمثل المصالح الاقتصادية والسياسية الرابط بينهم، فهذه الميليشيات تقوم بعمليات خطف ممنهج للمواطنين بغرض الفدية وتقوم بالإتجار بالنساء بعد اختطافهم، كذلك تفرض الإتاوات على التجار والمزارعين وتقوم بالاستيلاء على الممتلكات المختلفة، وبالتالي فالمصالح سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية هي الرابط بين هذه الجماعات وليس الخطاب الآيديولوجي وحده»..

لذا يرى عقيل أنه من الممكن أن نشاهد سيناريو انقلاب المرتزقة على إردوغان «خصوصًا في ظل الأزمة المالية التي يتعرض لها هؤلاء المرتزقة وعدم دفع رواتبهم بشكل منتظم من قبل الحكومة التركية، وبالتالي من الممكن لهؤلاء أن يعملوا لصالحهم وينفصلوا عن الحكومة التركية خصوصًا وأن لديهم كافة المعدات العسكرية والاستعدادات للقيام بهذا الأمر في الشمال السوري»، وفي نفس الوقت يحذر «من خطورة هذه الميليشيات، إذ إنها حاضنة للإرهاب والتطرف وتهدد الأمن والسلم الدوليين».

 

بلاء في ليبيا

إذن قد يتحول هؤلاء المرتزقة لبلاء يتمدد ليطال مساحات جغرافية واسعة، في حال لم تفِ تركيا بوعودها لهؤلاء المأجورين، وما أشيع بأن تركيا وعدت المقاتلين بالحصول على الجنسية التركية مقابل مشاركتهم في معارك ليبيا ومن يلقى حتفه يصل عائلته مبلغ 500 دولار لمدة سنتين، صار بالنسبة للمرتزقة ضربا من الخيال، خاصة ممن تأخرت رواتبهم وبالتالي فقدوا الثقة بالدولة التركية التي خذلتهم.

وقد نتج عن هذا الشعور من الخذلان رد فعل مجموعات من المرتزقة، حيث تظاهر عشرات المرتزقة السوريين داخل كلية الشرطة في طرابلس احتجاجا على تأخر رواتبهم 5 أشهر، وفق فيديو مسرب من معسكر الكلية. في حين يقوم قسم من المرتزقة بالفرار من المقرات والمعسكرات إلى الداخل الليبي ومنهم من يحاول الوصول إلى أوروبا عبر بوابة إيطاليا، وذلك بسبب عدم السماح لهم بالعودة إلى سوريا وعدم إعطائهم رواتبهم الشهرية، في ظل الاقتطاع المستمر منها، البعض منهم عمد إلى دفع رشوة لأطباء في ليبيا مقابل كتابة تقارير تفيد بأن وضعهم الصحي سيئ ويستوجب عودتهم، وبلغت قيمة الرشوة التي دفعت نحو 500 دولار أميركي عن المقاتل الواحد، ثم قاموا بتقديم هذه التقارير الطبية لقادتهم ليوافقوا على عودتهم، وهو ما حصل بالفعل، إذ جرى نقلهم إلى تركيا في بداية الأمر، ومن ثم إلى سوريا، بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان، الذي دق ناقوس الخطر من مصير مرتزقة إردوغان في ليبيا، محذرًا أوروبا من محاولات عشرات الإرهابيين الفرار إليها عبر إيطاليا.

والسؤال، إن فشلوا في دق أبواب أوروبا، هل يمكن أن يبقوا في ليبيا؟

محمد الزبيدي المحلل السياسي الليبي وعضو الفريق القانوني للتحقيق في انتهاكات المرتزقة بليبيا يؤكد على أن «المجتمع الليبي رافض لهذا الوجود بأي شكل من الأشكال، وأن المرتزقة يعيشون في بيئة غير حاضنة، والمجتمع الليبي يعرف القاصي والداني أنه مجتمع مؤسس على بنية قبلية، القبيلة هي التي ترسم معالم المجتمع، وهي العنوان الرئيسي لبنية المجتمع ونظرة الليبين إلى المرتزقة هي أن هؤلاء دخلاء على المجتمع الليبي وأنهم يشكلون خطرا على الأمن الوطني وعلى الوئام المجتمعي، خاصة أنهم أتوا من خلفيات إجرامية، كانوا بين صفوف جبهة النصرة وداعش وتنظيم القاعدة، فتاريخهم دموي، خاصة الذين استخدمتهم الدولة التركية في قمع الأكراد والمجازر والمذابح التي يرتكبونها في شمال شرقي سوريا».

ويوضح الزبيدي وجهة نظره في حديث لـ«المجلة» قائلا: «هؤلاء المرتزقة عاثوا في ليبيا فسادا، والليبيون لديهم حساسية تاريخية من الاستعمار وخاصة الاستعمار التركي الذي جثم على صدور الليبيين 400 سنة لم يترك الأتراك خلال 400 سنة من الاحتلال لليبيا سوى القلاع العسكرية، والتاريخ الدموي والقمعي».

ويؤكد أن هناك فريقا قانونيا يعمل معهم، مهمته ملاحقة هؤلاء المرتزقة قانونيا، وأن هذا الفريق القانوني سيحاكم النظام التركي على جرائمه في ليبيا وتجنيده المرتزقة، وتجنيد المرتزقة في ليبيا هو شكل من أشكال العدوان، والعدوان حتى في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لم يكن معروفا، إلا أن المؤتمر الذي عقد في كمبالا الخاص بتعديل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تم خلاله تعريف العدوان وأدخل ضمن نظام روما وعليه، فالعمل الذي أقدمت عليه تركيا في ليبيا هو شكل من أشكال العدوان، وبالتالي نحن كفريق قانوني جهزنا قضية متكاملة»، مشيرا إلى أن «الدعوة تتضمن 22 تهمة تطال إردوغان وأركان حكومته فيما يتعلق بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان وتجنيد المرتزقة على الأراضي الليبية وستتم محاكمتهم وملاحقتهم أمام القضاء الدولي».

عناصر من المرتزقة ينهبون الماشية بعد استيلاء الجيش التركي على عفرين

أشبال مرتزقة

ضمن الانتهاكات يكشف الزبيدي أن «عدد الأطفال السوريين المجندين كمرتزقة في حدود 300 طفل وهم موجودون الآن في ليبيا، وعدد المرتزقة في حدود 20 ألفا يتوزعون على مجموعة من الأماكن في جنوب طرابلس معسكر اليرموك، وفي معسكر صلاح الدين، وفي معسكر حمزة، وفي قاعدة سيدي بلال البحرية غربي طرابلس، وفي قاعدة الوطية في غرب ليبيا بالقرب من الحدود التونسية»، مضيفًا: «هناك أكثر من 100 مرتزق تم أسرهم أثناء المعارك بين الجيش والقوات التركية والمرتزقة وهؤلاء أتوا بمعلومات في غاية الخطورة والأهمية، عن كيفية تجنيدهم واستغلال الأتراك لحالة العوز والفقر في مخيمات النازحين السوريين شمالي سوريا وأيضا تجنيد الجماعات الظلامية الإرهابية المتطرفة كفرقة الحمزاوات والعمشات... إلخ، وغيرها من هذه التسميات التي أطلقها على الفصائل وعلى المجاميع الإرهابية المؤيدة لعملية درع الفرات التي أطلقها إردوغان للقضاء على الجنس العربي والجنس الكردي في شمال سوريا».

ويشير إلى أن «هناك انشقاقات في صفوف المرتزقة لأنه تم السطو على المبالغ المالية التي تم الاتفاق عليها مع الحكومة التركية، فتجنيد المرتزقة تم بالاتفاق بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق على دفع مابين 2500 دولار و3000 دولار شهريا لكل مرتزق، لكن الدولة التركية سطت على هذه المبالغ، وجندت المرتزقة ولم يدفعوا لهم المبالغ المتفق عليها، وخرج المرتزقة في مظاهرات في أحد المعسكرات التي يتواجدون فيها وهو معسكر صلاح الدين في جنوب طرابلس، إذ تم استقطاع المبالغ سواء من جانب الحكومة التركية أو حتى من قادة الميليشيات في ليبيا لم يتبق للمرتزق حسب اعترافاتهم سواء الذين تم القبض عليهم، والآن ما زالوا في سجون القوات المسلحة في شرق ليبيا، أو الذين ما زالوا موجودين في طرابلس لم يتقاضوا سوى 200 أو 300 دولار من إجمالي المبلغ المتفق عليه».

ويؤكد المعلومات التي تحدثت عن وصولهم إلى أوروبا، ويقول: «العديد من المرتزقة فروا إلى ايطاليا وجنوب أوروبا عبر قوارب الهجرة مع الأفارقة الذين يتقاطرون على أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط فهؤلاء ايضا من ضمن المرتزقة ومن المحتمل جدا أن يكون ضمن صفوفهم إرهابيون، والذين سيقومون بعمليات إرهابية في أوروبا.

ويختم الزبيدي حواره معنا باعتقاده أن «إردوغان يعتنق منهجا يشبه اليمين المتصهين في الولايات المتحدة الأميركية، ويعتنق فكرة إحياء الامبراطوية العثمانية والاحتلال العثماني، وهذا ضرب من الخيال، لأننا في زمن تجاوز الإمبراطوريات ولم يعد للإمبراطوريات وجود، وحلت محل الإمبراطوريات الدولة القطرية بمفهومها الحديث والمعاصر، منذ مؤتمر وستفاليا 1640 وحتى يومنا هذا، العالم لا يعرف سوى الدولة القطرية، زمن الإمبراطوريات والأباطرة ولى إلى غير رجعة، لكن إردوغان يحاول استخدام الأداتين: الأداة العثمانية العنصرية للتحكم في الشعوب وقمعهم، وخاصة دول جوار تركيا، ورأينا المشاهد الدموية في معارك ناغورني كراباخ، ودعم تركيا للأذريين وقمع الأكراد في جنوب شرق تركيا ومنطقة كردستان بالكامل التي سموها (جنوب الأناضول) هذه هي سياستهم العنصرية بالإضافة إلى تطعيمها بفكر إخواني بحكم أن جماعة الإخوان المسلمين هي التي تحكم تركيا».

لكن يبدو أن مهمة الزبيدي وفريقه لن تنتهي قريبا كما أنه يبدو أن ما ابتليت به ليبيا لن ينتهي في المستقبل المنظور، فقبل شهر، وافق البرلمان التركي على مذكرة تقدم بها الرئيس رجب طيب إردوغان لتمديد مهام قواته في ليبيا لمدة 18 شهرا إضافية.

وموافقة البرلمان تعطي الضوء الأخضر لبقاء قوات إردوغان في ليبيا لمدة عام ونصف بدأت اعتبارا من 2 يناير (كانون الثاني) 2021، ما يمنح أنقرة فرصا جديدة وورقة للمناورة في بلد تحاول أنقرة عرقلة مسارات حل أزمته، من خلال ضخ مزيد من المرتزقة، مقوضة بذلك أي فرص للتهدئة في ليبيا، خاصة أن خروج جميع المقاتلين الأجانب من ليبيا، كان أبرز بنود الاتفاق الليبي- الليبي، الشهر الماضي.

 

قلق أممي من مرتزقة إردوغان

رغم الدعوات المتكررة لإردوغان بسحب مرتزقته من ليبيا إلا أنها تضرب بعرض الحائط، ففي يونيو (حزيران) 2020 بعث مقررو الأمم المتحدة رسالة مشتركة إلى الحكومة التركية للحصول على مزيد من المعلومات حول دورها في تجنيد وتمويل ونقل ونشر المسلحين السوريين في ليبيا.

ووفقا للاتهامات الواردة في الرسالة، فإن تركيا قامت بنشر المرتزقة بشكل فعال في نزاع مسلح في ليبيا من خلال تجنيد ونشر ودفع مسلحين، بينهم أطفال، من عدة مجموعات مسلحة سورية للمشاركة في العمليات العسكرية في طرابلس لدعم حكومة الوفاق.

وكشفت رسالة الأمم المتحدة أيضًا كيف استخدمت الحكومة التركية مقاولها شبه العسكري (شركة صادات) في تلك العمليات.

وأفادت بأن «السلطات التركية تعاقدت مع شركات عسكرية وأمنية خاصة لتسهيل اختيار المقاتلين، وكذلك إعداد الوثائق الرسمية والتعاقدية، بالتنسيق على ما يبدو مع الأجهزة الأمنية التركية. وجاء في الرسالة أن إحدى الشركات المذكورة في هذا السياق هي شركة صادات الدولية للاستشارات الدفاعية».

كما حذر البنتاغون في سبتمبر (أيلول) 2020، من «جرائم المرتزقة السوريين» في غرب ليبيا، وبحسب أجزاء من التقرير نشرتها وسائل إعلام أميركية، فإن تركيا أرسلت إلى ليبيا ما لا يقل عن 5000 مرتزق سوري عملوا بشكل وثيق مع أنقرة في الحرب الأهلية السورية، إذ أُرسلوا لمساعدة الميليشيات المتحالفة مع طرابلس في قتال قوات القائد العسكري المتمركز في الشرق خليفة حفتر.

وقالت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إن التقارير المتزايدة عن السرقة والاعتداءات الجنسية وسوء السلوك من قبل المرتزقة السوريين في المناطق الغربية من ليبيا من المرجح أن تزيد تدهور الوضع الأمني ​​وتولد رد فعل عنيف، وصفت «أفريكوم» هؤلاء المرتزقة الذين يقاتلون مع حكومة الوفاق، بأنهم «عديمو الخبرة وغير متعلمين ودوافعهم للقتال تأتي بناء على وعود براتب كبير»، وأشارت إلى أن الشركة العسكرية التركية الخاصة (صادات) أشرفت على نقل أجور المرتزقة ودفعها.

ويعتقد المسؤولون الأميركيون أن عدداً متزايداً من المقاتلين السوريين قد يكون لهم صلات سابقة بالمنظمات الإرهابية، على الرغم من أن العديد منهم يقاتلون على الأرجح في ليبيا لأسباب مالية أو شخصية.

الجنرال عدنان تانريفردي (يسار) الذي دعم فكرة تأسيس شركة مرتزقة تعمل بالخارج

دائرة الاتهام

ويبقى السؤال ما هو مآل كل التقارير التي صدرت بخصوص تجنيد تركيا المرتزقة والانتهاكات التي يقوم بها هؤلاء والتي وصفتها تقارير حقوقية بأنها ترتقي لجريمة حرب.

سلام عبد الصمد المستشار القانوني للمفوّضية السامية للأمم المتحدة لحقوق اللاجئين (UNHCR)، يرى أن ملف تجنيد المرتزقة هو ملف إنساني ويتعارض مع القانون الدولي ومع الاتفاقيات الدولية ومع توجيهات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لعدة أسباب أهمها هو اللجوء إلى عامل الاستغلال، أي استغلال العوز والفقر من قبل مجموعات أو من قبل دول أو من قبل جيوش في سبيل تجنيد أصحاب هذه الحاجات أو المعوزين لغايات استعمارية أو غايات سياسية.

ويقول عبد الصمد لـ«المجلة»: «حسب القانون الدولي، المرتزق هو أي شخص يجري تجنيده ليس للدفاع عن وطنه، أي ينتمي إلى دولة معينة تعمل دولة أخرى على تجنيده للدفاع ليس عن مصلحة بلده أو وطنه إنما عن أطماع وسياسات الدولة التي تجنده، وهذا الأمر غير مبرر من الناحية القانونية وعليه فإن تجنيد السوريين للدفاع عن أطماع المصالح التركية في ليبيا وغيرها، وهؤلاء يطلق عليهم مرتزقة، هذا بالمفهوم القانوني، ولكي نميز بين الدفاع المشروع عن النفس والمرتزقة يجب أن نطبق التعريف الوارد باتفاقية جنيف وأيضا بالقانون الدولي الإنساني».

ويرجع المستشار القانوني خطورة هذا الأمر لعدة أسباب؛ «السبب الأول لأنه يخفي مطامع استعمارية ويخفي مطامع سياسية، تكون على حساب الحقوق الإنسانية، ثانيا أنه يقوم على استغلال حالة العوز إذ لا يمكن أن يقبل السوري أن يتجند للدفاع عن مصالح تركيا للقتال في ليبيا إلا إذا كان مضطرا من الناحية المادية أو مكرها من الناحية المعنوية، على سبيل المثال يمكن أن يهددوا الأهل إذا لم تقاتل مع الجيش التركي فسنعرضك أو نعرض عائلتك لتعذيب مادي أو تعذيب معنوي».

ويؤكد على أن «كل الدول التي تمارس هذا النوع من تجنيد المرتزقة تمارس أفعالا منافية للقانون، ولا يجوز تحت أي ظرف أو لأي سبب كان استغلال الأشخاص الأبرياء، والأطفال، فعادة يكون التجنيد بين صفوف الشباب والقاصرين في سن العشرين إلى الثلاثين الذين عادة تكون لديهم الدينامكية والجاهزية للقتال ويتم تجنيدهم من خلال استغلال عوزهم أو ضيق حالتهم أو استغلال ظرفهم الاقتصادي، وأحيانا يتفاجأ الشخص بنقله إلى مكان ما، كما تفاجأ سوريون عندما أرسلوا إلى ليبيا، يمكن أن يكون هناك ولاء عاطفي لتركيا، لكن البعض منهم لا يستسيغ فكرة القتال لمصلحة تركيا في بلدان أخرى»، منوها إلى أن «هذه العملية بكل تفاصيلها تشكل مخالفة صارخة لأحكام القانون الدولي الإنساني لاتفاقيات جنيف».

عناصر من مرتزقة تركيا في ليبيا (المرصد السوري)

ويبرر المستشار عبد الصمد عدم وجود تحرك دولي فعلي يردع تركيا من الاستمرار في تجنيد مرتزقة، قائلا: «عندما تتدخل السياسة تصبح المصالح بين الدول على حساب حقوق الإنسان، على حساب حقوق المواطن، على حساب مصالح الشعوب، عمليا من يتحكم اليوم بالأمم المتحدة هو مجلس الأمن ومجلس الأمن يضم خمس دول كبرى، إلى جانب حق النقض، وهذه الدول الخمس لديها بطبيعة الحال مصالح وتحالفات مع تركيا وغيرها، ترى في مكان ما أن السكوت أو غض النظر عن هذا الأمر، قد يخدم مصالحها وعندئذ تفضل المصلحة على القانون»، مستدركا: «لكن هناك أجهزة رصد ومراقبة من قبل المنظمات الدولية سواء كانت منظمات غير حكومية تتلقى الدعم من الأمم المتحدة أو منظمات تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر للأمم المتحدة، هذه المنظمات ترصد كل الخروقات لحقوق الإنسان، لمبادئ الإنسانية للقانون الدولي، وتعمل على إعداد التقارير من خلال المراقبين وترفع للمسؤولين في الأمم المتحدة وهناك يعود أمر التنفيذ إلى مركز القرار وغالبا ما تكون لدى الأمم المتحدة معلومات كافية ووافية عن انتهاكات خارقة لحقوق الإنسان في الصومال وليبيا ولبنان وسوريا والعراق. كل هذه الانتهاكات توثق في تقارير خاصة ويبقى تحريك هذه التقارير أو الملفات وتحويها إلى فعل أو ردة فعل ووضع حد لهذه الانتهاكات عندما تجتمع مصالح القوى العظمى»..

ولا يستبعد ان تتم ملاحقة إردوغان في المحكمة الجنائية الدولية على غرار البشير، كل هذه الانتهاكات ترصد وتوثق في النهاية، أما التوقيت فهو مرتبط بالمصالح السياسية، ويبقى أن أي دولة تقوم بتجنيد المرتزقة لغايات استعمارية ومستغلة عوز وفقر هؤلاء المرتزقة يجب أن تلاحق بجرائم ضد الإنسانية.

يذكر أن الأمم المتحدة اعتمدت في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 1989 الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، وجرمت كل مرتزق وكل من يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل المرتزقة، كما حظرت على الدول تجنيدهم واستخدامهم، إذ لا يتمتع المرتزق بوضع المقاتل أو أسير الحرب.