عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني انطلقت

قيادات رئيسية تتحدث لـ«المجلة» عن آلية التنفيذ

شهد القطاع المصرفي اللبناني ظروفا تشغيلية صعبة منذ الفصل الأخير من العام 2019، تكبد فيها القطاع خسائر بقيمة 2.9 مليار دولار في العام 2020، بعدما انكمشت الودائع المصرفية بمقدار 35 مليار دولار خلال العامين 2019 و2020 (بتراجع قيمته 15 مليار دولار في العام 2019، وتراجع قيمته 20 ملياراً في العام 2020)، ليبلغ إجمالي الودائع المصرفية في لبنان 139 مليار دولار في نهاية 2020، تستحوذ فيها الودائع بالعملات الأجنبية على ما نسبته 80 في المائة (أو 112 مليار دولار).

وبعد الإجراءات الصارمة التي انتهجتها المصارف تدريجيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2019 لناحية تطبيق القيود على المودعين وتنظيم عملية السحوبات وخروج الرساميل على نحو لا يستنفد ما تبقّى من سيولة في القطاع، كثرت تساؤلات اللبنانيين حول مصير ودائعهم في المصارف، من هنا جاء التعميم 154 الذي فرض على المصارف زيادة رأس المال بنسبة 20 في المائة وتكوين 3 في المائة بالعملة الأجنبية للمصارف المراسلة، وحدد نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي مهلة لتنفيذ بنود هذا التعميم.

ورغم انتهاء المهلة المحددة لم تتضح صورة الهيكلة الجديدة للمصارف لأن لجنة الرقابة على المصارف منكبة حالياً على دراسة الملفات الشائكة للمصارف من أجل رفعها إلى الهيئة العليا للمصرف المركزي لاتخاذ القرار النهائي. مع الإشارة إلى أن ما يوازي 75 في المائة من ودائع القطاع المصرفي بالعملات الأجنبية موظفة لدى القطاع العام، وهي موزعة بين سندات يوروبوندز بقيمة 9 مليارات دولار وودائع لدى مصرف لبنان (بمثابة شخص معنوي معني بالقطاع العام) بقيمة 75 مليار دولار، وتاليا تقع على عاتق الدولة اللبنانية المسؤولية الأبرز لناحية ضرورة الإيفاء بالتزاماتها وتعهداتها تجاه الدائنين، بما من شأنه أن يعزز وضعية السيولة لدى المصارف مع قيام الدولة بسداد جزء من السيولة المستحقة للمصارف، وتاليا تعزيز قدرة الأخيرة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المودعين.

بعد الإجراءات الصارمة التي انتهجتها المصارف تدريجياً، كثرت تساؤلات اللبنانيين حول مصير ودائعهم في المصارف

من هنا جاء التعميم 154 الذي فرض على المصارف تعزيز الرساميل بنسبة 20 في المائة وتكوين سيولة في حسابات خارجية لدى المصارف المراسلة بنسبة 3 في المائة من الودائع بالعملات الأجنبية. وحدد نهاية شهر فبراير الماضي لتنفيذ بنود هذا التعميم. ورغم انتهاء المهلة المحددة لم تتضح صورة الهيكلة الجديدة للمصارف لأن لجنة الرقابة على المصارف منكبة حالياً على دراسة الملفات الشائكة للمصارف من أجل رفعها إلى الهيئة العليا للمصرف المركزي لاتخاذ القرار النهائي.

«المجلة» استضافت قيادات سابقة في مصرف لبنان، وهم نائب الحاكم السابق الدكتور محمد البعاصيري، والرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود، للاطلاع منهما على الآلية التي ستتخذ لإعادة هيكلة القطاع المصرفي ولمعرفة نظرتهم للقطاع بعد الانتهاء من عملية التدقيق في ملفاتم وما هي الفترة الزمنية التي ستحتاحها المصارف لاستعادة الثقة وهل سيحصل المودعون على أموالهم؟

نائب الحاكم السابق الدكتور محمد البعاصيري

البعاصيري أكد لـ«المجلة» أن المعيار الأساسي بالنسبة لنجاح تطبيق التعميم 154 يبقى في استرجاع نسبة الـ30 في المائة من الودائع المحولة إلى خارج لبنان والعائدة لأصحاب ومديري المصارف وكذلك الأشخاص المعرضين سياسيا «Politically Exposed People» (PEPs).

وقال: هذا الأمر يتوقف على تجاوب المصارف وكذلك على الرغبة المعلنة من مصرف لبنان لتطبيق التعميم المشار إليه أعلاه... أتوقع من مصرف لبنان أن يتخذ إجراءات عقابية بحق المصارف المخالفة وخصوصا في ما يتعلق باسترجاع الودائع المنوه عنها أعلاه، إذ لا يجوز أن يستمر مديرو المصارف في إدارة مصارفهم إن لم يقوموا بهذا العمل الذي نص عليه هذا التعميم.

وأضاف البعاصيري: على إدارات المصارف اللبنانية أن تساهم في استعادة الثقة إلى مصارفها وذلك بإظهار ثقتها في مصارفها وفي البلد أيضا والذي يتمثل في استعادة الودائع المحولة كما يطلب هذا التعميم بالدرجة الأولى.

لم تتضح صورة الهيكلة الجديدة للمصارف لأن لجنة الرقابة منكبة حالياً على دراسة الملفات الشائكة من أجل رفعها إلى الهيئة العليا للمصرف المركزي

إن نجاح مصرف لبنان بتطبيق التعميم 154 يتوقف إلى حد كبير على العمل المنتظر من لجنة الرقابة على المصارف ومن هيئة التحقيق الخاصة، إذ إنه على هاتين المؤسستين أن تحددا المصارف غير الممتثلة مع هذا التعميم بأسرع وقت، ورفع تقاريرها إلى حاكم مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا لاتخاذ الإجراءات اللازمة والعقوبات المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف.

وختم: مع أملي وثقتي في نجاح مصرف لبنان بتطبيق التعميم بشكل شفاف وعملي، غير أن عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي ككل تتوقف على وجود حكومة إصلاحية بالدرجة الأولى.

ويتوجب على الحكومة الجديدة أن تقوم بإصلاح ما نتج عن أخطر وأسوأ قرارات مصيرية من قبل حكومة حسان دياب التي وضعت لبنان في حال إفلاس، عندما تمنعت عن دفع الدين السيادي وقامت ببرنامج دعم غير مجدٍ والذي نتج عنه إنهاك الاحتياطي الأجنبي لمصرف لبنان.

كما على الحكومة الجديدة أن تعطي أولوية قصوى لكشف ومحاسبة المسؤولين عن قضية انفجار كارثة الرابع من شهر أغسطس (آب) والذي وعد رئيس حكومة تصريف الأعمال بإنهاء التحقيق فيها في غضون خمسة أيام!

 

هل سيحصل المودعون على أموالهم؟

من المفروض إذا كنت تريد السير بالآلية بترتيبها الصحيح أن يكون موعد 28 فبراير (شباط) هو نهاية الفترة التي تتقدم بها المصارف بمستنداتها وأرقامها وميزانيتها وتأكيدها على زيادة الرأسمال بنسبة 20 في المائة وتأمين السيولة الخارجية للمصارف المراسلة، وباعتقادي أن هناك دائماً فجوات، إذ إن المصارف تعتبر أن موعد 28 فبراير هو موعد تقديم المستندات، لذلك ستأخذ بعض الوقت وقد يعطيها مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف على مضض بعض الوقت، مع أن المنطق يقول إنه يتوجب على المصارف أن تقدم مستنداتها قبل هذا الوقت.

أما بالنسبة لعمل لجنة الرقابة فهي تقوم بالتحقق من أمرين، أولاً زيادة الأموال الخاصة والتأكد من المستندات لتأمين الأموال إلى مصارف المراسلة والتي توازي 3 في المائة من حجم الودائع باستثناء الودائع الجديدة أو المرهونة مقابل ديون، وهذا التحقق يتطلب فترة أسبوع أو عشرة أيام ثم يحال الملف إلى الحاكم الذي يحيله إلى المجلس المركزي لدراسته وإذا وجد الحاكم أن هناك اتفاقا بينه وبين لجنة الرقابة بأن المصرف غير قادر على الإيفاء يحال الملف إلى الهيئة المصرفية العليا أو أن لجنة الرقابة تحيله مباشرة إلى الهيئة من خلال الحاكم كونه رئيساً لهذه الهيئة، وهنا يصبح رئيس لجنة الرقابة كمدعٍ عام والمصرف يدافع إذا كانت هناك وجهات نظر مختلفة، ثم تعرض على الهيئة العليا لاتخاذ القرار، وأنا أعتقد أن الفترة يجب أن تكون ما بين 15 و30 يوماً، إنما البحث والتباحث والقبول وعدم القبول والمهلة الجديدة والحاسمة لتحديد من استجاب لنص التعميم 154 ومن لم يستطع وهو يحتاج إلى وقت إضافي، فإن هذه الفترة قد تكون أطول، وهذا لا يعني أن يتم التأخير لكل المصارف دفعة واحدة، فالمصارف التي استجابت يجب الإعلان عنها والمصرف غير القادر يتأخر إعلان اسمه، فإما يقوم بتسليم مفاتيحه وإما يقوم البنك المركزي بإقفاله. وأعتقد لن يسلم أي مصرف مفاتيحه. وأنا أعتقد أنه ليس من السهولة أن يسلم أي مصرف مفاتيحه إلا بالاشتباك أو باتفاق مسبق مع مصرف لبنان، وهذا الأمر قد يتطلب وقتا أطول.

أما بالنسبة للسؤال الآخر، وهو: هل سيحصل المودع على أمواله؟ فإن التعميم 154 وأنا مع تنفيذه إلا أنه غير كاف لحل مشكلة المودعين، لأن الحل ليس بزيادة رأس المال 20 في المائة أو 30 أو 50 في المائة بل الحل يكون بالعودة إلى الرأس أي إلى الدولة التي عليها التزامات يجب أن تقوم بها، سواء لجهة تصحيح ماليتها العامة أو لجهة تصحيح وضع دينها، وعليها أن تعد جدولة لسداد هذا الدين للمصرف المركزي والمصارف، فإذا استطاعت الدولة أن توازن ميزانيتها وتحقق فائضا في ميزان المدفوعات وتقوم بالتزاماتها مع البنك المركزي من أجل تكوين احتياطه لسداد الديون إلى المصارف.

الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود

75 في المائة من ودائع القطاع المصرفي بالعملات الأجنبية موظفة لدى القطاع العام

هنا يمكن للمودع أن يستعيد أمواله، البعض يعتقد أن ممارسة المصارف وخسارة رساميلها وسيولتها هي سبب الأزمة النقدية، هذا الكلام غير صحيح، الأزمة وقعت لأن المالية العامة للدولة مرهقة وديونها مرهقة والدولة لا تلتزم بسداد ديونها... يجب أن تعلم الدولة أنها هي سبب المشكلة وأن الحل الحقيقي والصحيح يكون بتوازن المالية العامة وتدريجياً يجب أن نخاطب صندوق النقد الدولي حتى نعرف تماماً كيف نستطيع أن نسيطر على هذه السوق هناك أدوات وآليات يجب أن تنفذ لإعادة الأموال إلى المودعين، لكن ليس بالطريقة التي تعالجها هذه الحكومة ولا بالتعميم 154 وأنا هنا أريد أن أوضح حتى لا يفكر البعض أنني لست مع هذا التعميم، لا بل العكس أنا مع تنفيذه، لكن المشكلة والحل في مكان آخر كما شرحت. هناك سيولة أو رسملة إذا لم يعط الأولوية لتليين ومرونة العلاقة مع المودع لاستعادة أمواله، وهذا التعميم لن يحقق هذا الأمر ولن يعيد الثقة، ويجب أن يكون هناك خطوات أكبر حتى يستطيع المودع أن يستعيد الثقة في المصارف، لذلك فإن الخطوة الأولى وهي زيادة رأس المال يجب أن تتبعها خطوات أكبر أكثر أهمية لأن الهدف من السيولة والرسملة أن تصب في مصلحة المودع وليس في مصلحة المساهم في المصرف؛ فالمودع يهمه أن تكون المصارف بصحة جيدة وأكبر مصلحة للمصرف هي المودع.

تجدر الإشارة إلى أن جمعية المصارف قدمت مطالعة قانونية عبر المحامي إيلي شمعون، إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، خَلُصت فيها إلى اعتبار المُهَل المحدّدة في تعميم البنك المركزي الرقم 154، «خاضعة للتعليق المنصوص عليه في مختلف قوانين المُهَل»، لا سيما المتعلقة بزيادة رأس المال 20 في المائة في مهلة تنتهي يوم 31 ديسمبر (كانون الثاني)، وتلك المتعلقة بتكوين 3 في المائة من العملات الأجنبية لدى المصارف المراسلة في مدة أقصاها 28 فبراير (شباط) 2021.

وأملت الجمعية أن يوافق الحاكم على تمديد مهلة زيادة رأسمال المصارف، لمدة لا تقلّ عن شهر اعتباراً من تاريخ نهاية فبراير، لأن السلطات السياسية أقفلت البلاد مدة شهر تقريباً ولا يُعرف ما إذا كانت ستُمَدّد لفترة إضافية، علماً أن وزارة المال أصدرت قانوناً بتمديد مُهل تسديد الضرائب والرسوم وغيرها خلال فترة الإقفال التام، وبالتالي فإن ما يسري على وزارة المال يسري أيضاً على مصرف لبنان لأن تمديد المهل صدر بقانون، بينما زيادة رأسمال المصارف صدر بتعميم، والقانون يبقى أقوى من التعميم.

وأن «سلامة لن يقف حجر عثرة أمام قرار التأجيل»، عازية ذلك إلى الأسباب الآتية:

أولاً: سيتم إرجاء الدعوات إلى الجمعية العمومية لمجالس إدارات المصارف لزيادة رأس المال، بسبب الإقفال التام.

ثانياً: إن حاكم مصرف لبنان مهتم بشؤون أخرى مهمة في ظل الظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد.

 ثالثاً: الصورة السياسية المؤثرة على الأوضاع الاقتصادية، لا تزال مُبهمة وضبابية، وبالتالي فإن القطاع المصرفي يفضّل الانتظار لتوضيح هذه الصورة.

ولفتت مصادر مصرفية إلى أن «غالبية المصارف تمكّنت من زيادة رأسمالها ولم يبقَ سوى عدد قليل منها لم يتمكن من ذلك لغاية الآن، لكن معظمها قادرٌ على ذلك متى عادت الحياة إلى طبيعتها في لبنان».