إيران: الهروب من مشاكل الداخل بالتصعيد في الخارج

* هذا التصعيد الذي يتناقض ورسائل التهدئة القادمة من الإدارة الأميركية الجديدة يستهدف إشاعة الانطباع بأن إيران قادرة على إلحاق الأذى بالمصالح الأميركية وبحلفائها من القوى الإقليمية المطالبة بالانضمام إلى الاتفاق النووي في صيغته المستقبلية

تكرر إيران كلما سنحت لها الفرصة رفضها التراجع عن الخروقات التي قامت بها، خلافا لمقتضيات الاتفاق النووي المبرم سنة 2015 مع مجموعة 5+1، مثل رفع تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 20 في المائة، إلا إذا عادت واشنطن إلى هذا الاتفاق دون قيد أو شرط، ورفعت العقوبات التي فرضتها عليها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. ولتأكيد إصرارها على مطالبها تلك عمدت طهران إلى استعراض قوة نفوذها الإقليمي وما تملكه من إمكانيات قادرة على تعميق عدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة.

في هذا السياق، كان لافتا للانتباه إقدام طهران على إجراء مناورات عسكرية شاملة برية، وبحرية، وجوية، رافقتها حملة دبلوماسية إلى عدد من العواصم العالمية والإقليمية بخطاب سياسي تميز بحدة النبرة في عدد من المحطات، وواكبها تحريك لأذنابها في المنطقة الذين تحشرهم جميعا تحت ما يسمى «محور المقاومة»في عمليات استفزاز مقصودة تجسدت في تدبير اغتيال معارض في بيروت، مرورا بتنظيم مظاهرات تحدٍ وإحراج للسلطة في العراق، وصولا إلى قيام ميليشيات الحوثي بضرب منشآت مدنية في السعودية بصواريخ باليستية ومسيرات مصنعة إيرانيا، انطلاقا من قواعدها في اليمن.

إن هذا التصعيد الذي يتناقض ورسائل التهدئة القادمة من الإدارة الأميركية الجديدة يستهدف إشاعة الانطباع بأن إيران قادرة على إلحاق الأذى بالمصالح الأميركية وبحلفائها من القوى الإقليمية المطالبة بالانضمام إلى الاتفاق النووي في صيغته المستقبلية، وخاصة المملكة العربية السعودية؛ لأنها تعتقد أن موازين القوى في المنطقة تميل لصالحها ولصالح محورها «المقاوم»، وبالتالي من الضروري مراعاتها ومراعاة مكونات محورها المختلفة في أي مستجدات وتطورات ترسم لمستقبل المنطقة.

غير أن نظرة ولو سريعة على حقيقة الأوضاع في المنطقة تكذب ادعاءات طهران وأدواتها الإقليمية. فهذا المحور الذي لا يقاوم سوى الإرادة العربية في إرساء أسس السلام والتعايش لا يستطيع أن يعطي تفسيرا مقنعا لشلله التام في الرد على غارات إسرائيل الجوية والصاروخية المتواترة يوميا في عمق الأراضي السورية، وعلى أهداف لا يخفى على أحد أنها إيرانية أو تابعة لميليشياتها المتعددة الجنسيات؛ كما أنه لا يملك أي تبرير لعدم القدرة على منع ضربات استخباراتية بالتصفية الجسدية لعلماء الذرة، وبالتخريب السيبراني والمعلوماتي لمنشآت علمية سيادية في قلب طهران؛ مكتفيا بالاختباء وراء مقولة «الحفاظ على حق الرد في الزمان والمكان المناسبين»، فلا الزمان يأتي ولا المكان يحدد.

ولذلك يبدو جليا أن التصعيد الذي تمارسه طهران مباشرة ومن خلال أدواتها المذهبية بإيعاز مكشوف من جناح المتشددين داخل السلطة يروم في المقام الأول:

 *السعي إلى إحياء مفاوضات الاتفاق النووي في صيغته الأولى بعيدا عن موضوع الصواريخ الباليستية وعن أدوارها الإقليمية التخريبية.

*إلهاء الشعب الإيراني عن مشاكله الحقيقية اقتصاديا ومعيشيا وصحيا، خصوصا بعد الفشل الذريع في احتواء تفشي جائحة كورونا، ومن ثم تفويت الفرصة على تيار المعتدلين لتحقيق انفراج خارجي قبل الانتخابات الرئاسية التي يريد المتشددون الفوز بها لإطباق سيطرتهم على كل مؤسسات البلاد.

ولكن التدهور المريع للاقتصاد في إيران، وفي الدول التي تدور في فلكها طوعا كسوريا أو مكرهة كالعراق ولبنان، مضافا إلى تذمر القوى الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) من السلوك الإيراني وتكرار تحذيراتها لطهران من مغبة عدم اغتنام فرصة اليد الممدودة أميركيا يجعل التساؤل مشروعا عما إذا كان بمستطاع نظام الملالي أن يواصل سياساته التصعيدية والمتعنتة طويلا؟

إن غدا لناظره قريب.