هل تفضي المبادرة السعودية تجاه اليمن إلى «اتفاق طائف» جديد؟

جدة: يتزامن طرح المبادرة السعودية لوقف الحرب في اليمن مع حلول الذكرى السابعة لانطلاقها في 26 مارس (آذار) عام 2015، وللمفارقة، فإنها تتزامن أيضاً مع زيارة تاريخية قام بها جورج بوش، نائب رئيس الولايات المتحدة- آنذاك- في الشهر ذاته عام 1986 لتدشين أول مصفاة نفطية لشركة «يمن هنت الأميركية للنفط»في مدينة مأرب بحضور الرئيس الراحل علي عبد الله صالح بسعة تكريرية بلغت 12500 برميل يومياً («الجمهورية العربية اليمنية: سياسات التنمية 1982-1986»للمؤلف روبرت بوروز).

مأرب ذاتها، الغنية بالنفط والغاز، والتي يدور فيها صراع عنيف حالياً بعد أن كانت تمثل نموذج الاستقرار والتنمية الناجحة للتحالف العربي، الذي كان يؤمل تعميمه على باقي المحافظات اليمنية؛ بعيداً عن سيطرة الميليشيات والأحزاب وصراعات قوى الجنوب المائلة نحو الانفصال.

تتنوع أهداف المبادرة السعودية وتوقيتها، ولماذا تجاهلت المملكة رد ميليشيات أنصار الله الحوثيين بأنه «لا جديد فيها، وأنها ستواصل القتال للاستحواذ على مزيد من المناطق. وهل هذه المبادرة مقدمة للخروج من اليمن؟ وما هو البديل في حال تعنت الأطراف اليمنية المنخرطة في الأزمة؟».

 

وزير خارجية السعودية فبصل بن فرحان آل فرحان

 

لماذا المبادرة؟

إنها مبادرة حوارية منسقة مع الأمم المتحدة والإدارة الأميركية، تفتح ثغرة في الوضع المتجمد (الستاتيكو) اليمني. إن طول مدة الحرب وتفاقم الوضع وتزايد الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة المفخخة على المنشآت الحيويّة السعوديّة من جانب قوى الأمر الواقع في الشمال اليمني، وصلت إلى تهديد أمن الطاقة العالمي عبر استهداف المنشآت النفطية، وكذلك التأثير على حركة المطارات.

هناك سبب آخر يتمثل في ضعف فعاليّة الحكومة اليمنية في ضبط الأوضاع على الأرض وتقليص دور الميليشيات أو على الأقل التوصل إلى تفاهمات مع بقيّة الأطراف (حتى المنضوية في الحكومة اليمنية نفسها!) مع انزلاق الأمور نحو حرب أهلية، فالقتال الجاري على الأرض حالياً في مأرب وغيرها من الجبهات، هو بين أطراف يمنية. بالتأكيد ليست هناك رغبة سعودية في أن تكون طرفاً في حرب أهليّة في حديقتها الجنوبية الخلفيّة، وأن تخسر العتاد والمال والرجال فيها.

كما تسعى الرياض بشكل جاد إلى تحسين الواقع الجيوسياسي عبر سحب البساط من تحت الأطراف الإقليمية ذات الخلاف العميق مع المملكة في سبيل احتواء جميع الأطراف اليمنية والحرص على انضوائها في تسوية مشتركة، ويتضمن ذلك ميليشيا أنصار الله الحوثيين وغيرهم.

وأجاب السفير السعودي في اليمن، محمد آل جابر، في لقاء تلفزيوني مع قناة «روسيا اليوم»في 24 مارس (آذار) الجاري عند سؤاله عما إذا كان يمكن دعوة الحوثيين إلى الرياض أو سلطنة عمان من أجل إجراء محادثات مباشرة للوصول إلى حل تسوية، بقوله: «نحن نرحب بأي أطراف تريد السلام. وإذا رغبت الأطراف اليمنية أن تكون في الرياض، فإن الرياض ترحب بهم». كما أكد أن الحوار مع الحوثيين جرى في سنوات سابقة في الرياض وفي مدينة ظهران الجنوب.

 

عناصر من قوات ميليشيا الحوثي

 

عبء ثقيل

تتحمل الرياض عبئاً إنسانياً كبيراً نتيجة الحرب اليمنية، إذ تستضيف المملكة حالياً أكثر من 500 ألف يمني من الفارين من اليمن خلال سنوات (غير المقيمين النظاميين بشكل دائم) بحسب السفير آل جابر. كما أصدرت السفارة السعودية في اليمن أكثر من 90 ألف تأشيرة عمل لليمنيين عبر سفارتها في عدن في الأشهر الثلاثة الأخيرة. كما أن السعودية تتحمل أعباء أخرى في توفير الدعم الاقتصادي والإغاثة الإنسانية، فقد أنفقت السعوديّة أكثر من 17 مليار دولار خلال السنوات الست الأخيرة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

إن تطبيع الأوضاع الاقتصادية بعد السياسية، سوف يساعد في تخفيف الأعباء الإنسانية عن المملكة عبر إعادة الإعمار، وكذلك تحويل متلقي المساعدات الحاليين من النازحين والمهجرين والمهاجرين إلى موظفين وعاملين، يساهمون في البناء وإصلاح أحوال البلاد.

كما أن السعودية، تحتضن الملايين من المغتربين اليمنيين وبينهم رجال أعمال وأصحاب رؤوس أموال. إن رفع أوزار الحرب وتسوية الوضع السياسي، سوف يشجع تلك الأموال أو جزءاً منها إلى العودة، حيث ينبغي أن تكون من أجل خلق المزيد من فرص العمل والعودة إلى الحياة الطبيعية.

والأهم من ذلك، وقبل كل شيء، هو عودة الرئاسة والحكومة والقيادات اليمنية بشكل كامل إلى اليمن لإدارة شؤون البلاد؛ حتى يدير اليمنيون بلادهم بأنفسهم من قلب جمهوريتهم، وليس من مكان آخر.

 

مناورة واختبار

يقول السفير السعودي آل جابر إن جماعة أنصار الله الحوثيين: «لم يرفضوا المبادرة بشكل صريح». إن الردود الأولية من الطرف الحوثي بأنه لا جديد في المبادرة، ليست سوى مناورة في البازار السياسي، ربما لتكبير حصتهم في أي اتفاق تسوية في حال تقدم الأمور على الشكل المطلوب أو التشاور مع حلفائهم الإقليميين في طهران.

كثيراً ما يردد الحوثيون أنهم لا يتلقون الدعم المادي والعسكري من طهران، وأن الأمر يتوقف على تقديم الدعم المعنوي والسياسي. ويركزون بشكل كبير على أن الجماعة الحوثية، بشقيها السياسي (أنصار الله) والعسكري (اللجان الشعبية)، مستقلة تماماً، وأن الأسلحة التي يستخدمونها ويطورونها هي من مخزون الجيش اليمني الذي راكمته الحكومات اليمنية السابقة عبر العقود. إن المبادرة السعودية هي بالون اختبار لصحة ذلك.

إن تقدم المبادرة السعودية، يجرد الطرف الإيراني من الاستفادة من الوضع القائم في استنزاف المقدرات السعودية وإظهار المملكة كدولة يمكن التجاوز بحقها واستنزافها. كما أنه يوقف التهديدات بمزيد من الاعتداءات ومحاولات التشويش على صورة المملكة كمصدر آمن للطاقة منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ويقول مراقبون إن استمرار الصراع في اليمن وانتقال حرب المسيرات إلى المملكة بكثافة لافتة، يأتي في إطار معركة «منخفضة التكلفة»بالوكالة من الجانب الإيراني. وعلى عكس الحالة السورية، التي انخرطت فيها إيران داخل سوريا بالمال والرجال والسلاح وتكبدت ولا تزال خسائر هائلة، فإن الحالة اليمنية، لا تكلف إيران أي رأسمال بشري، مما يعني أن استمرار الصراع وتزايد الاعتداءات بالطائرات المسيرة، وضع مثالي بالنسبة لها.

 

البديل الآخر

يتوقع المراقبون أن فرص نجاح المبادرة السعودية ممكنة، وقد ظهرت بوادر مبشرة، فقد توقفت اعتداءات الطيران الحوثي المسير على المنشآت السعودية، فيما حصل تفاهم على تجاوز مشكلات سفن المشتقات النفطية الواردة إلى ميناء الحديدة الخميس الماضي، ووصلت 4 سفن إلى الميناء، الذي تعطل وصول السفن إليه بسبب مخالفة بنود اتفاق استكهولم.

كما أن هناك أجواء إيجابية وتفاؤلاً ملحوظاً لدى الرياض في تجاوب الطرف الحوثي، مما يعني أن الأمور قد تصل خواتيمها السعيدة قريباً.

إن تفويت فرصة المبادرة السعودية، يعني مزيداً من تفاقم الأوضاع وتثبيت أوضاع غير عادية لدى الجارة الجنوبية للسعودية، وكذلك حصول مزيد من الاعتداءات بالطيران المسير على المملكة.

باختصار، يمكن أن تمهد الطريق أمام «اتفاق طائف»جديد، يوقف الحرب كما حصل مع الأطراف اللبنانية عام 1989 أو أن الأمور قد تصل إلى ما لا تُحمد عقباه.