حركة سفراء لافتة في بيروت... فهل من تسوية لحلّ الأزمة الحكومية؟

الرئيس سعد الحريري يسلّم الرئيس ميشال عون تشكيلته الحكومية

بيروت: لا تزال الترددات السلبية للزيارة 18 لرئيس حكومة لبنان المكلّف سعد الحريري إلى قصر بعبدا تسيطر على الأجواء السياسية اللبنانية، فالزيارة التي انتظرها اللبنانيون كبارقة أمل علّها تحدث خرقا إيجابيا في تشكيل الحكومة، أتت بمثابة ضربة قاضية في العلاقة بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف.

التصريح العالي السقف للحريري من قصر بعبدا، والذي وصف بالأعنف للرجل منذ تكليفه، وما تبعه من حرب بيانات بين بيت الوسط وبعبدا، أكّد أن مسألة تشكيل الحكومة أصبحت في مهب الريح، وأن الانهيار الاقتصادي الذي يضرب لبنان لن يتوقف قريبا.

ولكن بعد «اثنين الانقلاب»، سجّلت مقرات لبنان الرسمية حركة لافتة لسفراء دول أجنبية وعربية في لبنان، أبرزهم السفيرة الأميركية والسفير الفرنسي وسفراء المملكة العربية السعودية والكويت وقطر. وبدأ الحديث عن الدعوة إلى تسوية لتقريب وجهات النظر.

 

الرئيس ميشال عون استقبل السفير السعودي وليد البخاري

اللافت في جولات السفراء، وما انعكس أملا لدى الشعب اللبناني، حرص المجتمعين الدولي والعربي على عدم ترك لبنان وحيدا غارقا في أزمة غير مسبوقة في تاريخه، فمشاهد اللبنانيين على أبواب السوبرماركت وهم يتشاجرون على البضائع المدعومة، وطوابير «الذل» في الأفران وعلى محطات الوقود والتهديد الدائم بالعتمة وغيرهم من المعاناة اليومية للمواطنين باتت تتصدر أخبار وسائل الإعلام العربية والعالمية ومواقع التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، شهدت الأوساط السياسية تلويحا باستياء فرنسي ودولي من أداء المسؤولين السياسيين وفشلهم في تشكيل حكومة، وهناك توجه باتخاذ مزيد من الإجراءات والضغوط على المسؤولين عبر فرض عقوبات على المعطلين.

الموقف الأميركي من الأزمة اللبنانية لم يتغير. ولا مؤشرات تفيد بإمكان تغيير شروط واشنطن أو تبديلها، في مسألة البرامج وطريقة العمل، بمعزل عن التفاصيل والأشخاص والأحزاب والأشكال.

وأيضا تشير المعلومات إلى أن الضغوط الأميركية مستمرة في المرحلة المقبلة. وهناك من يرى في لبنان أن الأزمة أصبحت معلقة على التطورات الخارجية، وما يجري في الإقليم. وتشير التوقعات إلى أن جدية المفاوضات لن تبدأ قبل انتهاء الانتخابات الإيرانية.

ولكن حركة السفراء تشير إلى أن هناك توجها خارجيا لإيجاد مخارج للأزمة اللبنانية، وتشير المعلومات إلى أنّ الأسبوع المقبل سيشهد بحثا لتسوية جديدة ووضع برنامج واضح لشكلها وأهدافها.

وقد حملت هذه الحركة دلالات واضحة عبرت عنها تصريحات السفراء بضرورة «وضع الخلافات جانباً»والذهاب إلى تشكيل حكومة مستقلة تأخذ على عاتقها الإصلاحات وإنقاذ الوضع الاقتصادي وإعادة إعمار البلد، وهو ما انفك يدعو إليه جنبلاط دون أن يستدرك المعنيون بعد ضرورة وحتمية التسوية، التي عاد وتحدث عنها كل بطريقته وبوضوح السفراء المهتمون.

 

البطريك الراعي والرئيس الحريري في بكركي

وفي مقابل حركة السفراء، لا خرق جديدا على خط تشكيل الحكومة، حتى اللقاءات التي تسرّب عنها في الكواليس السياسية، لم تحدث أي خرق، وحده لقاء علني خرق هذا الجمود، وهو استقبال البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في الصرح البطريكي.

اللقاء جاء بعد دعوة تلقاها الحريري من البطريرك إلى عشاء في الصرح، جرى خلاله البحث في آخر التطورات. وفور انتهاء اللقاء، أدلى الحريري بتصريح مقتضب أمام الصحافيين قائلاً: «لبيت دعوة البطريرك الراعي إلى العشاء، وتحدثنا بما يحصل في موضوع تشكيل الحكومة، وزيارة غبطته مهمة لأني أحب أن أستمع إلى وجهة نظره في هذه الأيام العصيبة، وسنستكمل الحديث بعد العشاء».

التحضير لهذا اللقاء بدأ منذ أيام، وتفعّل بعد فشل اللقاء الأخير بين رئيس الجمهورية ميشال عون والحريري، وعدم الاتفاق على تشكيل حكومة، وتدهور العلاقة بينهما على نحو متأزم ومتوتر، بفعل السجالات التي حصلت بينهما. وعلى أثر هذا الخلاف، أرسل الحريري مستشاره غطاس خوري للقاء الراعي وشرح وجهة نظره، باعتبار أن عون هو الذي يعرقل المبادرة الفرنسية، ويعطل عملية تشكيل الحكومة، بسبب المطالب التي يطرحها.

في اللقاء بين الراعي وخوري، جرى البحث في إمكانية الوصول إلى أي صيغة جديدة، يمكن من خلالها تشكيل حكومة لحماية لبنان من الانهيار. وكان موقف الراعي متضامناً نسبياً مع الحريري. وهو رفض سابقاً الأسلوب الذي تعاطى به عون مع الرئيس المكلف عند تسريب أحد مقاطع الفيديو الذي يصفه فيه بالكاذب. وحينها أدان الراعي هذا التصرف. كذلك عبر الراعي عن استيائه من اختراق عون للدستور، وإرسال لائحة تشكيلة حكومية مقترحة للحريري مطالباً إياه بتعبئتها.

أراد الحريري أن يشكر الراعي على موقفه، كذلك أبلغه تأييده لمواقفه الداعية إلى الحياد، وإبعاد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية. كما أنه يصر على التنسيق معه في المرحلة المقبلة.

أوساط التيار الوطني الحر حاولت أن تسوّق أن اجتماع البطريرك- الحريري كان سيئا وأن البطريرك أبلغ الحريري موقفا حازما بخصوص حقوق المسيحيين.

مستشار الحريري الوزير السابق غطاس خوري ردّ على هذا الكلام، بأن البطريرك الراعي تحدّث في لقائه مع الرئيس الحريري «عن حقوق كلّ اللبنانيين وليس حقوق المسيحيين».

وفي هذا السياق أكّدت مصادر بكركي لـ«المجلة» أنّ هذا الكلام الذي صدر عن أحد نواب التيار الوطني الحرّ ليس صحيحا على الإطلاق، فالبطريرك يطالب بحقوق كافة اللبنانيين وليس فقط المسيحيين.

وأضاف المصدر: «الاجتماع بين البطريرك الراعي والرئيس الحريري كان ناجحا جدا، وتخلله عرض لآخر التطورات في شؤون الحكومة، واتفق الطرفان على تفعيل الاتصالات على أمل أن تؤدي إلى تشكيل حكومة في أسرع وقت لإنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية».