«صفقات» تزويج القُصّر في إيران تتفاقم... والسلطات الإيرانية تقدم التسهيلات

حالة زواج قاصرة تحمل بيدها طفلها

* إدارة الأحوال المدنية في إيران: حالات تزويج القصر هذا العام تجاوزت 40 ألف حالة.

* یعتبر الفقر والحصول على المال والمعتقدات الثقافية من أهم أسباب انتشار ظاهرة زواج القصر في إيران. وتسعى العائلات الفقيرة والكبيرة عادة إلى زواج البنات القاصرات للتقليل من نفقات العائلات

* يتسبب زواج القصر في العديد من التداعيات؛ منها ترك الدراسة، وتقليص فرص الحصول على العمل، والعنف الجسدي والجنسي، والعزلة، والاكتئاب، والهروب من المنزل، والحمل المبكر في سن الطفولة، وسرطان عنق الرحم، وزيادة الأمراض المنقولة جنسياً

 

طهران: تنص المادة الأولى لاتفاقية حقوق الطفل على أن أي إنسان دون 18 عاما يطلق عليه وصف الطفل. صدقت الجمهورية الإسلامية على هذه الاتفاقية في 1994 بعد تأييدها من قبل مجلس صيانة الدستور. وبعد التصديق على الاتفاقية أبدت إيران التحفظ التالي: «إن كان نص الاتفاقية- أو أصبح- غير متوافق مع القوانين المحلية والمعايير الإسلامية في أي وقت، فإن الجمهورية الإسلامية لن تلتزم بها». ولكن عمليا لم تلتزم الجمهورية الإسلامية بالكثير من بنود الاتفاقية بسبب عدم تماشيها مع القوانين المحلية والمعايير الإسلامية على حد قول مسؤولي النظام الإيراني. وبالتالي فإن زواج من هم دون 18 عاما ليس محظورا فحسب، بل تحول إلى معضل لم يستطع النظام الإيراني فكه منذ سنوات مديدة.

أظهر أحدث تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني في يناير (كانون الثاني) 2021 جزءا بسيطا من حجم الكارثة العميقة، حيث قال تم تزويج 9 آلاف و58 فتاة تتراوح أعمارهن بين 10 و14 عاما في صيف 2020.

وأعلن المركز في وقت سابق عن حالات زواج لـ7 آلاف فتاة تتراوح أعمارهن بين 10 و14 عاما وطفلة دون 10 أعوام في ربيع 2020.

 

يمثل الزواج المبكر لفتيات صغيرات السن، لم يتعدين عمر الطفولة، ممارسة رائجة بكثرة في الريف الإيراني

وقد دق ناقوس الخطر حول زواج القصر في إيران لأول مرة في 2006 حيث أفادت تقارير آنذاك بتزويج أكثر من 33 ألف فتاة دون 15 عاما في البلاد.

وبناء على نتائج تحقيق أجراها مركز الإحصاء الإيراني فإن 848 ألف طفل وطفلة دون 18 عاما تزوجوا حتى العام 2006، وبلغت حالات الطلاق 25 ألف حالة ووصلت أعداد حالات وفاة الشريك (الشريكة) إلى نحو 12 ألف حالة.

ومن المؤسف أكثر ما ورد في تقرير مشابه صدر عام 2010 بشأن 716 حالة زواج لمن دون 10 أعوام.

وبلغ عدد زواج الأطفال في إيران ذروته في 2014 حيث أعلنت إدارة الأحوال المدنية أن حالات تزويج القصر في هذا العام تجاوزت 40 ألف حالة.

وأظهرت الإحصائيات الرسمية أن حالات زواج من هم دون 10 أعوام بلغت 220 طفلا في 2011و187 طفلا في 2012 و201 طفل في 2013 و176 طفلا في 2014 و179 طفلا في 2015.

وتقول الإحصائيات الرسمية المعلنة بأن نسبة الطلاق للنساء دون 19 عاما بلغت ذروتها في 2011 حتى 2015 بـ95 ألف حالة طلاق من بينها نحو 5 آلاف و760 حالة لزوجين دون 15 عاما.

وأشارت إحصائيات صادرة من مركز الإحصاء الإيراني في 2016 إلى أن عدد الفتيات المتزوجات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 10 و18 عاما بلغ 4 ملايين و381 ألف فتاة منهن 373 ألف فتاة غير منفصلات و942 فتاة تعرضت لوفاة الزوج، ونحو 7 آلاف فتاة خضن تجربة الانفصال والطلاق.

وبعد عام واحد نشرت إدارة الأحول المدنية تقريرها السنوي، حيث أعلن فيها أن 217 فتاة دون العاشرة تم تزويجها، وأن عدد الفتيات اللاتي تم تزويجهن في الفئة العمرية بين 10 أعوام و14 عاما بلغ 35323 فتاة.

وسجلت إيران 324 حالة زواج لأولاد دون 15 عاما و13 ألفا و54 حالة زواج لفتيات دون 13 عاما في 2018. ووصلت نسبة حالات الزواج لفتيات تتراوح أعمارهن بين 14 و18 عاما إلى 133 ألفا و86 حالة في العام ذاته.

ونشر مركز الدراسات التابع للبرلمان الإيراني تقريرا في 2018 حول هذا الموضوع حيث استند التقرير إلى الإحصائيات الصادرة عن إدارة الأحوال المدنية قال فيه إن أغلب الفتيات القاصرات أرغمن على الزواج من رجال يكبرهن بـ10سنوات على أقل تقدير.

وأضاف التقرير أن 3 فتيات تتراوح أعمارهن بين 10 أعوام و14 عاما أجبرن على الزواج من رجال في السبعينات وأن الفارق السني للزوجين في 138 حالة وصل إلى ما يتراوح بين 25 و29 عاما.

وكشفت الإحصائيات الرسمية المعلنة أن زواج القصر ينتشر غالبا في المناطق القروية وضواحي المدن الكبيرة والمناطق القبلية والحدودية والفئات الأقل دخلا في البلاد.

وشهدت نسبة تزويج الفتيات دون 15 عاما تزايدا ملحوظا خلال الأعوام 2016 إلى 2019ویعزو المراقبون ‍‍ذلك إلى تفشي الفقر وتدهور الظروف المعيشية.

وأشارت نتيجة دراسة أجراها الباحث الأكاديمي الإيراني البريطاني كاميل أحمدي أن 7 محافظات إيرانية تشمل خراسان الرضوي وأذربيجان الشرقية والأهواز وسيستان-بلوشستان وأذربيجان الغربي وهرمزكان وأصفهان سجلت أعلى معدلات زواج القصر خلال السنوات الأخيرة في البلاد.

تسعى العائلات الفقيرة والكبيرة عادة إلى زواج البنات القاصرات للتقليل من نفقات العائلات

أسباب انتشار ظاهرة تزويج القصر

یعتبر الفقر والحصول على المال والمعتقدات الثقافية من أهم أسباب انتشار ظاهرة زواج القصر في إيران. وتسعى العائلات الفقيرة والكبيرة عادة إلى زواج البنات القاصرات للتقليل من نفقات العائلات. كما تشير الدراسات بأن زواج القاصرات له علاقة مباشرة بمستوى تعليم الوالدين والظروف الاقتصادية للأسرة.

يلقى الصداق أو المهر (المال الذي وجب على الزوج دفعه للزوجة عند عقد النكاح) رواجا كبيرا لدى العائلات الإيرانية الفقيرة منذ زمن بعيد وأخذ أتباع هذا التقليد بالتزايد خلال الأعوام الأخيرة وذلك بسبب ارتفاع مؤشر البؤس الاقتصادي في البلاد وأصبح له نمط جديد عنوانه صفقة اقتصادية تستفيد منها هذه العائلات التي أجبرها الفقر والحاجة على القبول بتزويج بناتها مبكرا.

من جهة أخرى، تعمل السلطات الإيرانية على دعم هذه الزيجات من خلال تسهيلات عديدة على غرار «قروض الزواج» والتي منحت بعض العائلات ذريعة مناسبة لتزويج بناتها لأسباب مختلفة منها الفقر أو الحصول على الأموال. وتلجأ هذه العائلات إلى إبرام «صفقات» تزويج بناتها في سنوات الطفولة للتقليل من عدد الأفراد الذين يعيشون في كنف العائلة لأنها ببساطة غير قادرة على تأمين الحاجات المعيشية لأطفالها.

وقد أعلنت السلطات العام الماضي عن قروض زواج بقيمة 30 مليون تومان لكل واحد من الزوجين أي 60 مليونا للثنائي الراغبين في الارتباط رسميا.

وصادق مجلس الشورى الإيراني على قرار زيادة مبلغ قرض الزواج ليصل إلى 50 مليونا لكل فرد راغب في الزواج في 2020.

وقال مساعد وزير الشباب والرياضة لشؤون الشباب محمد مهدي تندغويان في تصريحات حول استغلال قروض الزواج لوكالة «إيسنا»الطلابية في ديسمبر (كانون الأول) 2019: «لقد أدت زيادة مبلغ قرض الزواج إلى ارتفاع كبير في حالات زواج القصر بلغ على أقل تقدير 4 أضعاف في بعض المناطق وذلك مقارنة مع العام الماضي (2018)».

وبعد الفقر والتقاليد الثقافية يأتي غياب القانون ضمن الأسباب الرئيسية التي تشجع بعض العائلات على تزويج بناتها أو حتى أبنائها دون بلوغ السن القانونية.

وقد حددت القوانين الإيرانية ومنها تعديل قانون حماية الأسرة الذي تم إقراره في فبراير (شباط) 1975 سن الزواج للبنات 18 عاما وللبنين 20 عاما، مؤكدا على حاجة الفتيات دون 15 عاما إلى إذن من ولي الأمر (الأب) لعقد الزواج. وألغي هذا القانون في 1982 بعد قيام الثورة وتم تحديد سن الزواج على أن يكون 9 للبنات و15 للبنين حسب التقويم القمري. وتم تعديل القانون في 2001 حيث أصبح سن الزواج 13 للبنات و15 للبنين واشترط حالات الزواج دون السن المذكور بإذن ولي الأمر (الأب والجد من جهة الأب) وحسب المصلحة التي تقتضيها المحكمة.

وتنص المادة 1041 للقانون المدني على أن عقد الزواج للبنات دون 13 عاما شمسيا وللبنين دون 15 عاما شمسيا مشروط بموافقة ولي الأمر وحسب المصلحة التي تقتضيها المحكمة. بعبارة أخرى فإن شرط «موافقة ولي الأمر» في هذه المادة أصبح بمثابة ضوء أخضر للعديد من العائلات التي تلجأ إلى تزويج بناتها من رجال كبار السن.

 

زواج الأطفال في إيران ظاهرة متفشية تحت حماية السلطة (غيتي)

ولكن حقيقة الأمر أن نسبة زواج القصر في إيران أعلى بكثير من الإحصائيات المعلنة. يبرم الكثير من العائلات عقد الزواج لبناتها دون السن القانونية برجال يكبرهن كثيرا دون تسجيل العقد في المكاتب القانونية حيث لا يتم تسجيل السن الحقيقية للفتاة أو يتم تسجيل الزواج على أنه عقد مؤقت حتى بلوغ الفتاة السن القانونية.

وأشار تقرير للمقرر الخاص المعني بملف حقوق الإنسان في إيران إلى نحو 40 ألفا و635 ألف حالة زواج مسجلة لبنات دون 15 عاما خلال عامي 2012 و2013 حيث تعدى الفارق السني 10 سنوات في 8 آلاف حالة زواج على أقل تقدير.

وباتت هذه الحقائق الصادمة مصدر قلق رئيسي للنشطاء المدنيين ونشطاء حقوق الأطفال في إيران منذ سنوات عديدة.

وأعرب نشطاء مدنيون وعدد من نواب البرلمان عن معارضتهم لزواج القصر مرات عديدة منذ 2001 حيث تم إقرار قرارات برلمانية على غرار «مشروع قرار حماية الطفل والمراهق» و«تعديل المادة 1041 للدستور» ومشروع «السن القانونية للزواج 18 عاما للبنين و16 عاما للبنات» ومشروع قرار «حظر زواج البنات دون 15 عاما والبنين دون 18 عاما» ومشروع قرار «حظر زواج البنات دون 13 عاما» ولم تتحول هذه الجهود والمبادرات إلى قوانين ملزمة لأنها إما رفضت من قبل اللجنة البرلمانية القضائية وإما تعثرت في مجلس صيانة الدستور.

وعلى الرغم من التقارير والإحصائيات العديدة المنتشرة والحقائق الواضحة في المجتمع غير أن بعض مسؤولي النظام الإيراني ينكرون حقيقة «تزايد حالات زواج القصر»، ومنهم رئيس منظمة الشؤون الاجتماعية تقي رستم وندي الذي فند في تصريح لوكالة «إيسنا»الطلابية في 8 فبراير (شباط) تزايد حالات زواج الأطفال قائلا: «لا توجد في إيران ظاهرة زواج القصر بمعناها العالمي لأن زواج القصر يأخذ مجراه القانوني في البلاد».

وتقوم الحكومة الإيرانية بتنفيذ السياسة التي رسمها المرشد على خامنئي حول زيادة عدد سكان البلاد، لأن انخفاض عدد السكان يشكل مصدر قلق جدي للنظام الإيراني غير أن الإحصاءات الرسمية تشير إلى عدم رغبة العديد من الأزواج الجدد في الإنجاب بسبب تدهور الظروف المعيشية والحالة الاقتصادية الصعبة.

وتعتمد التيارات المتشددة والمؤسسات الثقافية والاجتماعية الحكومية في إيران خطة المرشد المتمثلة في الترويج لزواج القصر وإلغاء سياسة تنظيم النسل والترويج للإنجاب ودور الأمومة للنساء وذلك دون الالتزام بالتوافقات والقوانين الدولية في هذا الشأن.

وفي الوقت الذي تشهد فيه عدة دول في المنطقة على غرار السعودية إصلاحات تشريعية بهذا الشأن ومنع عقد زواج من هم دون 15 عاما فإن إيران رفضت الانضمام إلى قرار حظر زواج الأطفال من قبل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في 2014.

وتعرف منظمة الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسيف) زواج الأطفال على أنه أي زواج رسمي أو أي ارتباط غير رسمي بين طفل دون 18 عاما وشخص بالغ أو طفل آخر. وقد يفرز زواج القصر العديد من التداعيات منها ترك الدراسة وتقليص فرص الحصول على العمل والعنف الجسدي والجنسي والعزلة والكآبة والهروب من المنزل والحمل المبكر في سن الطفولة وسرطان عنق الرحم وزيادة الأمراض المنقولة جنسيا.