جنون الدولار يشعل المواد الغذائية... واللبنانيون منهكون وبانتظار الأسوأ!

أسعار المواد الغذائية بدأت منذ أسبوعين بالارتفاع من جديد لتتخطى الضعف

* «معارك» بسبب عبوة حليب وزيت مدعوم والليرة في مهب الريح!

* رئيس «جمعية حماية المستهلك» لـ«المجلة»: مشاهد الذل في السوبر ماركات، هي الصورة الحقيقية للبنان اليوم وإخفاؤها ليس حلا

* الحكومة والمصارف متواطئة مع التجار

 

بيروت: بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مضاعف، خلال العام الماضي، بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار في لبنان، بدأت أسعارها منذ أسبوعين بالارتفاع من جديد، لتتخطى الضعف أيضا بعد أن تخطى الدولار الواحد عتبة 10 آلاف ليرة، وقد سجّل في الأيام الماضية تهافت المواطنين على المخازن الغذائية وتدافعا بينهم لمطاردة علبة حليب أو زيت طعام، ومواد أخرى مدعومة، في مشهد لم يألفه اللبنانيون الذين كانوا يتباهون بالرخاء وبلقب سويسرا الشرق، وهو مشهد لم يحصل حتى في عزّ الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي عام 1982.

وقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بصور وفيديوهات وقصص أقل ما يمكن وصفها بـ«الموجعة» بكافة المقاييس، إذ تعكس كيف تحوّلت عملية تأمين الحاجات الأساسية، إلى ما يشبه الصراع على البقاء، حيث وثقت كاميرات المواطنين «معارك» مختلفة في متاجر كبرى على امتداد الوطن، تظهر ما بات اللبناني مستعداً لفعله من أجل الحصول على غذائه اليومي له ولعائلته، ويمكن أن نتخيل ما سوف يكون في المستقبل، حين يجد المواطنون أنفسهم في وضع يستميتون فيه للبحث عن طوق نجاة.

ومع تواصل التحركات الاحتجاجية في الشارع في ظل الانهيار التاريخي للعملة الوطنية مع بلوغها عتبة الـ10400 ليرة للدولار الواحد، يوم السبت، تتواصل معها مظاهر الفقر والجوع التي تتنقل من متجر إلى آخر، في ظل غياب أي خطة لترشيد الدعم وحماية العائلات المحتاجة. فيما تستمر أيضا السجالات والمماحكات السياسية التي تمنع تشكيل حكومة جديدة، بدلاً من أن يبادر المعنيون إلى تذليل العقبات أمام تشكيلها من أجل النهوض بالاقتصاد وإجراء الإصلاحات اللازمة قبل فوات الأمان.

ويرى مراقبون أن «سبب تهافت المواطنين على تخزين المواد الغذائية يعود إلى سياسة الدعم الفاشلة التي وضعها المسؤولون، والتي لم تقتصر نتائجها على التهريب والتخزين واستغلال التجار فقط، بل تسببت بحالة الفوضى والذل التي يشهدها لبنان».

 

مشكلة في سياسة الدعم

 

تخصّص الحكومة اللبنانية دعما ماليا لسلة غذائية من المواد الأساسية كالزيت وحليب الأطفال والسكر والطحين والأجبان والألبان وغيرها من السلع، لتمكين المواطنين من الحصول عليها بسعر منخفض نسبياً عن أسعار السوق التي ارتفعت بشكل كبير مع الانهيار الكارثي لليرة اللبنانية، حيث بات الحد الأدنى للأجور يبلغ 68 دولارا بحسب سعر صرف السوق السوداء.

إلا أن هذه السياسة أدت إلى حصول العديد من المشاكل في عدالة توزيع المواد، وانعكست فوضى في الأسواق ومحلات السوبر ماركت وسهولة الاحتكار والتهريب.

وبعد مشاهد الإذلال والفوضى والاحتكار، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة بياناً، حذرت فيه كافة المحترفين العاملين في نطاق البيع بالتجزئة من اللجوء إلى «اتخاذ أية إجراءات غير قانونية تضر بمصالح المستهلكين، مؤكدة أن فرق مديرية حماية المستهلك والمصالح الإقليمية تقوم بجولات يومية على مختلف نقاط البيع وسيتم تسطير محاضر ضبط بالمخالفين وتحويلها إلى القضاء المختص وفق الأصول القانونية المرعية الإجراء».

في هذا السياق، أكّد رئيس جمعية حماية المستهلك في لبنان، زهير برو، لمجلة «المجلة» أن مشاهد الذل في محلات السوبر ماركت، هي الصورة الحقيقية للبنان اليوم، وأن إخفاءها ليس حلا، مشيرا إلى أن «اللبنانيين يهربون من حقيقة واقعهم».

كما رأى أن هذا مؤشر إلى ما ينتظر اللبنانيين في المرحلة المقبلة من ذل ومهانة، ولكن الرهان أن تكون هذه المرحلة بداية وعي واستفاقة للشعب من سباته».

ولفت برو إلى أنه «مضى ما يقرب من 15 شهرا على الأزمة والطبقة الحاكمة غائبة عن السمع، فاسحة المجال للمصارف والتجار لنهب البلاد».

وأشار إلى أن ارتفاع الطلب على الدولار من قبل المصارف في الأسبوعين المنصرمين، أدى إلى ارتفاع الدولار وبالتالي كسر الحاجز النفسي لدى المواطنين لا سيما أن سعر الصرف تجاوز العشرة آلاف ليرة للدولار الواحد، وبالتالي أصبح بتقدير المواطنين أن الدولار قادر بسهولة على أن يصل إلى العشرين ألف ليرة.

وتابع: «المواطنون اليوم مرعوبون مما ستحمله الأيام القادمة، خاصة أن مدخراتهم بدأت تختفي تدريجيا، وبالتالي هذا الرعب بدأ يترجم بحدّة من خلال ردود فعل المواطنين عبر التهافت  لشراء المواد المدعومة خوفا من الغلاء في الأيام القادمة».

 

رئيس جمعية حماية المستهلك في لبنان، زهير برو

 

ارتفاع الأسعار 450 في المائة

وعن ارتفاع الأسعار، قال برو إن «ارتفاع الأسعار لا حدود له مع ارتفاع الدولار، ودون حل سياسي ومالي متكامل فإن البلاد مفتوحة على هاوية بلا قعر، مشيرا إلى أن أسعار السلع حاليا لم تصل بعد إلى مستوى الدولار أي ما يقارب 10400 ليرة، فلا زالت في منتصف الطريق بين السعر القديم والجديد، لافتا إلى أن ارتفاع الأسعار اليوم هو في حدود 450 في المائة ولم يصل بعد إلى 650 في المائة».

 

الاحتكار وجشع التجار

وعن الاحتكار والفوضى في محلات السوبر ماركت، قال رئيس جمعية حماية المستهلك، لـ«المجلة»: «توقفنا عن مناقشة هذا الأمر». وتابع: «أي نقاش يعني أننا ما زلنا متوهمين أن التجار يمكن أن يرحموا الناس، فيما همّهم الوحيد النهب وتحقيق الأرباح على حساب المواطنين».

إلى ذلك، شدّد برو أن ثمة تواطؤا بين الحكومة اللبنانية والمصارف والتجار الكبار، عبر إعطائهم 8 مليارات دولار من أموال المودعين تحت ذريعة دعم السلة الغذائية التي كانت في الحقيقة لمصلحة التجار ولم يستفد منها المواطن».

وأكد برو أنه «لا يمكن مطالبة هذه الحكومة بمحاسبة التجار وملاحقتهم، لأنها متواطئة معهم، وعلى القضاء التحرك عبر استدعاء وزير الاقتصاد وجميع الوزراء المعنيين بملف الدعم للتحقيق وكشف أين ذهبت الـ8 مليارات دولار، إلا أن القضاء لم يتحرك حتى الآن، مؤكدا أن جميعهم خدم عند المصارف وكبار التجار في حين أن الواقع أن معظم التجار والمصارف هم من الطبقة السياسية أو من عائلاتهم».