الجنوب في «رؤية الناتو 2030»

التحديات المتزايدة والأطروحات المتنوعة
الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ يترأس اجتماع وزراء دفاع الناتو الذي عقد في الفترة بين 17-18 فبراير، عبر الفيديو في بروكسل، بلجيكا في 17 فبراير 2021 (غيتي)

* لم تعد فكرة الدفاع الجماعي كمهمة رئيسية محل إجماع

* رأى البعض أن روسيا أصبحت قوة مسالمة ولم تعد تهديدات موسكو محل قلق للحلف

* روسيا لم تر في توسيع حلف الناتو شرقاً أمراً طبيعياً بل رأت أنه يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهو ما دفعها إلى اتخاذ خطوات صارمة في ملفات ذلك الجوار

* من الأفضل فهم الصين على أنّها منافس اقتصادي لا يمثل تهديداً مباشراً للمنطقة الأوروبية الأطلسية على غرار ما تمثله روسيا

* أضحى حلف الناتو في أزمة وجودية فرضت عليه الحاجة إلى ضرورة البحث عن رؤية جديدة تعيد بناء قدراته وتحافظ على تماسكه وتضمن أداء دوره

* قدرة الناتو على قراءة التطورات والتغيرات ومحاولات التكيف معها يفسر بقاءه واستمراره في العمل منذ تأسيسه وحتى اليوم

 

 

القاهرة: جاء احتفال حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالذكرى السبعين لتأسيسه منتصف العام الماضى (يونيو/ حزيران 2020) مختلفا عن الأعوام السابقة التي يناقش فيها الحلف بدوله الثلاثين خطط عمله ومستهدفات تحركاته، إذ قدم الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، خطة عمل الحلف خلال العشر سنوات القادمة في إطار ما أطلق عليها «رؤية الناتو 2030»، حيث أكد على ضرورة بقاء حلف الناتو بقوته العسكرية، هذا من ناحية، وأن يتحد سياسيًا بشكل أكبر من ناحية أخرى، محددا مرتكزات الجهود الجديدة المطلوبة لتحقيق تلك الرؤية والتي أجملها في مرتكزين رئيسيين، هما: إجراء المزيد من المشاورات مع الخبراء وقادة الحلف، التواصل المستمر مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والقادة الشباب.

وفي خضم تلك الرؤية متعددة الأبعاد والمحاور، برز أمن الجنوب لدول الحلف والتي تمثل المنطقة العربية جزءا رئيسيا في تلك الرؤية، وهو ما يتناوله التقرير من خلال محورين:

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) والقائد العام للأركان العامة فاليري جيراسيموف (يمين) خلال عرض فيديو لقاذفة الناتو (غيتي)

الأول: الناتو ورؤية 2030... تحديات عديدة وطموحات بعيدة

لم يكن إقدام حلف الناتو على طرح رؤيته للعشر سنوات القادمة (2030) إلا استجابة لعديد التحديات والتهديدات التي تزايدت خلال العقد الأخير، حيث وجهت إليه انتقادات عدة بشأن مستقبل دوره في ضوء أهدافه المرسومة، ومن أبرز هذه الانتقادات ما يأتي:

1- الدفاع الجماعي؛ كونه المهمة الرئيسية للحلف، فلم تعد تلك الفكرة محل إجماع من مختلف الآراء، بل تباينت الرؤى بشأن طبيعة تلك المهمة في مواجهة تزايد التهديدات، إذ انقسمت الآراء إلى ثلاثة توجهات: الأول، رأى أن فكرة الدفاع الجماعي لم تعد فكرة كافية لاستمرار الحلف وتماسك بنيانه، وهو ما يستوجب العمل على توسيع عضويته أو شراكته مع أطراف أخرى بما يضمن مزيدا من الأمن الجماعي في مواجهة التهديدات المتزايدة والتحديات المتعاظمة. الثاني، يرى أنه إذا كانت حجة الدفاع الجماعي لم تعد كافية لبقاء الحلف في ظل غلبة التصورات الأميركية على توجهات الحلف مع انعدام استراتيجية أورو- أطلسية واضحة ومتناغمة وبعيدة المدى، يستوجب الأمر إلغاء الحلف بالكامل والبحث عن أطر جديدة للأمن الجماعي. التوجه الثالث، يرى أن تزايد التهديدات التي تمس العالم الغربي بشكل خاص، تؤكد على استمرار الحاجة الماسة لاستخدام أساليب الردع والدفاع في أوروبا في إطار إعادة النظر في توجهات الحلف ورؤيته من خلال التركيز على الملفات ذات الأهمية للشركاء الأوروبيين في الحلف مثل العمل على حماية جنوب أوروبا، وتقليم أظافر الجماعات المسلحة المتطرفة في شمال أفريقيا، مع عدم تجاهل أولويات واشنطن خاصة في بعض الملفات الإقليمية ذات التهديد المباشر للأمن الأوروبي (أفغانستان، العراق، سوريا على سبيل المثال).

2- روسيا مصدر للتهديد أم للتعاون؟ لم تقتصر التباينات في الرؤى بشأن مستقبل الحلف على فكرة الأمن الجماعي فحسب، بل مثلت عودة الدور الروسي عالميا مجالا آخر للتباين، إذ رأى البعض أن روسيا أصبحت قوة مسالمة ولم تعد تهديدات موسكو محل قلق للحلف، ويرتبط ذلك بافتراض أن توسيع الحلف لن يثير رد فعل روسيا، باعتبار ذلك أمراً مسالماً، وهو ما يعني أن تمدد الناتو سواء من خلال ضم مزيد من الدول التي كانت تدور في الفلك السوفياتي سابقا لن يثير إزعاج موسكو أو غضبها وذلك في تعاظم التحديات التي تواجهها موسكو خاصة في المجال الاقتصادي، هذا من ناحية، وفي ضوء كذلك العمل على عودة الروح إلى المجلس الروسي- الناتو من ناحية أخرى. في حين أن ثمة رأيا آخر وهو الأكثر ترجيحا بأن عودة روسيا للساحة الدولية وتوجهها إلى حماية جوارها المباشر يمثل ردا عمليا على رفض وجهة النظر الأولى، بل الأقرب إلى الواقع هو أن روسيا لم تر في توسيع حلف الناتو شرقا أمرا طبيعيا بل رأت أنه يمثل تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وهو ما دفعها إلى اتخاذ خطوات صارمة في ملفات ذلك الجوار (الأزمة الأوكرانية والجورجية نموذجان مهمان في هذا الخصوص). ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل تعمل روسيا على إعادة ترسيم الخريطة الدولية من خلال تواجدها المباشر في المناطق التي كانت تمثل نفوذا تقليديا للولايات المتحدة وأوروبا، ولعل الدور الروسي في المنطقة العربية وأفريقيا يعكسان بجلاء هذا التوجه (الوجود الروسي في سوريا وليبيا واليمن وكذلك قواعدها العسكرية في أفريقيا)، وهو ما يمثل تحديا للحلف ومستقبله، وتتفق هذه الرؤية مع رؤية اللورد هاستينغ إسماي الأمين العام الأول لحلف الناتو منذ سبعين عاما حينما قال: «إن الحلف يهدف إلى بقاء روسيا خارج أوروبا وأميركا داخل أوروبا وألمانيا داخل حدودها».

 

الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ (يمين) مع تشانغ مينغ، رئيس البعثة الصينية لدى الاتحاد الأوروبي (يسار)

3- الصعود الصيني، رأى البعض أن الصين منافس اقتصادي وشريك تجاري كبير في الوقت نفسه. ولذلك، من الأفضل فهم الصين على أنّها منافس اقتصادي لا يمثل تهديدا مباشرا للمنطقة الأوروبية الأطلسية على غرار ما تمثله روسيا، وهو ما يمكن أن يفتح المجال واسعا للتعاون المستقبلي بين الطرفين. على الجانب الآخر يرى البعض أن الصين ليست منافسة اقتصادية فحسب، بل فاعلة مهددة للأمن والاستقرار في الجوار الأطلسي المباشر وغير المباشر، عبر توسيع نطاق وجودها العسكري في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ويعزز من هذا التهديد تطويرها العسكرى المستمر، فضلا عن إمكاناتها النووية والفضائية التي تؤهلها للقيادة العالمية خلال العقود القادمة، وهو ما يمثل بدوره تهديدا مباشرا للحلف وأعضائه.

في ضوء ما سبق، أضحى حلف الناتو في أزمة وجودية فرضت عليه الحاجة إلى ضرورة البحث عن رؤية جديدة تعيد بناء قدراته وتحافظ على تماسكه وتضمن أداء دوره، استجابة لطلب قادة الحلف في قمة لندن عام 2019 من الأمين العام استشراف المخاطر والتحدّيات بهدف النظر في الطرائق المناسبة لتقوية الدور السياسي للحلف، فشكّل الأمين العام  مجموعة عمل في أبريل (نيسان) عام 2020، يرأسها كلّ من توماس دو مازيير  Thomas de Maiziere، وفيس ميتشلA. Wess Mitchell، طالبا بوضع رؤى في مجالات محددة، هي: تعزيز الحلف وتضامنه وتماسكه، ومركزية العلاقات عبر الأطلسي، وزيادة التشاور والتعاون في المجال السياسي بين دول الحلف، وتقوية الدور السياسي للحلف، وأدواته ذات العلاقة لمواجهة الأخطار الحالية والمستقبلية، كما التحدّيات الصادرة من كلّ الاتجاهات الاستراتيجية. وقد خلصت المجموعة في عملها إلى التقرير المعنون بـ: «الناتو 2030: متحدون من أجل عصر جديد»، متضمنا العديد من المقترحات حول موضوعات متنوعة، بما في ذلك روسيا والصين والفضاء الخارجي والأوبئة والدفاع الأخضر وأمن الطاقة والإرهاب... إلخ، وقد تبنى الأمين العام للحلف تلك الرؤية التي وصفها البعض بـ«المفهوم الاستراتيجي الجديد»للحلف.

وقد أكد الأمين العام للحلف على أن تنفيذ هذه الرؤية، كما سبقت الإشارة، يأتي من خلال العمل على محورين رئيسيين: الأول عسكري، وذلك بقوله: «إنه سيتابع الاستثمار في القوات المسلحة وتعزيز القدرات العسكرية الحديثة، بهدف تحقيق المهمة المركزية لحلف شمال الأطلسي المتمثلة في توفير الأمن للمجتمع... وأنّ الإنفاق العسكري للناتو زاد خلال الخمس سنوات الماضية، بما في ذلك استثمار إضافي بقيمة 130 مليار دولار منذ عام 2016». الثاني سياسي، وذلك بقوله: «إنّ الخطوة الأولى لتحقيق أرضية مشتركة بين الدول تتمثل بحثها على استخدام الحلف بشكل سياسي أكبر، بدلاً من اعتباره وسيلة للتعاون العسكري فحسب»، وذلك في إشارة إلى تصاعد الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء في الحلف، حول قضايا مثل التجارة والصين وروسيا والشرق الأوسط والتى أدت إلى تراجع دور الحلف، بل بدأ البحث عن إجابة للتساؤل حول قدرة الحلف على أن يتوصل إلى اتفاق بشأن تلك القضايا الرئيسية.

الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ (غيتي)

الثاني: الجنوب في رؤية الحلف 2030... تهديدات متصاعدة

رغم تأكيد الأمين العام للحلف على أن رؤية 2030 ستتضمّن البحث في قضايا تهدد أمن الدول الأعضاء في الحلف، ومن بينها البحث في الصراعات في الشرق الأوسط بشكل أكبر، الحد من التسلح وصولاً إلى التداعيات الأمنية لتغير المناخ، إلا أن الواقع الراهن يؤكد على أن ثمة تهديدات متصاعدة في تلك المنطقة التي حظيت باهتمام الحلف منذ بداية خمسينات القرن الماضي حينما صاغ الناتو استراتيجية «الجبهة الجنوبية»والتي حظيت بأهمية تاريخية وكانت تضم حينذاك كلا من اليونان وإيطاليا وتركيا لدمجهم في نظام الدفاع الغربي واحتواء الاتحاد السوفياتي في حقبة ما بعد الحرب الباردة. ولكن، ظلت هذه العبارة مستخدمة وقد تم استبدالها بكلمة الجنوب، لتضم حوض البحر الأبيض المتوسط إلى جانب البرتغال وموريتانيا، فضلا عن التطورات في أفريقيا والشرق الأوسط التي تهم الحلف نظرا لقربها من المنطقة الجنوبية. وقد حرص الحلف على التفاعل مع هذا الجنوب من خلال أدوات مثل الحوار المتوسطي الذي تم إطلاقه عام 1994، وشاركت فيه كل من الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس، وذلك بهدف تعزيز الأمن في البحر المتوسط. في عام 2017، كثف الناتو جهوده من خلال إنشاء مركز استخباراتي في الجنوب في نابولي بإيطاليا، وفي العام التالي (2018) أعلن الحلف عن حزمة لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

واستكمالا لهذا الاهتمام ومع وضع رؤيته العشرية (2030) والتي خُصصت بعض صفحاتها لما يسمى الجنوب، جاء فيه: «عندما تكون الدول المجاورة لحلف الناتو أكثر أمناً، يكون الحلف أكثر أمناً. لقد أقرّ حلف شمال الأطلسي منذ فترة طويلة بوجود تهديدات ومخاطر منتشرة لأمن الحلفاء من (الجنوب)، بالإضافة إلى تهديدات من (الشرق)، وبأنّ الفصل الواضح بين الجناحين (الجنوب والشرق) يفقد أهميته تدريجياً... فإن على حلف الناتو أن يضع نهجاً متسقاً وواضحاً ومتماسكاً تجاه الجنوب، يعالج كلاً من التهديدات التقليدية النابعة من هذه المنطقة، مثل الإرهاب والمخاطر الجديدة، بما في ذلك تزايد وجود روسيا، وإلى حدّ أقل الصين».

وفي ضوء هذه الرؤية يستوجب من الحلف العمل على محورين رئيسيين: الأول، فهم طبيعة الصراعات في المنطقة التي دخلت نفقا مظلما منذ أحداث 2011 والتي يطلق عليها الربيع العربي الذي تحول إلى شتاء قارس بغمامات قاتمة لا تزال تهدد بمزيد من التوترات والنزاعات نتيجة تزايد التدخلات الخارجية إقليميا ودوليا التي ترى فيما يجري ما يمكن أن يحقق مصالحها أو يضمن وجودها في ملفات إعادة البناء ما بعد الصراعات محققا لها ذلك هدفين: وجودا سياسيا واستثمارا اقتصاديا. والثاني، فهم التحولات التي تشهدها منطقة الجنوب سواء في مسارها السلمي من خلال اتفاقات السلام الموقعة خليجياً وأفريقياً مع إسرائيل وتداعيات ذلك في ظل تعقد المشهد الفلسطيني إذا ما أخفقت الاستحقاقات الدستورية المزمع إجراؤها هذا العام، أو في مسارها الخلافي في منطقة شرق المتوسط والتي تشهد خلافا بين بعض أطرافه (تركيا من جانب، واليونان وقبرص وفرنسا من جانب آخر)، بل مما يزيد من عمق هذا المسار أنه يتعلق بالأزمة العربية التي تدخل فيها الناتو مباشرة عام 2011 وهي الأزمة الليبية مما يزيد الأمر تعقيدا أمام تحرك الحلف في قادم الأيام لوضع رؤيته 2030 في مسارها الجنوبي موضع التطبيق، وهو ما يستوجب البحث عن أطر متعددة ومقاربات متنوعة لإدارة علاقات الناتو مع الأطراف العربية الرئيسية في المنطقة والتي يرتبط بعضها بعلاقات تعاونية مع الحلف (دول الخليج)، وفي الوقت ذاته ضرورة مراعاة الاختلافات بين الأعضاء بما لا يؤثر على تماسك الحلف واستمراره في ظل تزايد المخاطر والتهديدات التي رصدها التقرير في رؤيته للحزب 2030.

نهاية القول؛ يتعين على حلف الناتو قراءة الديناميكيات السياسية الجديدة في منطقة الجنوب بدقة، وتقييمها بعناية، إذا أراد أن يعزز استقرار الجنوب في السنوات القادمة بما ينعكس إيجابا على أمنه واستقراره ليتمكن من مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية، إدراكا من واقع التجارب العملية الأخيرة التي خاضها الحلف (حالة أفغانستان نموذجا) التي تؤكد على الصلة الوثيقة بين الأمن والتنمية من ناحية، وأن التحديات الاستراتيجية التي تواجهه لا يمكن التغلب عليها عبر الاعتماد على الخيار العسكري فحسب، أي إن الوسائل العسكرية وحدها لم تعد تكفى. وغني عن القول إن طرح الناتو لرؤية جديدة (2030) لم تكن الأولى من نوعها، إذ سبق أن طرح الحلف بين الحين والآخر رؤى جديدة تعزز من أداء دوره في ضوء المستجدات والمتغيرات، وهو ما يعني أن قدرة الناتو على قراءة التطورات والتغيرات ومحاولات التكيف معها يفسر بقاءه واستمراره في العمل منذ تأسيسه في نهاية أربعينات القرن الماضى وحتى اليوم رغم تغير الأوضاع وتحول الظروف.