هل تقوم القاهرة والخرطوم بإلغاء اتفاقية «إعلان المبادئ»؟

وسط تحذيرات سودانية بتهديد السد لحياة 20 مليون مواطن

* مصر والسودان يعترفان بإنشاء السد ولكنهما لم يعترفا بسعة خزان السد التي تفرضها إثيوبيا كأمر واقع

* على مصر والسودان مواصلة الضغوط الدبلوماسية والدولية لإجبار الجانب الإثيوبي على تغيير مواقفه

* إلغاء إعلان المبادئ لن يضيف أي شيء للموقف الحالي فالموقف الإثيوبي في تجاهل كامل وتام للقانون الدولي

* ليس هناك سوى حلين فقط إما أن يقوم المجتمع الدولي بمسؤوليته في هذه الأزمة وإما أن تلجأ الأطراف المتضررة إلى حلول غير سلمية

* إعلان مبادئ سد النهضة اتفاق إطاري لإثبات حسن النوايا... وإلغاؤه لن يحل القضية بل يعقدها أكثر

* اتفاقية إعلان المبادئ لم يصادق عليها البرلمان حتى الآن وبالتالي يمكن إلغاؤها

القاهرة: أعلنت إثيوبيا مضيّها في بناء سد النهضة، والملء الثاني لخزان السد دون حدوث اتفاق مع السودان ومصر، وأن هذه العملية ليس لها علاقة بالمفاوضات مع الدولتين، ومن حق إثيوبيا بناء السد وفقا لوثيقة إعلان مبادئ سد النهضة التي وقعتها مصر والسودان وإثيوبيا، وفتح ذلك الإعلان باب التساؤلات حول الإجراءات المزمع اتخاذها من الجانبين المصري والسوداني، وسط تأكيدات سودانية أن عملية الملء الثاني لسد النهضة دون اتفاق سوف تسبب أضرارا كبيرة، وخطرا على أكثر من 20 مليون شخص، إضافة لتأثيراتها على السدود السودانية.

وكانت السودان قد اقترحت تطوير آلية مفاوضات سد النهضة عبر تشكيل لجنة رباعية دولية تضم الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأميركية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، على أن لا يقتصر دورهم كمراقبين، بل وسطاء بين الأطراف الثلاثة، وذلك في محاولة لممارسة الضغط على الجانب الإثيوبي الذي لا يزال يتبع طريق المماطلة، والتعنت، وهو ما دفع الخارجية المصرية لإطلاع سفراء الدول العربية، والأوروبية في القاهرة على المستجدات ذات الصلة بملف سد النهضة ، وإحاطتهم بالرؤية المصرية بشأن مستقبل المفاوضات.

رئيس المجلس السيادي في السودان، الفريق عبد الفتاح البرهان في لقاء مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة أكتوبر 2020 (وكالة الأنباء السودانية)

غموض في الموقف وعدم وضوح للرؤية

القضية تطرح سؤالا مهما يتعلق باحتمالية إقدام مصر والسودان على إلغاء اتفاقية مبادئ سد النهضة الموقعة في العام 2015، فإعلان المبادئ يقول إن إثيوبيا ملتزمة بضرورة الاتفاق مع مصر والسودان بخصوص قواعد الملء والتشغيل لسد النهضة، وإلغاؤه، حسب وزير الري والموارد المصري السابق، الدكتور محمد نصر علام، لا مكسب منه، و«هنالك فارق بين الاتفاقية الإطارية التي نرفضها نحن وعدد من دول حوض النيل، وهي اتفاقية غير معترف بها حتى من الاتحاد الأفريقي وليس لها وجود، أما إعلان المبادئ فهو إعلان موقع بين مصر والسودان وإثيوبيا، وهناك من يتاجر بأن اتفاقية إعلان المبادئ هي اعتراف بأحقية إثيوبيا في إنشاء السد وأنه يجب إلغاء هذه الاتفاقية ونحن لسنا الآن بصدد الحديث عن ذلك»، ولكن خلاصة القول إن مصر والسودان يعترفان بإنشاء السد، ولكنهما لم يعترفا بسعة خزان السد التي ترغب إثيوبيا في فرضها كأمر واقع، وهناك اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا على مبدأ عدم إضرار إثيوبيا بالمصالح المائية لمصر والسودان، إضافة إلى أن إثيوبيا سوف تقدم لمصر والسودان عن طريق مكتب استشاري قواعد تشغيل وملء سد النهضة متفق عليها بين الدول الثلاث قبل التشغيل وقبل بدء الملء، وهذا متضمن في إعلان المبادئ فلماذا الإلغاء؟

وبالفعل تم بناء السد، وعندما تقوم كل من مصر والسودان بالشكوى لمجلس الأمن ويطرحان عليه مخاطر الخطوة الإثيوبية في إتمام الملء الثاني دون اتفاق سيكون ذلك من وسائل الضغط المتاحة والمتعددة، ولكن سحب الاتفاقية ليست فيه فائدة، وحتى إذا تم سحب الاتفاق، وإيداع قضية لدى محكمة العدل الدولية، والحصول على حكم لصالحنا فمن يستطيع تنفيذه؟ هناك غموض في الموقف وعدم وضوح في الرؤية، ويجب وضع إجابات لعدة أسئلة منها على سبيل المثال: «هل سيتم رفع شكوى لمجلس الأمن أم لا؟ أو هل يستطيع الاتحاد الأفريقي الوصول بالأطراف الثلاثة إلى حل عادل يرضي جميع الأطراف؟ أو هل سيرسل اعتذارا لمجلس الأمن عن عدم مقدرته على الوصول إلى حل للأزمة؟».فإن كان الاتحاد الأفريقي يستطيع الوصول بالأطراف إلى حلول، فعليه القيام بالدعوة لبدء الاجتماعات بشكل فوري، ولا بد أن تقوم الخارجية المصرية والسودانية بشرح وافٍ والإجابة على هذه التساؤلات.

وإن كانت وزارة الري والموارد المائية المصرية قد سلمت بعدم أحقيتها في إصدار تصريحات حول ما يتعلق بأزمة سد النهضة، أو إمكانية التخارج من اتفاقية المبادئ، حسبما أكد المتحدث الرسمي للوزارة محمد غانم، بحجة أن الملف أصبح بالكامل يقع على عاتق وزارة الخارجية، إلا أن وزارة الري لا تزال مسؤولة عن تبديد المخاوف بنقص حصة المياه المصرية التي تقدر بنحو 55.5 مليار متر مكعب سنويا، والتي قد تؤدي إلى خسارة الزراعة المصرية لملايين الأفدنة نتيجة البوار الذي قد يلحقها نتيجة نقص حصة المياه حال إقدام الجانب الإثيوبي على التخزين الثاني دون اتفاق.

 

تواصل الضغوط الدبلوماسية والدولية

تواصل التعنت الإثيوبي هو ما يدفع كلا الطرفين (مصر والسودان) لتكثيف العمل، وعلى مصر والسودان مواصلة الضغوط الدبلوماسية والدولية، لإجبار الجانب الإثيوبي على تغيير مواقفه المتعنته، وذلك بحسبوزير الخارجية المصري السابق السفير محمد العرابي، ويجب التنسيق فيما بين مصر والسودان للوصول إلى اتفاق ملزم مع الجانب الإثيوبي وعلى الدولتين تطبيق الرؤية السودانية التي ترمي إلى إدخال الرباعية الدولية (الاتحاد الأوروبي ، والأمم المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأفريقي) للدخول إلى المفاوضات كوسيط، وليس بصفة مراقب، لأنه لا سبيل آخر أمامهما سوى السير في المسار السياسي والدبلوماسي بعيدا عن أية حلول أخرى.

 

أوراق ووسائل ضغط

وبحسب مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور هاني رسلان، فإن الموقف الإثيوبي فيه تجاهل كامل وتام للقانون الدولي، حيث تجاهلوا مبدأ الإخطار المسبق، والآن يتجاهلون مبدأ إلحاق الضرر، كما تجاهلوا أساسيات إنشاء أي منشأة على مجاري الأنهار حيث إنه لا بد من إجراء دراسات بيئية، ودراسات عن الأثر البيئي، والاجتماعي، وموافقة الدول التي ستتاثر بإنشاء هذه المنشأة، وهم يتجاهلون كل ذلك، وإلغاء اتفاقية المبادئ، قد يؤدي من وجهة نظر البعض إلى أن يكون السد فاقدا للمشروعية، ووسيلة إثبات ذلك سوف تقتضي سنوات، ولن تؤثر هذه الخطوة في الواقع، حيث إن السد قد تم إنشاؤه، ولو افترضنا أن كلا من مصر والسودان قامتا بإلغاء اتفاقية المبادئ، وتقديم شكوى لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتم تحويل القضية إلى محكمة العدل الدولية، وأصدرت قرارا بإدانة إثيوبيا؟ فماذا تفعل الدولتان؟ ومن الذي سوف ينفذ القرار؟

طرح فكرة إلغاء الاتفاق هو أمر غير مرحب به وغير وارد ولن تؤدي مثل هذه الخطوة إلى أية حلول، وليست هناك حلول لهذه القضية سوى حلين فقط، وهما، إما أن يقوم المجتمع الدولي بمسؤوليته وواجبه والتدخل في هذه الأزمة ومحاولة الوصول إلى تسوية متوازنة، أو أن تقوم الأطراف المتضررة باللجوء إلى حلول غير سلمية.

ومصر والسودان لم يتطرقا إطلاقا لمثل هذا الحل غير السلمي، فالسودان دائما يتحدث عن أن لديه وسائل وردودا سياسية ودبلوماسية أخرى، وكذلك مصر لا تتحدث عن حلول عسكرية إطلاقا، ويكون بذلك الحل الوحيد المتبقي هو التسوية السياسية التي قد تتم عبر مشاركة المجتمع الدولي.

وزير الخارجية المصري سامح شكري، ووزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، خلال مؤتمر صحافي مشترك تناولا فيه قضية سد النهضة مطلع مارس 2021 (غيتي)

 الإبقاء على الاتفاق أفضل من إلغائه

إعلان مبادئ سد النهضة هو اتفاق إطاري لإثبات حسن النوايا، وهو حجة الآن على إثيوبيا لأنها خالفت البند الخامس بالتخزين دون توافق، وإلغاؤه بمثابة تأكيد للجانب الإثيوبي بأن طريق المفاوضات انتهى تماما، فليس ممكنا إلغاء الاتفاق، مع استكمال المفاوضات، وهو أيضا بمثابة قطع لخطوط التواصل، ويصبح الطريق الوحيد المتاح أمام مصر والسودان هو فقط اللجوء إلى مجلس الأمن، وإعلان المبادئ هو في الحقيقة اتفاق إطاري عام، وليس من ضمن بنوده ما يلزم مصر، أو إثيوبيا، أو السودان بأية التزامات، وذلك حسب تأكيدات رئيس قسم الموارد الطبيعية بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة الدكتور عباس الشراقي.

كما أكد وجود عشرة بنود في اتفاق المبادئ وقعت عليها مصر لإثبات حسن النوايا، وقامت إثيوبيا بخرق هذه البنود، ومع ذلك ليس هنالك سبب قانوني للجوء لمحكمة العدل الدولية لأن هذا الاتفاق هو «إعلان مبادئ»، وكان من المفترض أن يعقب هذا الإعلان اتفاقيات تنفيذية، فمثلا البند الخامس الخاص بالتعاون في الملء الأول والتعاون في إدارة السد، يجب أن يتبعه اتفاق آخر: «كيف يتم التعاون؟».

البعض يتهم هذا الإعلان بأنه كان سببا في إنشاء سد النهضة، وهذا غير صحيح لأن إعلان المبادئ تم توقيعه في العام 2015، فيما تم البدء في إنشاء سد النهضة منذ العام 2011، وعندما تم توقيع إعلان المبادئ كانت هناك أزمات في المفاوضات، وكان بناء السد مستمرا، فليس هناك علاقة بين توقيعه وإنشاء السد.

الدكتور عباس الشراقي يذكر اتفاقيات تم توقيعها سابقاً مع الجانب الإثيوبي وقامت إثيوبيا بخرقها كاتفاقية العام 1902، وهي ضمن الاتفاقيات التاريخية والتي لا تزال سارية بدليل أن إثيوبيا كانت في الفترة السابقة تقول إن هذه الاتفاقية كانت في عهد الاستعمار، وهذا غير صحيح لأن اتفاقية 1902 وقعت وإثيوبيا ليست تحت الاحتلال لأنها هي ونيجيريا من الدول التي ليس للاستعمار فيها نصيب، وإثيوبيا تستند الآن إلى اتفاقية 1902 في خلافها الحدودي مع السودان، لأن جزءا من هذه الاتفاقية مائي، وجزءا منها حدودي، وهي في الشق المائي تقول إنها وقعت إبان فترات الاستعمار، وفي الجزء الحدودي تقول إنها سارية، وهذا غير منطقي وغير مقبول، وحق مصر واضح من الناحية القانونية، والنقطة الأخرى وهي تضرر السودان من الملء الثاني دون اتفاق مما يهدد حياة 20 مليون شخص.

 

إلغاء الاتفاق في وقت مبكر

الأضرار التي وقعت على عاتق السودان ومصر من الملء الأول بإرادة إثيوبية منفردة، خلف أضرارا سياسية وانتهاكا صارخا لحقوق دولتي المصب مصر والسودان، ولكنها لا ترقى بأي حال للأضرار التي قد يسببها الملء الثاني لخزان السد والذي قد يتجاوز 18 مليار متر مكعب، ما قد يسبب كارثة حقيقية لدولتي المصب، وحسب العضو السابق بلجنة مفاوضات سد النهضة عن الجانب السوداني، الدكتور أحمد المفتي، فإن طرح التساؤلات حاليا حول إمكانية إلغاء مصر والسودان لاتفاقية مبادئ سد النهضة كأحد الإجراءات الضاغطة على الجانب الإثيوبي، كان من المفترض القيام بها في وقت مبكر جدا منذ نشوء الأزمة، مع تقديم طلب لمجلس الأمن الدولي بضرورة وقف إثيوبيا لجميع أنشطتها في إنشاء سد النهضة إلى حين التوصل إلى اتفاق ملزم من خلال مفاوضات تجرى بإشراف الأمم المتحدة.