«الرصاص الطائش» يقتل الفلسطينيين في إسرائيل

420 ألف قطعة سلاح بيد فلسطينيي 48

توفيق زهر، فنان نصراوي ذهب كعادته في ساعات الظهر لاصطحاب حفيدته من الحضانة وهو عائد أدراجه إلى بيته في الشارع الرئيسي، يمسك بيد حفيدته، تم إطلاق رصاص باتجاه مخبز كان في جانبه، فرمى بنفسه على جسد حفيدته لحمايتها فأصابته رصاصة كانت تستهدف شابا في المكان وأردته قتيلا.

أحمد حجازي طالب تمريض كان يراجع مادة اختباره مع زميل له في بيته، سمع ضجيجا في الخارج، فخرج ليعرف ما يحدث وإذا برصاصة تصيبه وترديه قتيلا.

أحمد ومحمود ووالداهما كانوا مع بقية أفراد العائلة نياما في بيتهم. اقتحم مجهول البيت بصمت، وقتل الثلاثة واحدا بعد الآخر بإطلاق الرصاص... وقتلهم.

الجرائم مستمرة والخوف ينتاب كل شخص من أن يكون القادم في الدور عبر رصاصة طائشة بعد أن بات السلاح غير المرخص منتشراً بشكل كبير ومخيف.

أكثر من 420 ألف قطعة سلاح غير مرخص، حتى نهاية شهر يناير (كانون الثاني) من هذه السنة، منتشرة في مختلف بلدات فلسطينيي 48، ليصبح بيت من بين كل خمسة بيوت فيه قطعة سلاح.

 80 في المائة من الأسلحة غير المرخصة استولى عليها أفراد عصابات الجريمة من الجيش الإسرائيلي... والمجتمع الفلسطيني يخوض معركة بقاء من نوع آخر

وما هو غير موجود في أي منطقة في العالم، يشكل الجيش الإسرائيلي المصدر الأساسي والمركزي لهذه الأسلحة، حيث إن ثمانين في المائة منها استولى عليها أفراد عصابات الجريمة من الجيش. وفيما يدرج حصول هذه الأسلحة تحت عنوان «سرقة معسكرات الجيش».

وبينما كان المجتمع العربي في إسرائيل في ذروة مظاهراته واحتجاجاته ونشاطه لوضع حد لهذه الظاهرة، ومطالبة الجيش والشرطة بالكشف عن الجناة تمت سرقة 93 ألف قنبلة من قاعدة «تسئليم» للتدريب العسكري، جنوبي إسرائيل.

طفل فلسطيني يحمل صورة الفنان توفيق زاهر

وكان ذلك مطلع الشهر الماضي، والمعروف أن هذا المعسكر واحد من أكثر المعسكرات أمنا وحراسة، حيث إنه محاط بسياج ضخم وعليه مختلف أنواع أجهزة المراقبة الحديثة إلى جانب قوات عسكرية تحيط به من كل الجهات.

انتشار الأسلحة غير المرخصة تهدد حياة المواطنين في إسرائيل... وبيت من كل خمسة بيوت فلسطينيي 48 فيه قطعة سلاح غير مرخصة

وحتى اليوم لم يُكشف عن كيفية تنفيذ مثل هذه السرقة، وتنتشر ادعاءات بأن عناصر من الجيش تعاونت مع السارقين وسهّلت لهم عملية السرقة.

ووفق ما تبين، فقد تسلل مجهولون إلى مستودع ذخيرة في القاعدة، وحصلوا على أكثر من 93 ألف طلقة عيار 5.56 ملليمتر. ووضعوها بسرعة فائقة داخل سيارة شحن، ثم غادرت الشاحنة المعسكر من دون أية عقبة أو مشكلة.

وبحسب مسؤول عسكري فإن منفذي العملية كانوا على علم مسبق بالإجراءات الأمنية المعمول بها في المعسكر واستغلوا عدة ثغرات أمنية في نظام الحماية لاقتحام مخزن الذخيرة التابع للقوات البرية. لكن مسؤولا آخر اعترف بأن منفذي العملية تلقوا مساعدة من داخل المعسكر.

وتشير تقديرات «وحدة التقنية والإمدادات» في الجيش أن قيمة الأسلحة والعتاد والآليات التي تسرق سنويا من معسكرات وقواعد الجيش تتجاوز 15 مليون دولار. ويتراوح سعر القطعة الواحدة من السلاح أو المتفجرات والعبوات الناسفة ما بين خمسة إلى عشرة آلاف دولار.

رئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي، اكتفى بالإعلان أن الجيش يحقق في عملية «تسئليم»، وحتى اليوم لم يتم اعتقال أي شخص، وكغيرها من عمليات سرقة سابقة، نفذت في هذا المعسكر وغيره من معسكرات الجيش المنتشرة من شمال إسرائيل وحتى جنوبها، لم يعتقل أي شخص.

قبل هذه العملية، نفذت عملية أخرى حصل اللصوص خلالها على كمية من بندقية «إم -16»، لتتحول هذه الأداة العسكرية الخطيرة إلى واحدة من أبرز معدات القتل في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل.

الشاب أحمد حجازي

جرائم القتل بين فلسطينيي 48

لقد أدى مقتل الشاب حجازي، نهاية الشهر الماضي، إلى اتساع عمليات الاحتجاج في مختلف البلدات العربية وأطلقت هناك صرخة مدوية، واتهم المتظاهرون الشرطة بالتخاذل وغض النظر عن جرائم القتل بين فلسطينيي 48 كما نشطت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية ولجنة رؤساء البلدات العربية إلى جانب المؤسسات الاجتماعية الناشطة في مجال «العنف الاجتماعي»، في بلورة خطة وبرامج لمواجهة هذه الظاهرة القاتلة، التي دفعت بهذه الشريحة الفلسطينية، إلى معركة بقاء من نوع آخر تهدف إلى منع قتل خيرة شبابها وشاباتها.

كان البارز في هذه الأعمال الاحتجاجية، التي شملت أيضا إغلاق شوارع مركزية شلّت حركة السير في إسرائيل، الانتشار الواسع للشرطة، وخلافا لتعاملها مع متظاهرين من الوسط اليهودي حاولت تفريق المظاهرات بمختلف الوسائل.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تصمت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وكذلك السياسية، على ظاهرة انتشار الأسلحة غير المرخصة، دون أن تتخذ الحد الأدنى لمنعها بمصادرة الأسلحة واعتقال المجرمين وفرض أحكام قاسية عليهم؟

تشير المعطيات إلى أن معظم جرائم القتل ما زالت من دون اعتقال منفذيها، فيما المجرمون يتجولون بحرية مطلقة إلى حد بات يخشى الوالدان من خروج أبنائهما إلى الشوارع، خوفا من قتلهم برصاصة طائشة.

أكثر من 420 الف قطعة سلاح منتشرة بين هذه الشريحة الفلسطينية ليتربع على رأس قائمة دول الشرق الأوسط من حيث النسبة في حيازة الأسلحة

وحول التعامل مع الوسطين اليهودي والعربي تقول الأخصائية النفسية، وإحدى المبادرات في مجموعة «نساء ضد السلاح»، نبيلة اسبنيولي في حديث مع «المجلة»: «أظهرات الدراسات التي أجريناها أنه عندما قررت إسرائيل تجفيف مصادر الأسلحة في الجريمة المنظمة في نتانيا واللد نجحت، بينما في المجتمع العربي لا تدخل إلا إذا كانت الضحية من الوسط اليهودي، ففي هذه الحالة يكون تعامل الشرطة جديا، لذلك هناك حاجة للتعامل من قبل الشرطة بالشكل المطلوب ولكن هناك حاجة، أيضا، لسياسة حكومية تمنع انتشار الأسلحة غير المرخصة. سياسة تجفف مصادر الأسلحة وتتعامل بشكل جدي مع السرقات والتجارة بالأسلحة في السوق السوداء واجتتاث أسس الجريمة». وأمام الوضع القائم، لا بد وأن المجتمع والعائلة والأفراد يتحملون أيضا المسؤولية، وحول هذا تقول اسبنيولي: «كمجتمع نأخذ مسؤولية ونمنع التعامل مع الجريمة المنظمة، هناك كثير من القضايا التي يتوجب علينا التعامل معها بما في ذلك التعامل مع السوق السوداء والمنطقة الرمادية مثل تبييض الأموال والمصارف المختلفة التي باتت وسيلة لهذه الظاهرة.

- ولماذا تتعامل المؤسستان الأمنية والسياسية بغض الطرف، والتساهل في مواجهة هذه الظاهرة القاتلة في المجتمع؟

- الجيش هو جزء من المجتمع داخل إسرائيل، الذي لا يخلو من المظاهر الإشكالية وهذه تنتقل إلى الجيش وبالتالي نراهم في الجيش يتعاملون مع عالم الإجرام والتهريب. للأسف لأن هناك عسكرة في المجتمع الإسرائيلي الذي لا يرى الإشكاليات ويتعامل مع معظم القضايا بذهنية عسكرية وحتى في كورونا رأينا التعامل بفكر عسكري في الموضوع؛ فالتغلغل العسكري في المجتمع السياسي في إسرائيل وبالتالي التهاون في التعامل مع قضايا تسريب الأسلحة لعالم الإجرام.

وتضيف إسبنيولي: «كمجتمع يعاني من التفكك في الهوية، وفي الانتماء، والتفكك السياسي بعدم فهم الإشكاليات بكوننا أقلية عربية. وفي ظل هذا الواقع السياسي نحن كمجتمع فلسطيني كلما التفتنا إلى قضايانا واهتممنا بقضايانا نكون أكثر حصانة».

مظاهرة ضد ظاهرة انتشار السلاح في بلدات فلسطينيي 48 في فبراير 2021

96 قتيلا عام 2020 و15 قتيلا خلال الشهر الماضي

 تشير المعطيات إلى مقتل 96 من الرجال والنساء الفلسطينيين عام 2020 حتى نهاية شهر يناير (كانون الثاني)، راح ضحية جرائم القتل بالأسلحة غير المرخصة 15 شخصا. وهذا يضع المجتمع الفلسطيني في إسرائيل في المرتبة الأولى من حيث معدل أعمال القتل وحيازة الأسلحة في الشرق الأوسط.

رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، نجح في تجنيد رئيس القائمة العربية الموحدة، (الحركة الإسلامية) وهي فرع من فروع الإخوان المسلمين، منصور عباس، إلى جانبه ودعمه بعد وعوده الكثيرة له، وبينها خطة لمواجهة الجريمة في الوسط العربي.

نتنياهو لم يفعل شيئا وكانت النتيجة تفكيك القائمة المشتركة في الانتخابات التي تضم الأحزاب العربية الوطنية بعد انسحاب الحركة الإسلامية لالتزامها بدعم نتنياهو مقابل وعوده، التي لم ينفذ منها شيئا.

صحيفة «هآرتس» خصصت افتتاحيتها لهذا الموضوع، وكتبت تقول: «نتنياهو هو أول المهملين. وحتى جولة الانتخابات الحالية، تعاطت الحكومات برئاسته مع السكان العرب كتهديد ديموغرافي، (دولة داخل دولة)، ومع حقهم في الانتخاب كتهديد ديمقراطي، ومع ممثليهم في الكنيست كطابور خامس».

قتيل كل يومين منذ بداية العام الجاري... ومعظم الضحايا لا علاقة لهم بعالم الجريمة

 المشاركون في المسيرة الاحتجاجية اتهموا السلطات الإسرائيلية بالتقاعس عن مواجهة آفة العنف في الداخل الفلسطيني

لا شك أن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني في إسرائيل يجذب الشباب إلى الجريمة، وهذا ما تبين في أكثر من بحث. ومع انتشار وباء كورونا وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل تزايد انجراف الشباب إلى الجريمة، حيث يتلقى الشاب مبلغا من المال مقابل إطلاق النار على هدف يحدده له كبار عالم الإجرام.

وبحسب المكتب المركزي للإحصاء يتبين أن 30 في المائة من بين 250 ألف شاب عربي وفتاة عربية في أعمار 18-24 يعتبرون غير مندمجين في أطر تعليمية وتشغيلية وتدريبية. الثلثان منهم من الشباب. وفي المجتمع اليهودي 13 في المائة من الشباب في هذه الأعمار من دون عمل أو أطر تعليمية وتوزيع جندري متساوٍ.

وفي هذا الجانب تقول إسبنيولي: «داخل مجتمعنا إشكاليات كثيرة في قضية التربية. أبناؤنا يعيشون في عوالم مختلفة. العالم الافتراضي فيه مساحات ومجالات كبيرة من معلومات ملائمة وغير ملائمة ولدينا عائلة سلطوية لا تتعامل بديمقراطية مع أطفالها وأبنائها وبالتالي هناك تخبطات بين الشباب والشابات وعندما تكون المدرسة غير معدة لتطوير المهارات الحياتية وتعزيز الهوية لشبابنا وشاباتنا يتسرب الكثير منهم من المدرسة وبالتالي يصبحون لقمة سائغة لعصابات الإجرام وعليه نرى الشباب، الذين يتم القبض عليهم من الجيل الصغير وهؤلاء يحصلون على نقود مقابل تنفيذ عملية إطلاق نار والأشخاص الذين يقومون بتوجيههم يبقون محميين، على الرغم من أنهم معروفون للسلطة ولكن لا تؤخذ ضدهم خطوات حقيقية، وعمليا يعيش القتلة داخل مجتمعنا، وطبيعي أن هناك حاجة لمجتمعنا بأن يتحمل مسؤولية أبنائه وقضاياه».