إيران في القارة الأفريقية... أدوات متنوعة ومخاطر متزايدة

استغلال للثروات والأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية
إيرانيون وطلاب نيجيريون يرفعون ملصقات لرجل الدين الشيعي النيجيري آية الله إبراهيم زكزكي خلال مظاهرة خارج السفارة النيجيرية في طهران في 17 يوليو 2019. زكزكي على خلاف مع السلطات العلمانية في نيجيريا منذ سنوات بسبب دعوته لثورة إسلامية على النمط الإيراني (غيتي)

* يمكن تفسير الموقف الإثيوبي في عدم توجيه الاتهامات بشكل صريح إلى طهران بأنها تحاول أن تتفادى التورط علناً في القضايا الحساسة ذات الصلة بالقوى الدولية الكبرى

* ما كشفته هذه الأحداث يثير من جديد الحديث عن ملف الوجود الإيراني في القارة الأفريقية

* تستغل إيران الأوضاع السياسية في العديد من دول القارة التي تواجه أزمات سياسية مع المجتمع الدولي (السودان في عهد البشير، وليبيا في عهد القذافي)

* ثمة وجود إيراني خشن ممثل في الوجود العسكري والأمني، من ذلك على سبيل المثال المشاركة الإيرانية في عمليات منع القرصنة الدولية قبالة السواحل الصومالية

* شملت المبادرات الإيرانية الهادفة إلى بسط هيمنتها على القارة، جوانب فكرية وثقافية من خلال استخدامها لمجموعة من المؤسسات الرسمية والمنظمات الخيرية لتنفيذ أهدافها

* تمثل صادرات طهران من السلاح والذخيرة وقطع الغيار إلى بعض دول القارة مجالا آخر للقوة الخشنة الإيرانية في القارة، مستغلة حالات النزاعات والصراعات التي يشهدها كثير من دولها

 

القاهرة: جاء التقرير الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»الأميركية في منتصف شهر فبراير (شباط) 2021، نقلا عن مسؤولين أميركيين أن إيران هى من دبرت المؤامرة الفاشلة في الثالث من فبراير لاستهداف السفارة الإماراتية في أديس أبابا، متهمين إيران بتبني توجه جديد تجاه القارة الأفريقية يتمثل في تنشيط خلايا نائمة تابعة لها لتحقيق أهداف سهلة في محاولة للثأر لمقتل قيادييها البارزين، في إشارة واضحة إلى كل من مسؤول العمليات الخارجية في الحرس الثوري، قاسم سليماني، بضربة أميركية، واغتيال محسن فخري زاده نائب وزير الدفاع الإيراني لشؤون الأبحاث العام الماضي. كما أشار التقرير كذلك إلى أن تلك الخلية الإيرانية بدأت من الخريف الماضى (2020) بجمع معلومات استخبارية حول سفارتي الولايات المتحدة وإسرائيل في أديس أبابا أيضا.

وقد جاء هذا التقرير ردا على المعلومات التي أعلنتها السلطات الإثيوبية باعتقالها خلية مكونة من 16 شخصا (15 تم اعتقالهم داخل إثيوبيا والآخر اعتقل في السويد ويدعى أحمد إسماعيل وهو العقل المدبر لهذه الجريمة)، وهو ما أشارت إليه الأدميرال هايدي ك.بيرغ مديرة المخابرات في قيادة البنتاغون لأفريقيا، بقولها: «إن إيران كانت وراء الخمسة عشر شخصًا الذين تم اعتقالهم في إثيوبيا، لعلاقتهم بالتخطيط لاستهداف السفارة الإماراتية، وأن العقل المدبر لهذه المؤامرة الفاشلة المدعو أحمد إسماعيل اعتقل في السويد بالتعاون بين البلدين (إثيوبيا والسويد)».

وإذا كان من المعتاد أن تنفي طهران هذه الاتهامات كما جاء في البيان الذي أصدرته السفارة الإيرانية في أديس أبابا وورد فيه أن: «هذه الاتهامات التي لا أساس لها تم فبركتها من قبل وسائل الإعلام المعادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية العميلة للكيان الصهيوني وأنه لا إثيوبيا ولا الإمارات تحدثت عن ضلوع إيران في هذه القضية»، فإنه من غير المقبول أن يؤخذ الرد الإيراني الذي يحاول أن يشير إلى عدم وجود اتهامات مباشرة من إثيوبيا أو الإمارات لإيران في هذه القضية ليدلل على عدم صحة التقرير الذي نشرته الجريدة، وإنما يمكن تفسير الموقف الإثيوبي في عدم توجيه الاتهامات بشكل صريح إلى طهران رغم التلميحات التي يفهم منها ذلك، في ضوء ما يشير إليه عدد من الدبلوماسيين الإثيوبيين إلى أن موقف أديس أبابا كونها مقر الاتحاد الأفريقي تحاول أن تتفادى التورط علناً في القضايا الحساسة ذات الصلة بالقوى الدولية الكبرى. هذا فضلا عما تعانيه أديس أبابا كذلك من أزمات داخلية وخارجية عديدة، بدءا من أزمة التيغراي مرورا بالحرب الحدودية الإثيوبية السودانية، وصولا إلى أزمة سد النهضة وتعقد المباحثات الثلاثية بسبب تعنت أديس أبابا في ملف المياه، وهو ما يجعل قيادتها حريصة على عدم التورط في مزيد من الصراعات والخلافات إذا ما وُجهت اتهامات بشكل مباشر إلى أحد الأطراف، خوفا من أن تتحول أراضيها كذلك إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الفاعلين الدوليين والإقليميين.

 

رئيس جنوب أفريقيا السابق جاكوب زوما (إلى اليسار) والرئيس الإيراني حسن روحاني (يمين) خلال لقائهما في قصر سد آباد في طهران، في 24 أبريل 2016. (رئاسة إيران- وكالة الأناضول- غيتي)

وغني عن القول إن ما كشفته هذه الأحداث يثير من جديد الحديث عن ملف الوجود الإيراني في القارة الأفريقية، ذلك الوجود الذي لم يكن يوما ما وجودا طارئا أو يأتي ارتباطا  بأحداث معينة أو توقيتات محددة، وإنما تمثل القارة الأفريقية ساحة مستهدفة من السياسة الإيرانية حتى ما قبل عام 1979 بسنوات، وإن تزايد هذا الاهتمام بشكل مباشر ما بعد ثورتها التي أسقطت نظام الشاه الذي كان جل تركيزه على شرق القارة الأفريقية فحسب، لتصبح القارة كلها ما بعد 1979 ساحة مستهدفة لوجودها ضمن استراتيجيتها التمددية، إذ ارتبطت أفريقيا بمخططات إيران للتوسع الإقليمي من خلال عبور المحيط الهندي، للبحث عن موطئ قدم لها في شرق القارة الأفريقية بما يمكنها من الانطلاق إلى العمق الأفريقي محققة بذلك مكاسب اقتصادية وسياسية متعددة، مستفيدة من بعدين مهمين:

الأول: الأوضاع الاقتصادية المتردية في مختلف دول القارة رغم امتلاكها للموارد الطبيعية المتنوعة والثروات المعدنية والنفطية الهائلة ولكنها غير مستغلة لصالح شعوبها سواء بسبب التدخلات الدولية المختلفة في شؤون القارة والتي تحاول استغلال هذه الموارد على حساب تنمية شعوبها أو بسبب الصراعات الداخلية التي تعاني منها مختلف دول القارة بسبب التنوع العرقي والإثني والديني واللغوي وقد فشلت حكومات هذه الدول في توظيفه للبناء المشترك بسبب انتشار الجهل والفقر. ولذا، فقد حاولت طهران استغلال هذه الأوضاع في أن يكون لها دور في هذا التنافس الدولي والإقليمي للحصول على حصة من تلك الموارد المهمة خاصة اليورانيوم الذي تحتاجه في استكمال برنامجها النووي، إلى جانب أن السوق الأفريقية بحجمها الكبير (1.2 مليار نسمة) وبقدراتها المتواضعة قد تكون سوقا مواتية للمنتجات الإيرانية بما يدعم اقتصاد طهران الذي يعاني من أزمات هيكلية بسبب العقوبات الاقتصادية.

البعد الثاني: يتعلق بالأوضاع السياسية في كثير من دول القارة التي تواجه أزمات سياسية مع المجتمع الدولي (السودان في عهد البشير، وليبيا في عهد القذافي)، لتقدم لهم الدعم والمساندة تحت عنوان مواجهة الاستكبار العالمي، الأمر الذي سهل لطهران وجودا مباشرا في عمق القارة وهو ما مكنها من التمدد في أقاليم القارة المختلفة من ناحية، والحصول على الدعم الدبلوماسي من معظم دولها في المحافل الدولية والإقليمية، من خلال الاستفادة من كثرتها العددية (55 دولة أفريقية) في دعم أجندة إيران في المؤسسات الدولية، خاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومختلف المنظمات الدولية من ناحية أخرى.

 

الأدميرال هايدي بيرغ مديرة المخابرات في قيادة البنتاغون الأفريقي

ولعل الخطوة الإيرانية التي لم تتكرر والمتمثلة في تنظيم طهران لمنتدى «الحوار الإيراني-الأفريقي»الذي عُقِد في طهران في الفترة من 15-17 سبتمبر (أيلول) 2010، بمشاركة ممثلين لأكثر من 40 دولة أفريقية، تعكس المسعى الإيراني لتوظيف أوضاع القارة بما يخدم مصالحها.

ومن الجدير بالإشارة في هذا الخصوص، أنه رغم التباينات الدينية والمذهبية بين دول القارة وطهران، إلا أنها نجحت بداية في توظيف كثير من أدوات القوة الناعمة للوجود داخل القارة من خلال طرح مبادرات تحمل رسالة خادعة، حيث تحاول إيران تسويق نفسها كدولة مدافعة عن المستضعفين في العالم، ونصيرة للدول التي تقع تحت عقوبات الولايات المتحدة وحلفائها، وكذلك مدافعاً أخلاقياً عن المجتمعات المحاصرة بصفة عامة، وأنها في إطار هذه السياسة تسعى أيضا إلى تحقيق مصالح الدول الأفريقية بصفة خاصة، بعيدا عن استغلال الدول الكبرى لمواردهم على حساب تنمية شعوبهم، وقد عبر عن ذلك وزير الخارجية الإيراني الأسبق منوشهر متقي في وصفه لقمة المنتدى المنعقد عام 2010 السابق الإشارة إليه بأنها: «خطوة مهمة لاستكشاف طرق جديدة لتعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية وأن إيران شريك استراتيجي لأفريقيا».

وقد شملت المبادرات الإيرانية الهادفة إلى بسط هيمنتها على القارة، جوانب فكرية وثقافية من خلال استخدامها لمجموعة من المؤسسات الرسمية والمنظمات الخيرية لتنفيذ أهدافها. وقد أنشأت العديد من الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية الشيعية بهدف خلق أنظمة وهيئات وشخصيات موالية للنظام الإيراني في أفريقيا. كما شملت أيضا جوانب اقتصادية من خلال تقديم حوافز تدعم التبادل التجاري بين إيران وبعض الدول الأفريقية، فضلا عن تقديمها بكثير من المبادرات التكنولوجية التي تمثل دعما للصناعات الوطنية في بعض الدول الأفريقية. وما يلفت الانتباه أن التعاون الاقتصادي لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية المشروعة فحسب، بل كان لطهران دور فاعل في النشاطات الاقتصادية السوداء مثل تبييض الأموال وتهريب وتجارة السلاح والمخدرات، خاصة في مناطق النزاعات والحروب. 

 

الحرس الثوري الإيراني

وإلى جانب الوجود الإيراني الناعم ممثلا في البعدين الثقافي والاقتصادي، ثمة وجود إيراني خشن يتمثل في الوجود العسكري والأمني، من ذلك على سبيل المثال، المشاركة الإيرانية في عمليات منع القرصنة الدولية قبالة السواحل الصومالية، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2012 رست سفينتان حربيتان إيرانيتان في ميناء بورتسودان السوداني. هذا فضلا عن التدريبات الشرطية التي تقدمها طهران كما حدث مع أوغندا من خلال توقيع مذكرة تفاهم مع الشرطة الأوغندية في 14 أكتوبر 2014، خلال زيارة قائد الشرطة الإيرانية الأسبق إسماعيل مقدم، استهدفت هذه المذكرة تعزيز قدرات الأخيرة على مكافحة الجريمة، حيث تم الاتفاق على قيام طهران بتدريب قوات الشرطة وتجهيزها، وبناء مركز طبي بتكلفة 1.5 مليون دولار؛ لتوفير الخدمات الطبية للضباط.

وإذا كان التعاون العسكري والشرطي فيما سبق ذكره مقبولا وفى إطار العلنية، إلا أن هذا لا ينفي أن ثمة أدوارا أمنية خفية تورطت فيها طهران، من ذلك ضلوعها في أعمال إرهابية على غرار ما حدث من أزمة دبلوماسية بين إيران وكينيا في 2012، حينما ألقت السلطات الكينية القبض على اثنين من الإيرانيين في كينيا، لحيازتهما 15 كيلوغراماً من المتفجرات المتطورة، وكان أحمد أبو الفتح محمد، وسيد منصور موسوي يخططان لمهاجمة أهداف كينية وأميركية.

فضلا عما سبق، تمثل صادرات طهران من السلاح والذخيرة وقطع الغيار إلى بعض دول القارة مجالا آخر للقوة الخشنة الإيرانية في القارة، مستغلة حالات النزاعات والصراعات التي تشهدها كثير من دولها، يدلل على ذلك التقرير الميداني الذي نشره «مركز بحوث تسليح الصراعات»تحت عنوان Distribution of Iranian Ammunition in Africaوغطى الفترة من 2006 إلى 2012، حيث أشار إلى وجود نحو 14 حالة، تم العثور فيها على أسلحة إيرانية في مناطق نزاعات داخل القارة السمراء، من بينها 4 حالات فقط مع الحكومات، بينما العشر حالات الأخرى كانت مع جماعات مسلحة غير نظامية مثل حركة كاسامانس الانفصالية في السنغال، والمتمردين في ساحل العاج، وزامبيا، وحركة إبراهيم الزكزاكي في نيجيريا، مما أدى إلى توتر العلاقات بين إيران وبعض الدول الأفريقية.

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إنه إذا كان صحيحا أن الوجود الإيراني داخل القارة الأفريقية وجودا متنوعا سياسيا واقتصاديا ودينيا وعسكريا وأمنيا، إلا أنه من الصحيح أيضا أن هذا الوجود لم يكن على قدم المساواة، إذ أعلت الدبلوماسية الإيرانية في البداية من وجودها الناعم ممثلا في أدواتها الثقافية والاقتصادية، دون أن تغفل وجودها الخشن ممثلا في أدواتها العسكرية والأمنية العلنية، إلا أنه من المهم الأخذ في الحسبان مؤشرين مهمين:

 

وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف خلال مشاركته في منتدى الأعمال الإيراني الجنوب أفريقي الثالث عشر الذي عقد في بريتوريا. حيث دعا في حديثه إلى توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع جنوب أفريقيا

الأول: يتعلق بالرؤية الإيرانية للعمل داخل القارة الأفريقية، إذ إنها لا تختلف كثيرا عن رؤى مختلف الأطراف الإقليمية والدولية الهادفة إلى استغلال قدرات القارة وإمكاناتها لتحقيق مصالحها على حساب شعوب القارة وتنميتهم، بما يعني أن الأدوات التي يتم توظيفها داخل القارة تحمل في طياتها أهدافا خافية ومخاطر مستترة، تفرض على دول القارة التنبه لها ولكيفية مواجهتها.

المؤشر الثاني:يتعلق بالتحول الذي تحدثه طهران في سياستها وأدواتها بين الحين والآخر بما يراعي التغييرات سواء تلك التي تحدث في القارة أو بسبب سياسات الفاعلين الآخرين المنافسين، الأمر الذي يستوجب بدوره من دول القارة قراءة هذه التحولات وتلك التغييرات حتى يتسنى لها التعامل بحرفية مع تهديداتها وتداعياتها على أمنها واستقرارها وتنمية شعوبها.

غاية القول إن ما حدث مؤخرا في أديس أبابا يمثل جرس إنذار للتحول الذي تشهده السياسة الإيرانية تجاه القارة والذي أضاف بعدا جديدا إلى أبعاد ومحاور وجودها، ذلك البعد المتعلق بتأسيس الخلايا النائمة التي توكل إليها مهام إرهابية تهدد أمن الدول الأفريقية واستقرارها، مستفيدة في ذلك من حالات النزاعات والصراعات التي تشهدها دول أفريقية كثيرة، بما يفرض على دول القارة البحث في مقاربات جديدة قادرة على مواجهة ليس التدخلات الإيرانية وسياساتها وإنما التدخلات التي على غرارها كما هو الحال في التدخلات التركية والإسرائيلية التي تستهدف الهيمنة على مقدرات القارة وقدراتها، فخط الدفاع الأول عن أمن القارة واستقرارها هو مسؤولية تتحملها دول القارة الرائدة، ولعل المبادرات المصرية المطروحة في هذا الخصوص سياسيا واقتصاديا وعسكريا تمثل مرتكزات رئيسية لدول القارة في مواجهة حالة التنافس الدولي والإقليمي الرامية إلى السيطرة على شؤون القارة وتوظيفها على حساب شعوبها وحقوقهم السياسية والتنموية.