سوريا: عشر سنوات ولا حل في الأفق

 

 

في الذكرى العاشرة على انطلاق الثورة السورية، عاد الحديث عن سوريا وثورتها وأزمتها ليتصدر العناوين والصفحات الأولى، كما بدأنا نشهد بعض الحراك السياسي والدبلوماسي في محاولة لإيجاد حل لتخفيف معاناة السوريين وليس لإنهاء معاناتهم، ولكن لا يزال هناك العديد من العقبات أمام الوصول إلى حل، رغم محاولات الإيحاء بالعكس.

وزير الخارجية الروسي قام بجولة على دول عربية عدة بمحاولة منه لإعادة نظام الأسد إلى جامعة الدول العربية، واصطدمت جولته بالفشل بخصوص هذا الأمر، فغاية الروسي هي تأمين اعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا وفتح المجال أمام تمويل مشاريع إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين، والتي ستسمح لبشار الأسد بإعادة ترميم قاعدة الولاء له في المجتمع السوري والتي تآكلت بشكل شبه كلي حتى في أوساط حاضنته الشعبية، فإعادة الإعمار كما تراها موسكو مناسبة لإعادة فرض نظام بشار عبر تحكمه في مسار إعادة الإعمار وسيطرته على توزيع الأموال وتوجيهها وفق الوجهة التي تخدم مصالحه.

لكن قانون قيصر بقي بالمرصاد، لا تطبيع ولا إعادة إعمار قبل الوصول إلى حل سياسي وفق القرار 2254، وموسكو تدرك جيدا أن قانون قيصر ولوائح عقوباته ستمنع أي أحد من الاقتراب من نظام بشار الأسد والمساهمة في إعادة تعويمه، كما أنها تدرك أن إيران تركز كثيراً على موضوع إعادة الإعمار، لأنها تستطيع تنفيذ مشروعها بإعادة الهندسة الاجتماعية في سوريا، وتثبيت معطيات التغيير الديموغرافي الذي أنجزته خلال السنوات الماضية، ولذلك ركز قانون قيصر على هذا الأمر بشكل استثنائي حتى إن أول لائحة عقوبات صدرت بناء على قانون قيصر كانت موجهة أصلا ضد مطورين عقاريين وشركات تعمل في المجال العقاري.

الوضع الاقتصادي الضاغط والانهيار المالي السريع في سوريا، إضافة لمحاولة تقديم جائزة لإيران تسمح لها بتحقيق أهدافها كاملة في تثبيت وجودها المجتمعي في المجتمع السوري من خلال مشاريع إعادة الإعمار التي سيسيطر عليها بشار الأسد عبر حزمة القوانين التي أصدرها في السنوات الماضية تحضيرا لهذا الأمر، مقابل تخفيف وجودها العسكري الظاهر في سوريا، كل هذه العوامل أرغمت الروسي على التحرك في جميع الاتجاهات في محاولة منه لرفع العقوبات أو التحايل عليها، ولكن حركته كانت بلا بركة، فالروسي الذي يحاول الإيحاء بأنه معني بإنهاء الأزمة الإنسانية في سوريا ووضع حد لمعاناة السوريين، إنما هو في حقيقة الأمر أحد الأسباب الأساسية لهذه الأزمة، وحتى اليوم، وعلى الرغم من محاولات الإيحاء عبر تسريبات وتحليلات، إلا أنه ما زال كما اليوم الأول متمسكا بالأسد ويعتبره الرئيس الشرعي وغير قابل لمناقشة مصيره رغم كل الجرائم التي ارتكبها، وبالتالي هو غير مستعد للانخراط في أي عملية سياسية جدية.

معضلة أخرى مطروحة أمام أي حل هي الوجود الإيراني والميليشيات التابعة لها في سوريا، فلا يزال حلها مجهولا، إذ لا يمكن أن يقتنع عاقل أنه بعد انخراط عسكري وسياسي كامل لعشر سنوات في سوريا، ستقبل إيران بالانسحاب بمجرد أن يطلب منها الأسد أو غيره ذلك، ولتسمح له بالعودة إلى «الحضن العربي»، ولو كان الأمر بهذه البساطة لكان حزب الله اللبناني الإيراني قبل بوضع سلاحه تحت سلطة الدولة اللبنانية وقبل باستراتيجية دفاعية كما يطالبه اللبنانيون.

كما لا يمكن لأحد أن يصدق أن حلا ما ممكن في ظل وجود إيران وميليشياتها الطائفية في سوريا، ولذلك تحاول موسكو تدوير الزوايا، أي تحقيق أهداف إيران التي لم تستطع تحقيقها خلال سنوات الحرب، عبر العملية السياسية، وفي نفس الوقت القول للعرب إن إيران تخفف من وجودها في سوريا لصالح دور عربي أكبر، بحيث ستكون لعبة موسكو الجديدة، يمول العرب بشار بينما تجني طهران الفوائد من بعد.

كذلك تبقى المعضلة الأبرز هي مصير بشار الأسد، ففي الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة السورية، أصدر وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن، ووزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، ووزير الخارجية الألماني هايكو ماس، ووزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، ووزير خارجية المملكة المتحدة دومينيك راب، بيانا مشتركاً، أهم ما جاء فيه أن «الإفلات من العقاب أمر غير مقبول»، والتأكيد على أن الحلّ السياسي في سوريا يجب أن يكون بالاستناد إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. ومؤكدين أن الانتخابات الرئاسية السورية المقترحة هذا العام لن تكون حرّة ولا نزيهة، ولا ينبغي أن تؤدّي إلى أي تطبيع دولي مع النظام السوري. وأمام مسألة رفض الإفلات من العقاب، فإن مصير الأسد يجب أن تحدده المحاكمة لا الانتخابات، ولكن ما هي الآلية التي سترغم النظام على الانخراط في حل سيؤدي إلى نهايته؟

أما المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسن، فقد صرح بدوره بأن الانتخابات الرئاسية السورية المقررة منتصف العام الحالي «ليست جزءاً» من مهمته بموجب القرار الدولي 2254.

إذن ما زلنا ندور في ذات الحلقة، النظام وحلفاؤه متمسكون بالأسد ومصرون على الإفلات من العقاب بعد كل الجرائم التي ارتكبوها بحق السوريين... ومبعوث أممي لا يملك سوى التصريح ولا دور جديا له ولا للأمم المتحدة بعد أكثر من 8 سنوات على الانخراط من أجل إيجاد حل سياسي، ومجتمع دولي يرفض إعطاء نصر سياسي لروسيا وإيران والأسد، ويعلن تمسكه بالقرارات الدولية وتحقيق العدالة، دون وضع آلية حقيقية بوجه العرقلة الروسية لهذا الطرح. أما اللاعب الأبرز وهو الولايات المتحدة، فيبدو أن الملف السوري ليس من ضمن الأولويات على أجندة الإدارة الأميركية، في انتظار ما ستؤول إليه مفاوضاتها مع إيران.

إذن بعد عشر سنوات لا يبدو أننا اقتربنا من الوصول إلى نهاية لمأساة السوريين، ولا لتحقيق العدالة المنشودة، كل طرف قال كلمته، لكن صوت السوريين وهم يعلنون استمرار ثورتهم هو الأعلى، وإلى حين إيجاد طريق للمعضلات أمام الحل السوري، سنسمع الكثير من الجعجعة ولن نرى الطحين.