مستقبل لبنان في ظل المتغيرات الإقليمية

هناك كثير من التغيرات الإقليمية والعالمية تجعل استعادة لبنان للنمط الذي عرفه بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وحتى اغتيال الحريري أمرا شبه مستحيل. أضف إلى أن للبنان الدور أو الرسالة اللذان ما فتئ وسياسيوه يبيعونهما للعالم من أجل استجلاب المساعدات كسد؛ ففي ظل انفتاح دول الخليج وسعيها إلى جعل التسامح بين أبناء إبراهيم من خلال خطوات عملية هدفها استراتيجي أصبح من الصعب جدا تقديم لبنان الذي يعرف أحد أسوأ أزماته الاجتماعية بخلفيات مذهبية على أنه البلد الوحيد في المنطقة الذي يتمتع بقدرة تعايش المسلمين والمسيحيين في نظام سياسي «فريد». أما فيما يخص كونه همزة الوصل بين الشرق والغرب فالأمر مر عليه الزمن وجعلته التكنولوجيا غير ذي جدوى، فاليوم التواصل الاجتماعي هو همزات وصل وجسور عبور بين الثقافات على اختلافاتها وتباعدها.

في قلب المتغيرات الإقليمية التي طرأت على المنطقة تحتل اتفاقات إبراهيم للسلام بين بعض الدول العربية الفاعلة المرتبة الأولى من حيث تأثيراتها الاقتصادية والأمنية أيضا على المنطقة، بحيث يصبح للتعاون بين تلك البلدان وإسرائيل أبعاد تنعكس سلبا على لبنان خصيصا، طالما يسيطر حزب الله على قراراته ويملي عليه سياساته. من هنا يخسر مرفأ بيروت مثلا من أهميته لصالح مرفأ حيفا من الصعب جدا تعويضه، ويخسر لبنان أيضا من مكانته كوجهة سياحية لدى تلك الدول مما يحرمه من مدخول أساسي لخزينته. ومن ناحية أخرى لن يسع لبنان بعد اليوم الاستفادة من الدعم  والمساعدات التي كانت تأتيه من تلك الدول على شكل هبات أو إيداعات مصرفية أو مشاريع إنمائية وذلك بسبب سيطرة حزب الله على البلد. فتلك الدول باتت مقتنعة بأن لبنان أصبح جزءا أساسيا ومهما من مشروع إيراني معادٍ لها وهو لا يستحق منهم أي جهد أو عناء من أجل إنقاذه من أزماته.

ثم هناك أيضا الرغبة الإيرانية في تمكين جبهة الممانعة على أساس مذهبي، من هنا سعيها لفرض تغييرات ديموغرافية، في سوريا مثلا سيكون لها هي الأخرى تأثيرات طويلة الأمد على المنطقة، وعلى لبنان تحديدا، كونه امتدادا لما يعرف اليوم بسوريا المفيدة، وبالتالي ملحق بها وبجبهة الممانعة التي يقودها مرشد الجمهورية الإيرانية.

 

 المؤسف أن اللبنانيين لا يرون الأمور على حقيقتها ولا يريدون الاعتراف بأن خللا ما في نظامهم جعل هذا التحول الخطير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ممكناً

وفي أيام الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة الأميركية تولي المنطقة ولبنان اهتماما خاصا تعكسه كثرة زيارة موفديها ولو أن نصائحهم للموارنة كانت تدور دائما حول ضرورات إحداث تغييرات في بنية النظام، لكنها كانت تضع خطوطا حمراء على مناطقهم وتمنع القوات السورية من إخضاعها، وتلك الخطوط ما لبثت أن سقطت مع سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي مما جعل الولايات المتحدة زعيمة العالم من دون منازع، بحيث لم تعد هناك مناطق لا تستطيع الوصول إليها أو إخضاعها كما حدث بعد 11 سيبتمبر (أيلول)، فاحتلت بسرعة غريبة بلدين هما العراق وأفغانستان. هذا كان قبل بروز العملاق الصيني وقبل استعادة روسيا بعضا من نفوذها وقبل أن تصبح الولايات المتحدة الأميركية بلدا مصدرا للطاقة. هذه التطورات أجبرت العملاق الأميركي على إعادة صياغة أولوياته بالشكل الذي يؤمن لها استمرار تفوقها العالمي ليكتشف صناع السياسات فيها أن الشرق الأوسط لم تعد منطقة نفوذ مهمة لها، خاصة وأن التحول في مصادر الطاقة آت لا محالة.

تراجع الاهتمام هذا برز مع الرئيس أوباما، حيث استعاض عن الدور الأميركي بفكرة تقسيم النفوذ في الشرق الأوسط بين إيران والدول العربية وإسرائيل، بحيث يقوم تنافس بين تلك الدول لا يفضي إلى مواجهة عسكرية. وعلى هذا الأساس أقام الاتفاق النووي مع إيران ورفع عنها العقوبات تحضيرا للدور الذي ظن أنه رسمه لها. من هنا كان غض النظر عن جرائم الرئيس السوري بشار الأسد ضد شعبه والتي ترقى لجرائم ضد الإنسانية أو التقليل من انتهاك إيران لحقوق الإنسان، أو حتى فرض حزب الله سيطرته على لبنان. لذا أن يكون لبنان في المقلب الإيراني لم يعد يشكل عقدة لصناع القرار في أميركا ما عدا البعض منهم الذين تربطهم به علاقة عاطفية لا تمت لحساب المصالح القومية الأميركية بصلة، مثل شينكر أو هيل أو فيلتمان أو روبرت فورد، يضاف إليهم بعض المحللين من أصول لبنانية يرفضون فكرة تحول لبنان إلى حصن إيراني صرف وقبول المجتمع الدولي وحتى الدول الإقليمية بالأمر. فما معنى أن تقبل اليوم إسرائيل وتعترف بحصول حزب الله بصواريخ دقيقة تشكل خطرا على أمنها القومي إن لم يكن اعترافا لهذا الحزب بسيطرته على لبنان؟

المؤسف أن اللبنانيين لا يرون الأمور على حقيقتها ولا يريدون الاعتراف بأن خللا ما في نظامهم جعل هذا التحول الخطير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ممكنا. فالبعض يريد حل تلك الأزمة بنفس الأدوات التي أفضت إلى صراعات وحروب أهلية مكنت إيران في النهاية من فرض سيطرتها على لبنان من خلال حزب الله ومؤسساته وسلاحه وأعماله الإجرامية.

على كل الأحوال أصبحت تلك التغييرات في لبنان وسوريا أيضا عميقة، لا يمكن معالجتها ببساطة بعد اليوم، فهناك شريحة كبيرة من المسيحيين مقتنعون بوجوب الهجرة وترك البلد، خاصة مع تراجع قدراتهم المالية والاقتصادية وعدم وجود دولة يستطيعون الاتكال عليها من أجل مساعدتهم في محنتهم. حتى الشخصيات السياسية التي تمثلهم لا تملك فكرا يستطيع طرح حلول تعيد إنتاج البلد على قواعد صلبة ومتينة وحقيقية غير تلك التي ترتكز على الوهم مثل لبنان «الرسالة». والسؤال الأساسي: ماذا نحن فاعلون إن لم تنهزم إيران؟ الجواب الطبيعي سيكون: ننتظر كما انتظرنا أفول قوة النظام السوري، مما أدى إلى انسحابه من لبنان، ولكن للانتظار كلفة تبدأ من هجرة الأدمغة وصولا إلى هروب الرساميل. كلفة تجعل من جبران باسيل مثلا زعيما مسيحيا. إن لم ير أحد فداحة في هذا الأمر فالانتظار يعني أن التغيير سيكون دائما.