مباركة دولية للحكم الذاتي في الصحراء المغربية

 

   في سعيه الحثيث لترسيخ وحدته الترابية، سجل المغرب في الآونة الأخيرة اختراقا دبلوماسيا كبيرا، تمثل في قيام عدد من الدول العربية والإفريقية ومن القارة الأمريكية بتأكيد اعترافها بمغربية الصحراء من خلال الإقدام على فتح قنصليات عامة لها في كبرى مدن هذه المنطقة العيون والداخلة.

وقد كان لافتا للانتباه أن كل الدول التي أقدمت على هذه الخطوة وغيرها من الدول الأخرى أشارت إلى أن فكرة الحكم الذاتي المقترحة من طرف المغرب منذ سنة 2007 هي الحل الوحيد للنزاع المفتعل حول تقرير مصير تلك المنطقة. فما هي فكرة الحكم الذاتي؟ ولماذا اقترحها المغرب؟ وما هي آفاق تطبيقها؟

يتمثل جوهر الحكم الذاتي في مراعاة بعض الخصائص اللغوية أو الإثنية أو الدينية أو المذهبية لدى مجموعة بشرية تتميز بها قليلا عن بقية الشعب الذي تنتمي إليه، ومنحها تبعا لذلك حق تسيير أمورها وتدبير شؤونها الخاصة وفقا لقوانين وأعراف منبثقة عنها بشكل لا يتعارض ولا يتناقض مع القوانين العامة للبلاد التي تنضوي تحتها.

وقد ارتبطت الفكرة سياسيا كما ارتدت صبغة قانونية مع بدء مرحلة تصفية التركات الاستعمارية غداة الحرب العالمية الثانية، خصوصا بعد أن جرى تضمينها في ميثاق الأمم المتحدة في المادتين 73 و 74 الخاصتين بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتم التأكيد على أهميتها بتوصية الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514.

غير أن تطبيق الفكرة على أرض الواقع لم يكن هينا، إذ تضاربت بشأنها مواقف القوى الاستعمارية مع مواقف مجموعة دول عدم الانحياز ؛ الأمر الذي ساهم في بروز عدة تجارب لتنفيذ الفكرة تختلف من حالة لأخرى حسب التطورات التاريخية والمعطيات الميدانية. تجارب كان فيها الحكم الذاتي مجرد فترة انتقالية، وأخرى ارتدى فيها طابع الاستمرارية.

هذا النوع الأخير هو الذي بادر المغرب إلى طرحه تجاوبا منه مع رغبة عارمة أبدتها العديد من القوى الدولية الكبرى والدول الإقليمية الفاعلة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة اللتان حاولتا كثيرا في الماضي تجسير فجوة الخلاف بين المغرب والجزائر، واصطدمتا بتعنت هذه الخيرة غير المبرر.

كان الهدف من ذلك الطرح هو الخروج من الحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها جهود الأمم المتحدة، وكسر حالة الجمود التي دخلها النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء، خصوصا بعد اعتراف الأمم المتحدة نفسها بفشل لجنة تحديد الهوية في تحديد من لهم أهلية المشاركة في الاستفتاء.

وأثناء تقديم مبادرة الحكم الذاتي برسالة رسمية للأمين العام للأمم المتحدة حرص المغرب على التأكيد بأنها ليست نهائية ولا جامدة، وإنما هي أرضية نقاش مطروحة للتفاوض تحت رعاية الأمم المتحدة وسقف قراراتها ذات الصلة. ولهذا فقد تمت صياغتها بعناوين عامة وواسعة بعيدا عن التفاصيل الدقيقة، ولكن بضمانة من الدولة المغربية تنص على منح ساكنة الصحراء تدبير شؤونها بنفسها من خلال اختيار ديمقراطي لهيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية تتمتع باختصاصات حصرية مهمة، وبتعهد لتوفير الموارد اللازمة لتنمية المنطقة بما يسمح لها بمساهمة فعالة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعموم التراب الوطني.

في هذا السياق وعلى سبيل الاستئناس أشارت المبادرة إلى عدد من مؤسسات الحكم الذاتي المزمع إقامتها، وإلى الاختصاصات التي ستناط بها مشددة على ما يلي:

            *انتخاب برلمان للمنطقة ينتخب بعض أعضائه من ممثلين للقبائل الصحراوية، والبعض الآخر بالاقتراع العام المباشر.

            *يختار هذا البرلمان رئيسا للحكومة الذاتية، له وحده حق اختيار أعضاء حكومته، ويقتصر دور الملك على تنصيبه فقط.

            *إحداث محاكم تصدر أحكامها باستقلالية وفق قوانين يشرعها برلمان الحكم الذاتي.

            *إقامة مجلس اقتصادي واجتماعي خاص بالمنطقة.

            *تدبير شؤون الإدارة والشرطة المحليتين، وتسيير شؤون الميزانية والنظام الجبائي.

            *تشجيع الاستثمارات وتنمية قطاعات التجارة والصناعة والسياحة والفلاحة.

            *إدارة شؤون السكنى والتربية والصحة والشغل والرياضة والرعاية الاجتماعية.

            *تنمية الثقافة بما في ذلك النهوض بالتراث الصحراوي الحساني.

 ومما لا شك فيه، فإن هذه الخطوط العريضة للمبادرة هي التي حدت بمجلس الأمن الدولي إلى اعتبارها في كل قراراته الصادرة منذ سنة 2007 وإلى الآن مبادرة جدية وذات مصداقية من شأنها أن تشكل أرضية صلبة لحل سلمي، واقعي ـ عملي ومتوافق عليه.

 وفي ضوء الدعم الدولي الكبير الذي بات يكتسبه الحكم الذاتي كحل وحيد للصراع في منطقة شمال غرب إفريقيا، فإن المغرب مطالب بالمرور إلى تنفيذه ولو في الحدود الدنيا وعلى صعيد التشريعات، سيما وأن ساكنة المنطقة تؤيده بشدة إضافة إلى العديد من المحتجزين في مخيمات تندوف، الذين أصبحوا هم الأحق بتقرير مصيرهم من خلال السماح بإحصائهم وترك الحرية لهم لاختيار مكان عيش حياتهم.