كيف تحيي الأساطير قيم الأمومة؟

مع احتفال العالم بيوم الأم...
رسم قديم لأم، عام 1873 (غيتي)

القاهرة: عندما تسمع كلمة «أم» تتبعها غالبا وقفة امتنان، وفي المجتمعات العربية تحتل الأم مكانة شريفة، لكن الأمومة في الغالب ترتبط بمهام ومسؤوليات وتحديات كبيرة ومعقدة تصنع إطار هذه الصورة النبيلة.

بدأ الاحتفال بالأم في عام 1956 عندما أطلق الكاتب والصحافي الكبير مصطفى أمين أول احتفال وطني بيوم الأم المصري في 21 مارس (آذار)، وتأثر أمين بالثقافة الغربية الحديثة التي كانت أول من بدأ بتخصيص يوم للاحتفال بالأم في ثاني يوم أحد من شهر مايو (أيار) عام 1914، فيما ترجع الفكرة في الأصل إلى الأم والناشطة الأميركية آنا جارفيس.

دائمًا ما كانت الأم محل احتفاء وتقدير في التراث العربي، وبحسب الدكتور محمد هلال أستاذ الفلكلور في كلية الآداب بجامعة بني سويف: «يختلف تصوير رمز الأم في القصص التراثية وفي الملاحم»، وفيما «تعكس القصص التراثية الشخصيات الواقعية، تميل الملاحم إلى التركيز على الفرسان والملوك»، وأضاف أن «قصص التراث تناولت نماذج سلبية للأمهات أيضًا. مثل أمنا الغولة التي اتخذت صورة شريرة في جميع القصص. كذلك صورة الأم الجاحدة ممثلة في أم سيف بن ذي يزن التي أُجبرت على الزواج من والده وتركته في الغابة لترضعه غزالة فيكبر ويصبح محاربا ملحميا».

وعن ذلك، تحدث هلال عن نماذج بارزة لأمهات في الثقافة العربية.

 

خديجة

إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، أولى زوجات النبي محمد وأول امرأة في الإسلام. وهي نموذج أم عظيمة في الثقافة الإسلامية. تُعرف بأمانتها وشرفها، وقد اختارت النبي محمد ليدير لها تجارتها. وعلى الرغم من فارق السن بينهما، تزوجا وكانت حبيبته وأم أول أبنائه، واحتلت مكانة غالية في قلبه حتى بعد وفاتها. وبعد أعوام من وفاتها، كما قيل في إحدى الروايات عن السيدة عائشة إن النبي كان ممتنًا لها حيث قال: «آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس».

 

رسم قديم لجوستاف دور من عام 1870 لمشهد من العهد القديم  بعنوان «شجاعة أم»(غيتي)

 

خضرة الشريفة

في ملحمة بني هلال، كانت خضرة الشريفة رمزًا للتقوى والصمود. تروي الملحمة أن خضرة كانت متزوجة من زعيم القبيلة رزق بن نايل وأنجبت له عدة بنات. ولكنه كان يرغب في إنجاب صبي يصبح فارسًا مثله، وأصيبت هي بيأس عظيم. في أحد الأيام كانت تسير إلى جانب بركة ماء وجدت عندها طائرا أسود مهيبا استطاع أن يدفع بقية الطيور ويشرب بمفرده من البركة. تمنت حينها أن يكون لها ابن مثل هذا الطائر ويقود مثله، حتى وإن كان داكن البشرة مثله أيضًا. أجيبت أمنيتها وأنجبت طفلًا داكن البشرة. اتهمها زوجها وسائر القبيلة بالخيانة، ولكنها دفعت عن نفسها الاتهامات وأخذت الصبي وذهبت للعيش مع قبيلة أخوالها. حرصت والدة أبو زيد الهلالي على تنشئته ليكون فارسًا ومحاربًا قويًا. وأصبح قائدًا بارزًا في قبيلة أمه التي نشأ بها. وعندما حان الوقت ليقف في مواجهة والده كخصم يمثل القبيلة المعادية، سعت خضرة الشريفة إلى منعهما من محاربة بعضهما الآخر وحلت جميع الخلافات.

 

مريم العذراء

يشير هلال إلى أن قصة خضرة الشريفة تعكس بعض ملامح قصة السيدة مريم العذراء، موضحًا كيف ثبتت براءة السيدة مريم من اتهامات قومها عندما تحدث السيد المسيح وهو رضيع للدفاع عنها.

 

الأميرة ذات الهمة

تروي الملحمة أن الأميرة ذات الهمة كانت مقاتلة عظيمة رفضت الزواج من أي شخص لا يليق بها. وبعد أن قتلت 700 فارس من جيش والدها، تقدموا لخطبتها وخسروا في مواجهة معها في ساحة النزال، خدعها والدها بأن خدرها وجعلها تتزوج ابن عمها.

يقول هلال: «حملت من ابن عمها ولكنها كانت غاضبة، فأخذت ابنها الأمير عبد الوهاب وغادرت القبيلة لتقاتل الأعداء على حدود فلسطين. وأصبحت هي وولدها بطلي حرب أسطوريين».

 

فاطمة النبوية

هي أم شخصية علي الزيبق الشهيرة. بحسب الملحمة تزوجت فاطمة من حسن رأس الغول الشهير من بغداد. بعد أن خسر عمله بسبب مؤامرة من سيدة تدعى دليلة، ذهب إلى مصر وتزوج فاطمة النبوية. في اليوم الذي أنجبت فيه فاطمة علي، قُتل حسن. حينها استطاعت حماية ولدها وتعليمه الحيل والأفكار التي ساعدته على النجاة والانتقام. عُرف علي بالزيبق أو الزئبق لأنه مثل مادة الزئبق لا يمكن الإمساك به بسهولة، وكان يختفي بسرعة ويجيد فن التنكر. وطوال أحداث الملحمة، كانت فاطمة دائمًا على بعد خطوات من ابنها لتساعده.

 

زبيبة الأميرة الإثيوبية

هي أم الفارس الأسطوري عنترة بن شداد. كانت أميرة إثيوبية ووقعت في الأسر. بعد زواجها من الأمير شداد وحملها بابنه، أنكر الأب نسب الطفل لأن والدته أمة أسيرة.

حرصت زبيبة على تربية ابنها كفارس نبيل وشاعر شهير، أصبح شعره من المعلقات على الكعبة. كذلك كان عنترة بطل قصة حب ملحمية مع ابنة عمه عبلة. وعندما رُفض زواجه منها بسبب لون بشرته، حارب القبيلة كلها وفاز بقلبها وتزوجها.