لبنان: التدويل وحدوده

* المطالبة بالحياد أو التدويل أو وضع لبنان تحت البند السابع ليست لها أي تداعيات على وضع التوازنات الداخلية ولا تأثير عمليا لها على البلد... هو مجرد جدل بيزنطي آخر في بلد لا يريد أن يعترف أولياء أمره أن نظامه فاشل. 

 

بين التصريحات المتكررة الآتية من بكركي التي تطالب بحياد لبنان وتثبيت هذا الحياد في مؤتمر أممي، وبين رفض حزب الله القاطع لموضوع تدويل الأزمة اللبنانية والإشارة إلى أن أمرا كهذا إن حصل سيؤدي إلى اقتتال أهلي، يظل البلد يبحث عن طوق نجاة يقيه الغرق في بحر من أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية وسياسية حتى.

وقد سبق أن عرف لبنان جدالا لا طائل منه، من هذا النوع أيام الحرب الأهلية، فعندما كان فريق يطالب بلامركزية موسعة، كان الفريق الثاني يسارع بالمطالبة بإلغاء الطائفية من النظام، أما قبل الحرب الأهلية فكان هناك فريق يطالب بالابتعاد عن الوحدات العربية أو الإسلامية بشكل أو بآخر ليسارع الفريق الثاني بالتأكيد على وحدة مسار ومصير تلك الأقطار. لم يفض هذا الجدل يوما إلى تطبيق اللامركزية أو إلغاء الطائفية السياسية أو الابتعاد عن تأثيرات الأقطار العربية وتنافسها أو قضاياها. نهاية النقاشات تلك كانت العودة إلى روحية الميثاق الوطني ولو معدلا كما حدث مع اتفاق الطائف مثلا.

الحياد الذي يطالب به رأس الكنيسة المارونية هو بالمضمون إعادة لجدل لن يفضي لأي نتيجة سوى العودة ربما إلى روحية الميثاق واتفاق الطائف معدلين على أبعد تقدير.

فالحياد، بغض النظر عن قدرته في إيجاد حل للأزمات اللبنانية الكثيرة والمزمنة، أتت متأخرة جدا لعدة أسباب أولها يتعلق بالداخل. فالأقوى في لبنان، الذي يملك السلاح والمال والجماهير والدعم الإيراني الكامل والحلفاء الداخليين أيضا يؤمن بتحرير القدس كواجب ديني، ويرتكز آيديولوجياً على العداء مع إسرائيل كأساس لوجوده والعمل العسكري لإنهاء هذا الوجود من خلال تحالف يمتد من إيران إلى العراق إلى سوريا إلى اليمن وفلسطين، مع لبنان مركزا له. فأمين عام حزب الله هو القائد العربي لهذا المحور لما يملك من صفات تؤهله للعب هذا الدور القيادي لتلك المجموعة. في هذه الحالة لا يعود لبنان بلدا عاديا بالنسبة لإيران بل مركز تعتمد عليه لفرض استراتيجيتها الإقليمية. المطالبة اليوم بالحياد فيها نوع من الاستحالة في ظل الصراع الكبير القائم بالمنطقة بين إيران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.

ثانيا على الصعيد الدولي هناك نوع من البرودة في التعاطي مع الملف اللبناني، نظرا لأداء السياسيين فيه وشهيتهم المعلنة والمفتوحة على الفساد، ولعدم امتلاكهم رؤية محددة للخروج من الأزمة كما لعدم رغبتهم في تعديل نظامه الاقتصادي والمالي، وهناك نوع من التسليم من قبل فرنسا مثلا بدور حزب الله الطاغي في لبنان لأسباب تتعلق بمصالحها مع إيران. طبعا الأمور أصبحت أقل تعقيدا بالنسبة لإيران مع مجيء إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن الذي يبدي انفتاحا عليها ورغبة في إعادة العمل بالاتفاق النووي وما يرافقه من إعادة إعطائها دورا مهما في المنطقة. ودور إيراني أكبر يعني دورا أكبر لميليشياتها في المنطقة من حزب الله وصولا إلى الحوثيين.

أما فيما يتعلق بدول الخليج فهي الأخرى لا تسعى بشكل جدي إلى لعب أي دور في لبنان ذي قيمة، خاصة أن الأموال التي صرفتها على الجماعات التي تواليها لم تأت بأي نتيجة تذكر. ثم اتفاقات إبراهام التي عقدتها كل من البحرين والإمارات مع إسرائيل أصبحت أولوية لسياساتها الخارجية لأهميتها الأمنية والاقتصادية العالية المردود. من هنا يصبح لبنان غير ذي أهمية لتلك الدول حتى يثبت هو نفسه عكس ذلك.

لذلك فإن المطالبة بالحياد أو التدويل أو وضع لبنان تحت البند السابع ليست لها أي تداعيات على وضع التوازنات الداخلية ولا تأثير عمليا لها على البلد.

هو مجرد جدل بيزنطي آخر في بلد لا يريد أن يعترف أولياء أمره أن نظامه فاشل.