رياض سلامة.. سرّ «الإعجاز اللبناني»

* هل الحاكم بريء من كل تلك الاتهامات التي تكال إليه اليوم، وأبرزها أنه حارس هيكل الفساد؟ هذا الأمر متروك للقضاء السويسري والبريطاني والفرنسي والأميركي الذي ينكب على دراسة ملفات سلامة ولكن ما يمكن التأكيد عليه أنه كان يعلم.

 

هو أحد أكبر معمري العالم في وظيفة حاكمية المصارف الوطنية. رقم قياسي آخر يستطيع لبنان إضافته بفخر إلى جانب أرقامه القياسية الأخرى المتعلقة «بأكبر جاطات الحمص والتبولة»... رياض سلامة حاصل على جوائز عالمية كثيرة كرمت أداءه كحاكم لمصرف لبنان على مدى عقود ثلاثة تقريبا. في ظل ظروف صعبة لا بل تكاد تكون مستحيلة وعصية على الفهم والتحليل استطاع الحاكم بفضل سياساته النقدية- يقول البعض- أن ينعش الحلم اللبناني لعقدين من الزمن، حلم اصطناعي بني على وهم قوة الليرة اللبنانية- كان الحاكم نفسه يقول إنها بألف خير قبل تدهورها بأيام- ومتانة القطاع المصرفي وازدهاره، والدورة الاقتصادية الداخلية- يشهد على ذلك في المجال السياحي تكاثر المطاعم بوتيرة مقلقة والملاهي الليلية التي كانت تعج بروادها على مدار السنة، وازدهار قطاع البناء فيه حتى أصبحت أسعار العقارات في بيروت تضاهي تلك التي في نيويورك أو باريس، طبعا من دون تقديم مدينة أم الشرائع واحدا في المائة من الخدمات والترفيه والأناقة والنظافة والنظام التي تقدمها المدينتان الغربيتان. لهذا «الإعجاز»بنى رياض سلامة سمعته وحاز إعجاب زملائه من حكام مصارف وطنية ورجال اقتصاد وأعمال.

ولكن كان من خلف تلك المظاهر حقيقة أخرى بدأت تظهر تباعا عندما قررت الإدارة الأميركية في يوم من الأيام أن تحاصر حزب الله من خلال فرض عقوبات على شخصياته ومؤسساته، سعيا إلى خنقه ماليا، فما كان إلا أن لبنان بدأ يختنق، لأن هذا الحزب ومن ورائه إيران كانوا يستغلون القطاع المصرفي لتبييض العملة بشكل فاضح وكبير ويضخون في مصارفه أموالا قذرة جعلت من هذا «الإعجاز»اللبناني حقيقة ولو لبرهة.

استفاق اللبنانيون يوما على معاقبة البنك اللبناني الكندي والتي بحسب تحقيقات المكتب الفيدرالي الأميركي كان يبيض من خلال أيمن جمعة وأعماله الإجرامية في أميركا اللاتينية مرورا بأفريقيا أكثر من مائتي مليون دولار شهريا، ثم لاحقا جمال ترست بنك. إلى جانب حصار الإدارة الأميركية بدأت الدول الخليجية تنسحب من لبنان سياحيا واستثماريا لأسباب أهمها تأكدهم من خضوع لبنان وسياسييه لإرادة حزب الله وإيران بالكامل. منذ تلك اللحظة لاحت في الأفق بوادر الانهيار. ما العمل؟ كيف يمكن سد العجز الكبير بين ما ينفقه لبنان وما يدخله في ظل تراجع السياحة الخليجية وامتناع المؤتمرات الخارجية عن دعم لبنان مجانا ومن دون شروط مسبقة للإنفاق وحصار أميركي على أعمال المصارف المتعلقة خاصة بتبييض المال لصالح حزب الله؟ كيف يمكن بيع وهم «الليرة بألف خير»،و«القطاع المصرفي متين»بعد اليوم؟ 

من هنا قد يسأل رياض سلامة عن دوره في إدارة ما بات يعرف بـ«مخطط بونزي». لندع للحظة جانبا استغلاله سلطته من خلال تعامل مصرف لبنان المركزي الذي يرأسه مع شركة أسسها أخوه رجا سلامة، مسجلة في«الجزر العذراء»بمئات ملايين الدولارات، كما جاء في الادعاء السويسري عليه شخصيا، ولنسأل عن موضوع اللبناني الكندي مثلا، وكيف كان يمكن للمصرف المركزي وحاكمه أن لا يتنبها لموضوع تبييض العملة فيه، خاصة أن حجم الأموال التي دخلت النظام المصرفي اللبناني حينها لم يكن من الممكن أن تمر مرور الكرام؟ يسأل الحاكم أيضا عن تغاضيه في موضوع عدم التوافق بين الاقتصاد اللبناني الضعيف وديونه السيادية المستقرة بشكل مصطنع؟ ثم كيف يمكن لحاكم مصرف لبنان تفسير التدفق الهائل للودائع النقدية المتزامنة مع زيادة العقوبات على إيران وقبوله بالتالي أن تكون المصارف اللبنانية مساهمة في تهرب إيران من العقوبات الأميركية؟ يسأل الحاكم عن الهندسات المالية التي وفرت للمصارف أرباحا بمليارات الدولارات في حين كان النمو الاقتصادي يقارب الصفر في المائة. طبعا هناك أسئلة كثيرة ستطرح على الحاكم في القادم من الأيام تتعلق بمسؤوليته عن وصول الأوضاع المالية والاقتصادية إلى ما نحن عليه وإن لم يكن وحده المسؤول.

ولكن بات واضحا اليوم أن سر «الإعجاز اللبناني»الذي كان أحد أبرز رموزه رياض سلامة لم يكن سوى وهم لأنه ببساطة لم يركن يوما إلى العلم الاقتصادي والمالي بقدر ما كان يعتمد على ظروف خارجية- كمساعدات وهبات- وأيضا وبالأساس إجرامية.

هل الحاكم بريء من كل تلك الاتهامات التي تكال إليه اليوم، وأبرزها أنه حارس هيكل الفساد؟ هذا الأمر متروك للقضاء السويسري والبريطاني والفرنسي والأميركي الذي ينكب على دراسة ملفات سلامة ولكن ما يمكن التأكيد عليه أنه كان يعلم.

كان يعلم... ولم يقدم استقالته..