جرائم الأسد لا تجُبّ سواها

* نعم المجرم الذي أثبتت جميع الأدلة مسؤوليته عن آلاف الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري هو نظام الأسد والأسد شخصياً، ولا بد من العمل على تحويله إلى محكمة الجنايات الدولية

 

كشفت قناة«سي بي إس نيوز»الأميركية، عن تهريب أكثر من 900 ألف وثيقة حكومية خارج سوريا، قامت بأرشفتها لجنة العدل والمساءلة الدولية، تحتوي على أدلة قوية على تورط النظام السوري وعلى رأسه بشار الأسد، في جرائم ضد الشعب السوري.

وقال رئيس مجلس اللجنة والمدعي العام السابق، ستيفن راب، خلال حلقة من برنامج «60 دقيقة»:«إنه لا شك بشأن ارتباط هذه الوثائق ببشار الأسد، هذه وثائق مرتبة وعليها اسمه وقادمة من أعلى إلى أسفل». وأشار البرنامج إلى وجود أدلة على جرائم حرب ضد الأسد، أكثر مما كانت موجودة ضد النازيين.

وتأتي هذه الوثائق لتؤكد المؤكد ولتضاف إلى ما سرب سابقا من أدلة عن ارتكابات نظام الأسد ومنها الصور التي سربها قيصر عن التعذيب في سجون الأسد.

ورغم أهمية هذه الوثائق، إلا أنها لم تأخذ الحيز الأكبر من اهتمام السوريين، وخصوصا المعارضين منهم، الذين انشغلوا بمتابعة محكمة كوبلنز الألمانية والتحقيق في فرنسا مع الناطق الرسمي السابق لـ«جيش الإسلام»مجدي نعمة المعروف بـ«إسلام علوش»، مع الاختلاف الجوهري بين القضيتين.

انقسم السوريون انقساما حادا إزاء موضوع المحاكمات، بين من اعتبرها خطوة على طريق العدالة للسوريين، وخصوصا أن إياد غريب، عنصر في جهاز أمني سوري سابقا، حوكم على جرائم اعترف بارتكابها أثناء خدمته في نظام الأسد وقبيل انشقاقه، أي إن المحاكمة هي على جرائم ارتكبها نظام الأسد، بينما وجد آخرون أن محاكمة غريب، ومحاكمة أنور رسلان المستمرة، هي محاكمة لمنشقين عن نظام الأسد وبالتالي محاكمة للثورة، ولم تنفع كل المحاولات بإقناعهم بالعكس.

أما في موضوع محاكمة مجدي نعمة، فالأمر مختلف، كون الرجل مدعى عليه بسبب انتهاكات وجرائم ارتكبها جيش الإسلام أثناء سيطرته على الغوطة، ومن ضمنها اتهام الجيش باختطاف المناضلة السورية والحقوقية رزان زيتونة ورفاقها، أثناء وجودهم في الغوطة وتوثيقهم للانتهاكات.

زاد من الهوة والانقسام بين السوريين، نشر عائلة مجدي نعمة صورة تظهر تعرضه للضرب وهو موقوف لدى الشرطة الفرنسية، فمنهم من أدان تعرضه للأذى والعنف دون أن يؤثر ذلك على موقفه من موضوع المحاكمة، بينما رأى آخرون وخصوصا من أنصار جيش الإسلام أن في الأمر محاولة تجريم كل من حمل السلاح بوجه الأسد، متجاهلين أن ليس كل من حمل السلاح ارتكب ما ارتكبه جيش الإسلام من انتهاكات.

كشفت هذه الأحداث عن شرخ كبير بين السوريين المعارضين، كما كشفت استسهال كل طرف رمي الآخرين بالاتهامات، دون محاولة لفهم وجهة نظر الآخرين، حتى وجدنا البعض يفاخر باتهام أهالي ضحايا من يحاكمون بالخيانة والاتجار بدماء ضحاياهم، رافضين أن يحاكم أي مرتكب قبل محاكمة رأس النظام.

الأبشع الذي كشفته هذه المحاكمات هو ازدواجية المعايير عند البعض، فالجريمة مدانة وفقا لمن ارتكبها لا لذاتها، والتعاطف مع الضحية مرتبط فقط بموقف الضحية، فإن كان الضحية يشبهنا، فالتعرض له مدان، عدا ذلك فالبعض قادر على إيجاد مبررات لأي انتهاك كان.

كتب أحدهم على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»يتهم رزان زيتونة بأنها من أدعياء الدفاع عن الحرية، رزان التي كانت من أكثر النساء السوريات شجاعة قبل الثورة وبعدها، استسهل أحدهم اتهامها بهكذا اتهام، فقط لأنه من مؤيدي جيش الإسلام. بينما كتب آخر يتهم ياسين حج صالح بأنه يتاجر بقضية المختطفين، وكأن زوجته الناشطة والمعارضة سميرة ليست بينهم، وكأنه لا يحق له المطالبة بالكشف عن مصيرها بعد هذه السنين بل ومحاكمة من تسبب في اختفائها، فقط لأن النظام ليس المتهم الأول في الجريمة.

نعم المجرم الذي أثبتت جميع الأدلة مسؤوليته عن آلاف الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري هو نظام الأسد والأسد شخصياً، ولا بد من العمل من قبل المنظمات الحقوقية والسياسيين وغيرهم على تحويله إلى محكمة الجنايات الدولية، ولكن حتى نصل إلى هناك كيف لنا أن نلوم أهالي الضحايا إن طالبوا بالعدالة لضحاياهم؟

في الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة السورية، آن للسوريين ان يعودوا إلى خطابهم الجامع، فالمشتركات أكثر من الخلافات، والاختلافات ليست فقط حقاً مشروعاً، ولكنها يجب أن تكون مصدر غنى لا انقسام. وكي تنتصر الثورة، لا بد من أن تنتصر أخلاقيا أولا، فبديل الأسد لا يجب أن يكون بأي شكل شبيها له.