بعدما أنهكتهم لـ15 عاماً... شباب غزة يستعدون للانقلاب على «حماس»

يعتقد الفلسطينيون أن الانتخابات هي الفرصة الوحيدة للتغيير في الواقع

* يمكن أن تشكل الانتخابات بوابة للعبور نحو وضع أكثر استقرارا على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي

* 61 في المائة سيوافقون على الهجرة في حال عرضت عليهم، بسبب سوء الأحوال بغزة

* منتدى العلاقات الدولية للحوار والسياسات: 96.6 من المواطنين ينوون المشاركة في الانتخابات الفلسطينية القادمة، وهو ما يعكس مدى تعطش الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم للانتخابات وتجديد السلطات

 

غزة: يفكر الشاب كريم جودة (25 عاما) خريج كلية الحقوق، الذي يقطن مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، فيما إذا كانت الانتخابات الفلسطينية التشريعية المرتقبة في 22 مايو (آيار)، قادرة على انتشاله من وحل المشكلات السياسية والاعتقالات والظلم المجتمعي، الذي بدأ يعاني منه بمجرد أن قرر إعلاء صوته عبر منصات التواصل الاجتماعي قبل عدة سنوات، لانتقاد حكم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي سيطرت على القطاع قبل نحو 15 عاما إثر الانقسام الفلسطيني الداخلي.

الشاب كريم جودة

يقول جودة الذي لم يحظ بفرصة عمل في تخصصه على الرغم من تخرجه قبل نحو 3 سنوات، في حديثه لـ«المجلة»: «لقد أنشأت حركة حماس منذ اليوم الأول نظاما قمعيا حزبيا قائما على الحزب الواحد في الحكم، لا يؤسس لأي شراكة وطنية أو شراكة شعبية، ولم يكن هناك أي نوع عدل في كل المجالات، وكانت جميع الفرص تذهب لأبنائها، دون الباقين، وكأنهم من كوكب آخر»، مضيفا: «على صعيدي الشخصي يمكن أن تشكل الانتخابات بوابة للعبور نحو وضع أكثر استقرارا على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والمؤكد بالنسبة لي، أن تلك الأمور لا يمكن أن تتوفر على يد حركة حماس».

وأصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد التوافق مع حركة حماس، خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، مرسوما رئاسيا يقضي بإجراء الانتخابات التشريعية 22 مايو (أيار)، والرئاسية في 31 يوليو (تموز)، والمجلس الوطني في 31 أغسطس (آب) عام 2021، وأعقب ذلك المرسوم بدء عمل لجنة الانتخابات في مختلف المحافظات الفلسطينية حيث بدأت بتحديث سجل الناخبين، وتحضير ما يلزم لعقد ما يصفه الفلسطينيون بـ«العرس الديمقراطي المرتقب».

بعد ذلك وصلت لفصائل فلسطينية مختلفة أبرزها حركتا فتح، وحماس، دعوات من دولة مصر لحضور لقاء شامل لمدة يومين في القاهرة بداية فبراير (شباط) الماضي، تم خلاله الاتفاق من قبل الفصائل على المضي قدما في عقد الانتخابات، وتذليل كافة العقبات في سبيل تحقيق ذلك، وتم الاتفاق أيضا على تشكيل محكمة الانتخابات وإطلاق الحريات في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة للتوافق على عقد لقاء آخر في القاهرة خلال الشهر الجاري لبحث ملفات أخرى، لها علاقة بمنظمة التحرير الفلسطينية.

الفلسطينيون متشوقون لخوض العملية السياسة والانتخاب

فرصة للانتقام

يعتقد الشاب جودة، أن الانتخابات الفلسطينية القادمة إن حدثت فعلا فهي ستؤثر بالتأكيد في الواقع الغزي، وستعطي الشباب فرصة الانتقام، ممن حكمهم بالظلم والفساد والمحسوبية، مشيرا إلى أن «قناعته تقول إن واقع غزة لا يمكن أن يستمر هكذا، بأي شكل من الأشكال، حتى لو لم تحدث انتخابات، لأن فرص الثورة قائمة».

ويضيف: «أجزم أن من حرم من الوظيفة أو تعرض للظلم أو عانى مما عاناه الشباب من تهميش وإقصاء على مدار 15 سنة من حكم حماس سينتقم منها بصندوق الاقتراع».

ويرى الشاب، أن السلطة الفلسطينية هي الأجدر على إدارة شؤون الناس بالحد الأدنى والمطلوب، وذلك لأن تجربتها السابقة في حكم القطاع وتجربتها الحالية في حكم الضفة الغربية، تشير إلى ذلك فعلا، مضيفا: «لم أقرر حتى الآن لمن سأعطي صوتي حقيقة في الانتخابات المقبلة، لكن المؤكد هو أنه لن يذهب لحماس أو لمن يناصرها، لأنها أثبتت بالدليل القاطع فشلها في الحكم».

ويكمل حديثه بغصة: «كيف لي أن أنتخب من تعرضت على يديه للتعذيب والسحل والاعتقال السياسي، فقط لأني فكرت بالخروج في مسيرة مطلبية للمطالبة بتحسين الواقع، وكيف لي أن أنتخب من ساهم في هجرة الآلاف من الشباب والعديد من الأصدقاء، الذين مات بعضهم وهو يبحث عن حياة أفضل في الغربة».

ويشارك جودة بالرأي، الشاب محمود جاد الله (26 عاما)، الذي انتقل للعيش في جمهورية مصر العربية، قبل عدة أسابيع، بعد أن يأس من تفاصيل العيش في غزة وتعرضه للظلم الوظيفي، بسبب المحسوبية والواسطة اللتين تتعامل بهما حركة حماس في معظم مؤسسات القطاع، حيث يقول: «إن شهادته الجامعية في مجال العلوم الصحية كلفته أكثر من 10000 دولار، لكنه حتى هذا الوقت لم يستفد منها بشيء، ليس لأنه كسول، بل لأن هناك من سرق فرصته، وجعله تائها في بحر ظلم لعدة سنوات».

ويشير الشاب لمراسل «المجلة» إلى أن «جيلا كاملا في غزة تم تدميره نفسيا واجتماعيا على أيدي الحاكمين وبأساليب مدروسة جيدا، حتى وصل الشباب لمرحلة يلعن فيها اليوم الذي وجد فيه على هذه الأرض»، منوها إلى أن «الانتخابات الفلسطينية في حال عقدها، ستشكل بادرة أمل، نحو التغيير، وإزالة نظام حماس القمعي، الذي اعتقل مئات الشباب وأجبرهم على الهجرة، ووجه لهم تهما بالتخابر مع إسرائيل، وافتتح سجونا خاصة لهم، بدل أن يفتتح مشاريع لإغاثتهم وتحسين وضعهم المعيشي».

ويبلغ عدد الشباب في الأراضي الفلسطينية بشكل عام، بحسب تقارير صادرة عن المركز الفلسطيني للإحصاء، نحو 1.1 مليون شخص، من أصل 5.1 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، ووفق تقارير فإن نسبة وجود الشباب في المؤسسات الحكومية أو المؤسسات القيادية الفلسطينية 1 في المائة فقط، مما يقلل من قدرتهم على طرح مشكلاتهم لإيجاد حلول لها، وبشكل خاص يعاني الشباب في غزة من البطالة بنسبة تجاوزت 70 في المائة وفقا لتقرير صدر عن اللجنة الشعبية لرفع الحصار عن غزة، مقابل 14 في المائة فقط لدى الشباب في الضفة.

حسن الداودي

الأسوأ هو استمرارها في الحكم

الشاب حسن الداودي ناشط سياسي معارض لحكم حماس، ويعرف محليا على أنه من مؤسسي حملة «اهبد 194» الرقمية، التي تختص بمناصرة الحقوق الفلسطينية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وساهم في تأسيس حراك «بدنا نعيش» المطلبي، الذي انطلق بغزة في 14 مارس (آذار) عام 2018، للمطالبة بتحسين سبل العيش، وقمعته حماس بشكل قاس عبر اعتقال مئات الشباب وتعذيبهم وضربهم.

ويعتقد في حديث لـ«المجلة» أن الأسوأ من حكم حماس خلال السنوات الماضية، هو فرضية استمرارها في الحكم، مشددا على أن وصوله هو وآلاف الشباب في القطاع لذلك الاعتقاد جاء بعد تقييم واسع لأداء الحركة وسياستها في الحكم «على صعيد الحريات التي تم انتهاكها بشكل يومي، وعلى صعيد الوضع المعيشي للسكان الذي ازداد سوءا، وأيضا على صعيد الفساد الإداري وتغلغل نظام الواسطة والمحسوبية في معظم المؤسسات، وحصر الاستفادة من الفرص المتنوعة على أبنائها».

ويشير إلى أن «كل تلك الممارسات، لا يمكن أن تزيد من رصيد أي حكومة لدى الناس، هي فقط ستنسفها وستمنع أي حضور مستقبلي لها»، منبها إلى أنه «عانى على صعيده الشخصي من فساد الحكم الحمساوي، لدرجة أنه ومنذ تخرجه من الجامعة لم يكن على استعداد للتقدم لوظيفة عمومية، كونه يعلم مسبقا أنها ستذهب لمن هو أقل منه خبرة وكفاءة»، ويضيف: «حاولت ممارسة حقي السياسي في معارضة حكم حماس، فوجدت نفسي معتقلا عدة مرات في سجون الأمن التابعة لها، في ظروف قاسية، والسبب كان فقط هو مناهضة الحكم عبر منشورات على منصات إلكترونية».

 

أحد مراكز تسجيل الانتخابات التي تم افتتاحها سابقاً في قطاع غزة

ويشرح أن «الأثر النفسي للتعرض لمثل تلك الاعتقالات كان سيئا جدا، وظلت السلبية المستخلصة منه تلاحقه لعدة شهور»، مبينا أن «تلك التجارب دفعته كغيره من جيل الشباب في قطاع غزة إلى التفكير في الهجرة والبحث عن الحياة الأفضل في الخارج، لكنه حتى هذه اللحظة لا يزال على أمل تغير ذلك الحكم القمعي الظالم»، ويتابع: «الأمل في ذلك زاد بعد عودة الحديث عن الانتخابات، التي لن أعطي فيها صوتي إلا لمن أرى أنه قادر على إدارة مختلف الشؤون التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، والأمور الحياتية العادية، بصورة نزيهة وصحيحة».

وأظهر استطلاع للرأي حول هجرة الشباب، أعده «مركز الدراسات وقياس الرأي» التابع لـ«جامعة الأقصى» المحلية، أن 61 في المائة من أفراد العينة سيوافقون على الهجرة في حال عرضت عليهم، بسبب سوء الأحوال بغزة، وبحسب دراسات أخرى فإن أمر الهجرة وعلى الرغم من أنه يلقى قبولا لدى الشباب في غزة، لكنه ليس سهلا ويحتاج لتكاليف عالية تبدأ قبل الخروج من معبر رفح البري تجاه مصر.

وخلال الأيام الماضية نشط الدوادي برفقة مجموعة أخرى في تحفيز الشباب داخل غزة على التسجيل في العملية الانتخابية، لضمان مشاركته السياسية في الانتخابات القادمة، كونه يرى أن الانتخابات هي الأداة الأفضل لعقاب من يستحق العقاب ولمكافأة من يستحق المكافأة، وينوه إلى أنه «يحرض بشكل علني على عدم إعادة انتخاب حماس مرة أخرى، لأن قيمة النجاح في تجربتها لن تساوي إلا صفرا، إذا ما تم تقييمها حسب معايير حقوقية بشرية».

ويختم الشاب العشريني، بالتأكيد على أن الانتخابات القادمة مهمة جدا «لتجديد النظام السياسي الفلسطيني ولضمان التداول السلمي للسلطة الذي يعطي الشعب القدرة على التغيير»، ويقول: «ليس معقولا أن نشكل منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 إلى اليوم مجلسين للتشريع فقط، هذا الأمر زاد من الفساد وقلل من فرص توفير احتياجات الناس»، مشددا على ضرورة «منح الناس فرصة الاختيار حسب الكفاءة والبرنامج الانتخابي وليس حسب الحزب».

الكاتب والمحلل السياسي هاني العقاد

سياسة شراء الأصوات «ستفشل»

الكاتب والمحلل السياسي هاني العقاد يقول في حديث لـ«المجلة»: «الجميع اليوم بات مشغولا بالمواطن في غزة والضفة بعد 15 عاما من التجاهل والإنكار له، الكل يريد الحصول على صوته الانتخابي، دون النظر لمكامن الصبر والتألم والنضال في نفس ذلك الشخص»، مشيرا إلى أن «المواطنين الفلسطينيين في هذه المرحلة ودون استثناء، عليهم المسارعة لحشد قدراتهم وقوتهم وأصواتهم من أجل تصحيح جميع الكوارث التي عاشوها بسبب الانقسام الفلسطيني، الذي تسببت فيه الفصائل قبل نحو 15 عاما.

ويتوقع العقاد، أن السادة أصحاب الرؤى السياسية والساسة وأصحاب الأحزاب والحركات التي سترشح لها، يمكن أن تتبع سياسة الشراء لأصوات المواطنين، من أجل إرضائهم واستغلالهم مرحليا لكسب صندوق الاقتراع، لافتا إلى أن تلك السياسة «ستفشل بصورة كاملة لأن المواطنين بشكل عام لن يقبلوا بالعودة مرة أخرى لمربع الفساد والظلم في الحكم الذي تمت ممارسته عليهم طوال السنوات الماضية».

ويشير الكاتب السياسي إلى أن المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، «بات يعرف جيدا الحقيقة بكل تفاصيلها ولم ينس الدفاتر القديمة التي سطر فيها الألم والوجع صفحاتها، حيث كتب كل ما فيها بدموع أبنائه الجوعى والمحرومين من حقوقهم الأساسية»، مضيفا «المواطن البسيط لن يعطي صوته لأبناء الأحزاب وأبناء التجار ومن يتشدقون ليل نهار بحب الوطن ويحلفون بشرفهم وشرف المواطن كذبا، لأنه رأى كيف أنهم لم يعملوا سوى لأنفسهم ولأبنائهم واستغلوا السلطة كمشروع استثماري».

وأظهر استطلاع للرأي أجراه منتدى العلاقات الدولية للحوار والسياسات في فبراير (شباط) الماضي، أن 96.6 من المواطنين ينوون المشاركة في الانتخابات الفلسطينية القادمة، وهذا وفق مراقبين يعكس مدى تعطش الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم للانتخابات وتجديد السلطات، للتخلص من كافة إفرازات الانقسام الداخلي، وللرجوع أكثر ناحية القضايا الوطنية الرئيسية دون الانشغال بالهموم الصغيرة، التي صارت حديث المواطنين على مدار الساعة.

الشاب إيهاب المغربي

من جهته، يرى الشاب إيهاب المغربي (22 عاما) والذي ينشط في العمل السياسي ضمن مؤسسات المجتمع المدني في القطاع، أن السلطتين في غزة والضفة قائمتان على الفساد دون تمييز، وهو الأمر الذي يستوجب الإسراع بإجراء الانتخابات الفلسطينية، لتجديد الشرعية ولمنح الفرصة لدماء وتجارب سياسية جديدة لخوض فرصة الحكم ومناقشة التفاصيل الحياتية التي تهم الناس.

ويقول المغربي لـ«المجلة»: «الشباب الفلسطيني في الانتخابات القادمة سيقول كلمته وسيعلي صوته، وبالتأكيد لن تكون كلمته موافقة لكلمة أحزاب أذاقته المر خلال الفترة الماضية، ولن يرضى بذلك تحت أي ظرف كان»، موضحا أن ارتفاع رغبة المشاركة في العملية السياسية لدى المواطنين في غزة والضفة بحسب ما تظهر استطلاعات الرأي، يشير إلى رغبة جامحة لدى الجميع بضرورة التغيير في أسرع وقت.