«المجلة» تنشر كواليس معركة كوباني

كوباني نزفت الدماء دفاعاً عن الخير بمواجهة «داعش»
مقاتلات كرديات من وحدات حماية المرأة («المجلة»)

القامشلي: أحدثت معركة مدينة كوباني التي نشبت منتصف شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2014، على خلفية محاولات تنظيم داعش آنذاك السيطرة على المدينة الكردية السورية الواقعة على الحدود مع تركيا، تطوّراتٍ كبيرة في المسألة الكردية في سوريا والشرق الأوسط عموماً، نتيجة المقاومة الشرسة التي أظهرها مقاتلون من وحدات حماية الشعب، والمرأة الكردية، واللتين أسستا لاحقاً مع حلفائهما المحليين، «قوات سوريا الديمقراطية»في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2015.

بدأت معركة مدينة كوباني الشهيرة بعد أشهرٍ من محاولات التنظيم المتطرّف التقدّم في ريف المدينة، التي تُعرف أيضاً بـ«عين العرب»والتي كان داعش يحاصرها من عدّة جهات قبل هجومه العنيف عليها بأشهرٍ طويلة. وكذلك بعد ارتكابه لمجازرٍ فظيعة في أرياف المدينة التي خلت من سكانها بعد فرارهم منها، حيث كان يخشى أهلها تكرار تجربة سبي النساء المريرة التي حصلت مع الكرديات الإيزيديات بمختلف أعمارهن في منطقة سنجار/شنكال، شمال غربي العراق، في أغسطس (آب) عام  2014، حين اختطف داعش الآلاف منهنّ قبل أكثر من شهر على محاولاته دخول مركز كوباني.

 

من شارك في القتال ضدّ داعش في كوباني؟

لقد قاتل في كوباني جنباً إلى جنب، أكراد سوريون، وآخرون من تركيا، وإيران، وأيضاً دخلت قوات البيشمركة التي تعد بمثابة جيش إقليم كردستان العراق، على خطوط المواجهة، بعد أن سمحت تركيا بمرورهم عبر أراضيها للوصول إلى مدينة كوباني السورية. وكذلك شارك في هذه المعركة إلى جانب الأكراد مقاتلون أمميون، وأيضاً سوريون كانوا يؤمنون بمشروع الوحدات الكردية في الدفاع عن مدنٍ سورية كان تنظيم داعش يحاول السيطرة عليها.

صمد المقاتلون الذين كان يفصلهم عشرات الأمتار فقط عن عناصر داعش لأسابيع داخل مدينة كوباني، وكانوا قد قطعوا عهداً بعدم تركها في يد التنظيم المتطرّف مهما كلّف ذلك من دماء، وكانوا جميعاً يقاتلون بأسلحة خفيفة، مقارنة بتلك التي استحوذ عليها التنظيم من الجيشين السوري والعراقي، بعد تمدده الواسع ضمن الأراضي السورية والعراقية في تلك الفترة.

حازت مدينة كوباني نسبة كبيرة من الاهتمام، عربياً وعالمياً، نتيجة المقاومة الفريدة من نوعها والبسالة في القتال التي أبداها المدافعون عنها، وبينما كان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس وزرائه حينها أحمد داود أوغلو ينتظران سقوط المدينة في يد داعش، كان أولئك المقاتلون يصرّون على عدم الاستسلام، فانضمّ للقتال عدد من المسؤولين المدنيين من الأكراد ورفضوا الخروج من المدينة. وكان من بينهم آسيا العبد الله، الرئيسة المشاركة السابقة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، والرئيس المشارك الحالي للحزب أنور مسلم، وآخرون.

المتحدث الرسمي باسم وحدات حماية الشعب (يسار) («المجلة»)

معركة كوباني منعت تمدد أخطر تنظيم في العالم

نوري محمود، المتحدّث الرسمي باسم وحدات حماية الشعب، التي تعد من أبرز الجماعات المسلّحة المؤسسة لقوات سوريا الديمقراطية، قال إن «معركة كوباني بالنسبة إلى وحدات حماية الشعب كانت معركة إثبات وجود من حيث المبدأ والهدف والمسؤولية الواقعة على عاتقنا، والتي أوكلنا بها من قبل شعبنا وثورتنا. لقد أوضحت هذه المعركة تعريف ثورتنا ليس للأكراد وحدهم، وإنما للمكونات السورية الأخرى وأيضاً للعالم بأسره».

قاتل في كوباني جنباً إلى جنب، أكراد سوريون، وآخرون من تركيا، وإيران، وأيضاً دخلت قوات البيشمركة التي تعد بمثابة جيش إقليم كردستان العراق، على خطوط المواجهة

وأضاف لـ«المجلة» أن «هذه المعركة كانت نقطة توحيد الشعب الكردي مع المكونات السورية الأخرى التي اتفقت على قتال تنظيم داعش الذي كان ولا يزال يشكل تهديداً على العالم أجمع، كما أن معركة كوباني هي أيضاً الأولى من نوعها، فقد كانت هذه المدينة عصيّة على التنظيم الإرهابي وكانت وحداتنا العسكرية تقف عائقاً في وجه تمدده في وقتٍ لم تبدِ فيه أي من جيوش المنطقة كالجيشين العراقي والسوري رغم جاهزيتهما وقوتهما المنظمة، أي مقاومة أمام إرهابه. لم يلتزم كلا الجانبين في ذلك الوقت بواجباتهما الدستورية في حماية شعوبهما، بل عملا لصالح مصالحهما الخاصة وتركا داعش يتمدد بحرية ويمارس الإرهاب خاصة بحق الأقليات في سوريا والعراق، ولذلك قمنا في وحدات حماية الشعب والمرأة بتنظيم أنفسنا كقوة مكونة من الشعب لمواجهة أخطر تنظيم إرهابي في العالم».

وتابع: «بينما كنا نحارب داعش في معركة كوباني في ذلك الوقت، كانت بعض الجهات الدوليّة تقوم بتقديم الدعم الكامل إلى بعض الجماعات المسلّحة السورية التي كانت قد استغلت (الثورة السورية)وحوّلت (الجيش الحر)إلى جماعات متطرفة هدفها نشر آيديولوجيات متشددة والدمار وثقافة القرصنة والعصابات. لكن في مقابل ذلك، كنا موجودين، واستطعنا تثبيت وجودنا كقوات لحماية الشعب في معركة كوباني وتقديم صورة واضحة عن أنفسنا للآخرين».

قوات سوريا الديمقراطية أعلنت عن القضاء النهائي على تنظيم داعش داخل الأراضي السورية أواخر مارس (آذار) 2019

الكرديات يمثلن مقاومة العصر بالنسبة للمرأة

واعتبر محمود، أن معركة كوباني كانت قتالاً بين «الخير والشر، وبين النور والظلام، ولذلك كان يدوّن المدافعون عن هذه المدينة ملحمة من الشجاعة»، لافتاً إلى أن «أقسى مشاهداتي في معركة كوباني كانت رؤية مسقط رأسي وهي تُدمّر وتبدو خالية من أهلها، لكن أيضاً كنت أشاهد المقاومة البطولية التي باتت اليوم في ذاكرتي وذاكرة العالم،  فقد أضحت كوباني كذلك مثالاً في تخطي التحديات ومحاربة الإرهاب».

وعن مشاركة الكرديات في معركة كوباني، قال المتحدث باسم وحدات حماية الشعب إن «الدور الكبير للمرأة الكردية في معركة كوباني كان من أعظم الأشياء التي رُسِخت في ذاكرتي. ونعلم  جميعاً أن المرأة كانت من أكثر ضحايا داعش، لكن في كوباني كانت الأكثر تأثيراً في خسارته، حيث كان للمرأة الكردية الدور القيادي والأكثر فعالية في حربنا للقضاء على تنظيم داعش، ومعركة كوباني كانت أيضاً نقطة انطلاق لدور المرأة الكردية في العصر الحديث في تأسيس قواعد لبناء مجتمع سليم يقوم على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في المجتمع الكردي. يمكنني أن أقول إن مقاومة كوباني كانت مقاومة العصر بالنسبة للمرأة في العالم».

 

التحالف الدولي يدعم وحدات حماية الشعب

وأضاف: «أما على الصعيد العسكري، وبعد صمودنا في معركة كوباني، فقد قامت قوات التحالف الدولي بالتواصل المباشر مع وحدات حماية الشعب، وكان هذا أيضاً أمراً لافتاً، ففي المراحل السابقة مثلاً عندما كان المجتمع الدولي يقوم بتقديم الدعم لمسلحي (الثورة السورية)كان ذلك يتمّ عن طريق وسيط هو تركيا، لكن بعد معركة كوباني اتخذت قوات التحالف خطوة مباشرة بالتواصل مع قواتنا وتأسيس آلية عمل مشترك، وقد غضت النظر عن الانتقادات السلبية التي كان يوجهها النظام التركي إلينا بهدف وقف هذا التعاون معنا في معركتنا ضد الإرهاب».

وتابع أن «انتصارنا في معركة كوباني، وهذا التعاون بين التحالف الدولي ووحدات حماية الشعب كانت خطوة إيجابية لفتح المجال أمام مشروعٍ مستقبلي قوي يخدم جميع مكونات الشعب السوري دون تأثيرات من القوى الإقليمية. أي التعامل المباشر مع إرادة الشعوب وليس مع الدول الوسيطة أو العمل لصالحها».

عائشة أفندي، زوجة القيادي الكردي المعروف صالح مسلم (وكالة هاوار الكردية)

 

قيادية كردية: معركة كوباني أحدثت تغييراً في المقاومة

أما عائشة أفندي، الرئيسة المشاركة لمجلس عوائل الشهداء، فقالت لـ«المجلة»إن «المقاومة التي أبداها المدافعون عن كوباني، لم تكن وليدة العقد الأخير، بل كانت نتاج نحو 40 عاماً من فكر وفلسفة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان»، المعتقل في جزيرةٍ تركيّة منذ عام 1999.

وتابعت السيدة الكردية التي كانت موجودة على الأرض، خلال معركة كوباني، ولكن اقتصر دورها في المجالين اللوجيستي والمعنوي: «لقد أحدثت معركة كوباني تغييراً في المقاومة، بحيث أصبحت أكثر تنظيماً كنظام المجالس والكومينات، وأيضاً رفعت من قيمة المرأة من خلال دوراتٍ اجتماعية وعسكرية تعد من صلب الأفكار التي يطرحها الزعيم أوجلان»، الذي مكث لسنواتٍ طويلة في سوريا.

وأردفت أفندي زوجة القيادي المعروف صالح مسلم أن «معركة كوباني أوصلت المرأة إلى مكانة مرموقة مكنتها من دخول كل الميادين، خاصة العسكرية، للدفاع عن النفس، ولذلك تأسست وحدات حماية المرأة بعد مواجهتها لظلمٍ كبير من قبل المجتمع وسلطة الرجل، وكان هذا التحوّل سبباً في مقاومة شرسة أبدتها ضد الطغاة. لقد شارك في حرب كوباني كرديات من مختلف أجزاء كردستان المقسّمة منذ اتفاقية سايكس- بيكو، للدفاع عنها في وجه تنظيم داعش».

 

الأمهات الكرديات يرفعن شعارا واحدا هو المقاومة حتى النصر

وأشارت زوجة القيادي صالح مسلم إلى أن «دماء أبنائنا في كوباني كسرت اتفاقية سايكس- بيكو بعد مشاركة كردياتٍ وأكراد من مختلف أجزاء كردستان في معركة واحدة للدفاع عن هذه المدينة. وكان ذلك يتمّ لأول مرة. في كوباني أيضاً توحّدت القوى الكردية، وكان هذا أمراً لم يحصل في السابق. لقد جاء الأكراد من مختلف الدول للمشاركة في مقاومة كوباني التي هي امتداد للمقاومة الإنسانية ضد الظلم والطغاة».

كما أوضحت أفندي التي فقدت ابنها شرفان حين كان يقاتل ضد تنظيم داعش قبل سنوات أن «الأمهات الكرديات في مختلف أنحاء كردستان ترفعن شعارا واحدا هو المقاومة حتى النصر، ولذلك قاومت الكرديات في كل مكان، كما في جنوب كردستان (إقليم كردستان العراق)، وأيضاً في عفرين قاتلت الكرديات لنحو شهرين ضد الجيش التركي. ولهذا ترفع الأم الكردية شارة النصر دوماً لدعم مقاومة أبنائها».

وشددت على أن «مقاومة روجآفا»(شمال شرقي سوريا بالكردية)، أُنشئت على ميراث الشهداء وتضحياتهم وكانت تعتمد على الذات. ومع ذلك كنا على يقين أن أولادنا سينتصرون في حرب كوباني لا محالة. كان هناك الكثير من المعاهدات التي حاولت أن تحطم الأكراد، لكنهم ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل بقائهم على قيد الحياة».

 

انكسار داعش بدأ في كوباني ولكنه لم ينته

وكشفت أفندي أن «المشاركين في مقاومة كوباني خلال أيامها الأولى، كان عددهم قليلا جداً ويعدون على الأصابع، وكان هناك نحو 3000 مدني تقريباً بقوا على الحدود لحمايتها من دخول داعش. إن الإرادة المستمدة من الشعب جعلتنا نستمر في المقاومة. في كل دقيقة كنا نحمل شهيدا جديدا. السلاح والعتاد الذي كان لدى المقاتلين كان بسيطاً جداً كبنادقٍ روسيّة ومدفع واحد صغير كانوا يأخذونه في كل الاتجاهات. كنا ندرك أن هذا السلاح والعتاد لن يصمد أمام قوة الدبابات والأسلحة الحديثة لدى داعش، لكن بالإرادة والعزيمة كنا متأكدين من النصر. وعندما أدركت القوى العظمى أن هناك إرادة ومقاومة لا مثيل لها على الأرض ومن خلال جملة من العمليات الفدائية لمواجهة الدبابات كالتي نفذتها الفدائية آرين ميركان وأخرى في مدرسة سرزوري وواحدة في البناية البيضاء، حيث قاتل كل هؤلاء حتى الشهادة في هذه الأمكنة. حينها بادر المجتمع الدولي لمساعدتنا، وكان إردوغان في كل دقيقة يقول سقطت كوباني».

وتطلّ تلّة مشتنور على مدينة كوباني، وهو المكان الذي قامت فيه المقاتلة الكردية آرين ميركان بعمليةٍ فدائية، لتحمي العشرات من رفاقها، حين فجّرت نفسها بدبابةٍ لمقاتلي تنظيم داعش. وتكررت مثل هذه العمليات في مدرسة قرية سرزوري التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن مدينة كوباني عند الحدود الإدارية لمدينة تل أبيض. أما «البناية البيضاء» التي نفّذ فيها أيضاً مقاتلون من وحدات حماية الشعب عمليةٍ فدائية، فتقع ضمن مركز مدينة كوباني.

وتابعت أفندي في هذا الصدد: «على هذا الأساس نحن نرى أن انكسار داعش بدأ في كوباني والتي كان عناصر التنظيم يطلقون عليها (عين الإسلام). كانت معركة كوباني بداية النهاية لداعش، حيث حُطمت فيها معنويات مقاتليه، حتى إنهم قالوا إنهم ندموا على الهجوم على كوباني. رويداً رويداً ومن خلال هذه المقاومة تحررت كوباني ومدن أخرى مثل منبج، والرقة عاصمة داعش حينها، ومناطق أخرى. كان هناك دعم من التحالف الدولي، لكن لو لم تكن هناك إرادة قوية من قبل المقاتلين لم نكن لننتصر. كان داعش قد سيطر حينها على مناطق شاسعة في سوريا والعراق وأتى منها بأسلحة كبيرة هاجم بها المدنيين، لكن مقاومة وإرادة وعزيمة القوات وخصوصا المرأة في كوباني هزمت داعش وغيرت من المفاهيم التقليدية للمرأة في الشرق الأوسط وأصبحت المرأة تقاوم وتنهض من الظلم وتغيرت الخريطة السياسية والجغرافية في المنطقة، لكن لم ينتهِ داعش بعد، فهناك خلايا نائمة له في عدة مناطق ويوجد له دعم من قبل أطراف عديدة منها دول تساعده، لكن في النهاية نقول سوف نبقى على درب شهدائنا الأبرار ونجدد العهد لهم دائماً بالاستمرار في المقاومة حتى القضاء على داعش كلياَ».

حزب الشعوب الديمقراطي: أنقرة تبدو كما لو أنها تدافع عن داعش، ولذلك فتحت تحقيقاتٍ ضد أعضائه الذين نظموا تلك المظاهرات الغاضبة

وقالت أيضاً: «إننا كشعب كًردي أثبتنا وجودنا بإرادتنا ومقاومتنا لأعتى تنظيم إرهابي. والقوة التي كانت على الأرض باتت معروفة دولياً بعد مقاومتها الباسلة. من لا شيء صنعنا كل شيء، ولذلك نحن متيقنون كأكراد وجميع المكونات في هذه المنطقة من أننا لن نتراجع عن تحقيق طموحاتنا وبأيدي أبنائنا».

وطالبت أفندي، المجتمع الدولي بتقديم الدعم السياسي والثقافي والاجتماعي للمناطق التي يسيطر عليها المقاتلون الأكراد في شمال وشمال شرقي سوريا مع حلفائهم المحليين من مجموعاتٍ مسلّحة عربية وأخرى سريانية وأرمنية، على غرار الدعم العسكري الذي يحصلون عليه.

وأضافت في هذا الصدد: «إلى الآن، لا يوجد أمان كافٍ في منطقتنا، كل يوم لدينا شهداء، لكن ليس أمامنا سوى المقاومة حتى النصر. نحن جديرون بذلك».

 

مقاتلات كرديات من وحدات حماية المرأة («المجلة»)

 

مشاهدات حيّة من صحافي شاهد على معركة كوباني من البداية للنهاية

ومن جهته، قال باران مسكو، وهو صحافي كردي ينحدر من مدينة كوباني ولم يغادرها خلال هجوم تنظيم داعش عليها: «عندما بدأت حرب كوباني، كنا نقوم بتغطية الأحداث من البداية للنهاية. قبل انتقال القتال إلى داخل المدينة، كنا نذهب إلى نقاط القتال، لكن مقاتلي داعش وصلوا مبكراً إلى كوباني بسبب حجم قوته الكبيرة مقابل السلاح المحدود لمقاتلي وحدات حماية الشعب».

وأضاف لـ«المجلة»: «باتت الحرب داخل المدينة وتحوّلت إلى مواجهات قوية وعنيفة، حتى بقي تحت سيطرة وحدات حماية الشعب 20في المائةفقط من مساحة كوباني كحيّ الجمارك وبعض المناطق الأخرى مثل شارع المحطة. كنت حينها موجوداً على الحدود مع تركيا، لكن كنت أدخل المدينة بين الحين والآخر، وكانت معنويات المقاتلين عالية ضمن كوباني. كانوا فدائيين، يقاتلون وحدهم».

وتابع: «كنت أرفض مغادرة المدينة، ولذلك كنت أنام على الحدود مع المدنيين الذين كانوا ينامون إما في سياراتهم أو على الأرض أو في خيامٍ بدائية قرب السياج الحدودي بين سوريا وتركيا. وكان بيننا وبين مقاتلي داعش نحو 150 متراً. كنا في أغلب الأوقات لا ننام، نتابع الوضع، نتواصل مع المقاتلين، نشاهد الأخبار وننشرها وأحياناً كنا ندخل المدينة للتصوير، كذلك عملت مع منظمات إنسانية لتوزيع الطعام على المدنيين الموجودين على الحدود».

وأشار إلى أن «حياتنا كانت بهذا الشكل حينها، وكنا نقوم أيضاً بتوزيع بعض المساعدات البسيطة كالأغطية والأدوية. وقمنا لاحقاً بتشكيل نقطة طبية بعد سقوط قذائف لمقاتلي داعش بيننا. وكان معنا من يعرف بأمور الإسعافات الأولية. ومع ذلك كان هناك جرحى فقدوا حياتهم حينها لقلّة الإمكانيات الطبية. في حين كان الفريق الطبي ينقل البعض الآخر إلى تركيا لتلقي العلاج. وفي تلك الفترة لم نتمكن من دخول المدينة لوجود قنّاصة في كل مكان، لكن مقاومة أبطالها غيّرت المعادلة، بحيث لم تسقط كوباني في يد داعش ومنها كانت نهاية التنظيم الإرهابي».

وتجدر الإشارة إلى أن معركة كوباني ساهمت في تعريف المسألة الكردية في سوريا وتدويلها، إذ باتوا يُعرفون على نطاقٍ واسع بمقاومة هذه المدينة الصغيرة التي تقع شمال شرقي محافظة حلب السورية نحو 140 كيلومتراً.

ومكن القتال الشرس للأكراد في كوباني، من تواصلهم الدولي، فقد تلا المعركة الشرسة تأسيس قوات سوريا الديمقراطية التي تمكنت من دحر تنظيم داعش من معقله الرئيسي في سوريا بمدينة الرقة. كما تمكنت هذه القوات من السيطرة على مساحاتٍ شاسعة من الأراضي السورية كانت قد وقعت في قبضة التنظيم المتطرف.

ومع أن قوات سوريا الديمقراطية أعلنت عن القضاء النهائي على تنظيم داعش داخل الأراضي السورية أواخر مارس (آذار) 2019، لكن خلاياه لا تزال نشطة في مناطق سيطرتها. وساهم الاجتياح التركي الأخير لمدينتين سوريتين في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، من عودة نشاط مقاتلي التنظيم إلى شمال وشمال شرقي سوريا.

ونتيجة عدم تحرّك المجتمع الدولي لحماية سكان كوباني في الأيام الأولى من هجوم داعش، وكذلك عدم تحرّك أنقرة لإيقاف مرور مقاتليه عبر الحدود، دعا حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في أكتوبر 2014، أنصاره إلى النزول إلى الشارع، حيث شهدت مختلف المدن والبلدات الكردية في تركيا مظاهراتٍ عارمة قُتِل فيها 37 شخصاً على الأقل بعد مواجهاتٍ مع الشرطة.

وقبل عدّة أشهر، فتحت السلطات التركية تحقيقاً مع المئات من عناصر وقادة الحزب المؤيد للأكراد، إذ حملتهم مسؤولية سقوط مدنيين في الاحتجاجات التي شهدتها تركيا قبل نحو 7 سنوات والتي تُعرف اليوم بأحداث كوباني، لكن حزب الشعوب الديمقراطي يؤكد أن أنقرة تبدو كما لو أنها تدافع عن داعش، ولذلك فتحت تحقيقاتٍ ضد أعضائه الذين دعوا لتلك المظاهرات الغاضبة.