10 سنوات: استمرار الحلم رغم كل المآسي

* نظام بشار يستطيع الاستمرار لسنوات، لكن إعادة تعويمه مهمة مستحيلة بعد كل ما ارتكبه من فظائع.. وإلى حين وضع الملف السوري على سلم أولويات المجتمع الدولي والعربي، يبدو أن حلم السوريين بالحرية والكرامة مستمر

على الرغم من الدمار الهائل والعنف غير المسبوق الذي ضرب السوريين، وتهجير أكثر من نصف سكان البلاد، واقتلاعهم من منازلهم، اختار السوريون شعار «تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة»، إحياءً للذكرى العاشرة للثورة السورية.

إصرار السوريين على عدم تراجعهم عن مطالبهم لا ينفي الانتكاسات الكثيرة التي تعرضت لها ثورتهم، فمنذ انطلاق الثورة السورية التي بدأت بمظاهرات واعتصامات سلمية تطالب بالاصلاح، أصر بشار الأسد على استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، فقتل واعتقل وعذب آلاف السوريين، بينما كانوا لا يزالون يعبرون عن مطالبهم بالهتافات والأغاني، في إصرار منه على تحويل الاحتجاجات من ثورة سلمية إلى صراع مسلح، وقد عبر عن ذلك الأمر نائب رئيس النظام السوري آنذاك فاروق الشرع، عندما قال: «في بداية الأحداث كانت السلطة تتوسل رؤية مسلح واحد أو قناص على أسطح إحدى البنايات».

ولم يأل النظام جهدا لتحقيق الأمر، اعتقل معظم من شارك بالحراك السلمي وعذبهم حتى الموت وقام لاحقا بتسريب صور وفيديوهات للتعذيب الذي مارسه في السجون، لينشر الرعب كما الطائفية، فقد كانت أغلب الفيديوهات المسربة يتحدث فيها المحقق أو من يقوم بالتعذيب بلهجة علوية فاقعة وكأنها رسالة باتجاهين، وفي الوقت نفسه أطلق سراح الكثير من المتطرفين الإسلاميين من سجونه، ليصبح هؤلاء في وقت لاحق قادة لفصائل إسلامية متطرفة.

وقد اجتمعت المعارضة بالخارج وشكلت المجلس الوطني الذي مثل جزءا من معارضة الداخل وشخصيات من الخارج، إضافة إلى شباب من الحراك والتنسيقيات، وإن كان تشكيل المجلس قد لاقى ترحيبا واسعا في صفوف السوريين فرفعوا شعار «المجلس الوطني يمثلني»، إلا أن الأمر لم يستمر لوقت طويل حتى باتت الخلافات بين أعضائه تطفو على السطح، وبدلا من محاولات فتح حوار صريح لحلها سيطرت الكيدية على آلية عمل المجلس، ليزداد الأمر سوءا ويصبح الشرخ أكثر وضوحا بعد أن مورست ضغوطات دولية وعربية لتشكيل الائتلاف ومن ثم لتوسعته، فبدأت المعارضة السياسية تتحول من معارضة لنظام الأسد وممثلة لتطلعات وآمال السوريين إلى مجموعات تمثل في أغلبها مصالح الدول التي أتت بها وتتبع مصالحها.

أخطأت المعارضة بقلة خبرتها السياسية بداية عندما صدقت «الكلام المعسول»والوعود التي أطلقتها مجموعة أصدقاء الشعب السوري، فلم تبن استراتيجيتها على المدى المتوسط والطويل، ولم تعمل على تقوية علاقتها بالداخل، وظنت أن بشار الأسد سيرحل خلال أيام أو أشهر كما رحل بن علي في تونس ومبارك في مصر، أو أن الدول الداعمة ستتدخل للإطاحة به كما تدخلت في ليبيا للإطاحة بالقذافي. وكان خطأها القاتل في قبولها باستقلالية القرار العسكري عن القرار السياسي، وإن كانت العلاقة بين المجلس الوطني والجيش الحر في البدايات جيدة نوعا ما، إلا أنه وفي وقت لاحق برزت الفصائل الإسلامية وحلت محل الجيش الحر، وتمتعت باستقلالية عن القرار السياسي لأنها كانت تحصل على السلاح من غرفتي موم وموك. وعلى المال من الممول بشكل مباشر دون أي آلية تنسيق مع المعارضة السياسية. فلم يعد من رابط حقيقي بين المعارضة السياسية والعسكرية، ولا من تنسيق جدي، بل باتت هذه الفصائل تستخدم كاداة ضغط على السياسيين من قبل الدول الداعمة والممولة، وما وصلنا إليه من مسار آستانة ليس سوى إحدى نتائج هذا الأمر.

وكي لا نحمل المعارضة والفصائل وحدهما نتيجة ما آلت إليه الأمور، لا بد من الحديث عن الدعم المحدود الذي قدم للمعارضة مقابل الدعم اللامحدود الذي قدم للنظام، ففي وقت منعت مثلا الأسلحة النوعية عن المعارضة، ووقف العالم صامتا أمام التدخل الإيراني المباشر وغير المباشر عسكريا في سوريا، كما وقف عاجزا أمام الفيتو الروسي والصيني، والتدخل العسكري الروسي.

وقف العالم صامتا أمام الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين، بل وصل الأمر برئيس الولايات المتحدة الأميركية آنذاك باراك أوباما بالتنازل عن كل ما كان يدعي أنه يؤمن به من حقوق إنسان وعدالة ومن خطوط حمراء وضعها على استخدام الكيماوي، وسكت عن قتل المئات بالسلاح الكيماوي من أجل عدم عرقلة اتفاقه النووي مع النظام الإيراني.

كما أن الخلافات بين مجموعة أصدقاء الشعب السوري كانت عائقا حقيقيا، فبدل دعم السوريين في ثورتهم، بات السوريون يُستخدمون في صراع الآخرين، وقبل بعض السوريين بلعب هذا الدور مقابل مصالح شخصية ضيقة، فانتهى الأمر بالمعارضة اليوم بشخصيات يُعرف عنها أن فلانا تابع لهذه الدولة وفلانا يُمثل هذا الجهاز، ولم تعد سوريا أولوية في أجندة من يدعون تمثيل ثورتها.

أكثر من نصف مليون قتيل، وأكثر من نصف الشعب مهجر، آلاف المفقودين قسريا، وعشرات آلاف المعتقلين والمعذبين، ومع ذلك يتحضر بشار الأسد لخوض انتخابات رئاسية تبدو نتائجها محسومة لصالحه، بينما تدور المعارضة في حلقة مفرغة دون أي جهد ملموس لإعادة تكوين نفسها وتلافي كل ما حصل في السنوات العشر الأخيرة من أخطاء، ووضع أهداف واقعية تأخذ بالحسبان كل ما حصل خلال السنوات العشر الاخيرة.

ويبقى العامل الأهم هم السوريون أنفسهم، مؤيدو الثورة المصرون على تحقيق حلمهم بالحرية والكرامة، والجيل الجديد الذي ولد وعاش مآلات الثورة السورية مع استحالة إعادتهم ووضعهم في السجن السوري الكبير، وسوريو الداخل الذين كانوا صامتين إلى وقت قريب وبدأت اليوم تعلو أصواتهم تململا وإن كان لأسباب اقتصادية ومادية، إلا أن النتيجة أن هذا النظام يستطيع الاستمرار لسنوات كما هو الحال اليوم، ولكن إعادة تعويمه مهمة مستحيلة بعد كل ما ارتكبه من فظائع.. وإلى حين وضع الملف السوري على سلم أولويات المجتمع الدولي والعربي، يبدو أن حلم السوريين بالحرية والكرامة مستمر.