الاستثمار في أفيال غابات أفريقيا

150 مليار دولار قيمة الكربون المحتجز بفضل الأفيال

القاهرة: تبلغ القيمة الكربونية لفيل الغابات الأفريقية الواحد 1.75 مليون دولار، كما يبلغ مجموع القيمة الحاضرة للكربون المحتجز بفضل أفيال الغابات الأفريقية أكثر من 150 مليار دولار أميركي، غير أن هنالك مخاوف من انقراض أفيال الغابات الأفريقية.  ففي السابق، كان يجوب غابات وسط أفريقيا المطيرة حوالي 1.1 مليون فيل، ولكن ممارسات إزالة الغابات والصيد الجائر أدت إلى تراجع الأعداد إلى أقل من عشر ما كانت عليه. وتواجه هذه الفصيلة خطر الانقراض على الأرجح ما لم تتخذ الإجراءات اللازمة.

ومعظم من يعيشون خارج وسط أفريقيا يجهلون وجود هذه الفصيلة من أفيال الغابات. وتستحضر فكرة الأفيال الأفريقية في مخيلة الفرد صورة فصيلة مختلفة كتلك التي تجوب السافانا. وبخلاف عدد من المحليين الذي يكرسون جهودهم للدعوة إلى صون الطبيعة وعلماء الأحياء الذين يدرسون هذه الحيوانات، لا يوجد سوى مناصرين قليلين لقضية حماية أفيال الغابات الأفريقية.

لكن أفيال الغابات تقدم العديد من الخدمات على المستوى الاقتصادي والبيئة أيضا، فرغم عدم وجود أي من أشكال السياحة البيئية تقريبا في غابات وسط أفريقيا المطيرة، سواء لأسباب جغرافية أو سياسية، تقدم أفيال الغابات الأفريقية مساهمات ذات قيمة اجتماعية وسوقية كبيرة. فقد اتضح أن هذه الأفيال تحارب تغير المناخ من خلال دورها الكبير في احتجاز الكربون بالطرق الطبيعية.

فالأفيال بمثابة مهندسين للبيئة، لكن هذه العملية التي لم يوثقها علماء الأحياء إلا منذ وقت قريب وتعد عملية استثنائية. فأثناء تجول أفيال الغابات الأفريقية في الغابات المطيرة بحثا عن الغذاء، تتهدم الأشجار الصغيرة التي تستأثر بجزء من الفضاء والمياه والضوء، إما بسبب تغذي الأفيال عليها أو سحقها تحت أقدامها. والأفيال من الحيوانات الضخمة ذات الشهية الكبيرة، وتسهم بالتالي في الحد من كثافة النباتات أينما تحل. غير أن الأشجار التي تنجو عقب سحق الأشجار الأخرى أو التغذي عليها لها ميزة كبيرة مقارنة بغيرها من أشجار الغابات نظرا لأن نصيبها من المياه والضوء أكبر نتيجة تضاؤل النباتات المحيطة بسبب نشاط الأفيال، مما يعني أنها تفوق غيرها من أشجار الغابات المطيرة طولا وحجما. وبالتالي تساهم الأفيال أينما تحل في نمو أشجار أكبر حجما وطولا.

 

وتختزن هذه الأشجار التي يطلق عليها علماء الأحياء اسم الأشجار متأخرة التعاقب كميات أكبر من الكربون في كتلتها الحيوية مقارنة بالأشجار التي كانت تنمو في نفس المكان. وجميع أنواع الأشجار تحتجز الكربون في أنسجتها حوالي 50 رطلا سنويا في المتوسط، ولكن نظرا لأن الأشجار متأخرة التعاقب تعد أكبر حجما وطولا، فهذا يعني ببساطة وجود كتلة حيوية أكبر تساعد في احتجاز كمية أكبر من الكربون في هذه الأشجار، مقارنة بالأشجار التي كانت لتنمو وتنتشر في الغطاء الحرجي للغابات المطيرة.

وبذلك تساهم أفيال الغابات بالفعل في زيادة كمية الكربون المحتجز في الغابات المطيرة من خلال ترجيح كفة الميزان البيولوجي لصالح أنواع معينة من الأشجار، أي إنها تقوم باختصار بدور المهندس البيئي ويؤدي نشاط أفيال الغابات إلى زيادة كبيرة وقيِّمة في طاقة تخزين الكربون.

ويقدر علماء الأحياء أنه في حالة زيادة أعداد أفيال الغابات الأفريقية وانتشارها مجددا على نفس المساحة كما كانت في السابق، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة في احتجاز الكربون قدرها 13 طنا متريا، 1 طن متري في الهكتار الواحد.

 ونظرا لأن أفيال الغابات الأفريقية عاشت في السابق على مساحة 2.2 مليون كيلومتر مربع، ويضم كل كيلومتر مربع 100 هكتار، ويبلغ عدد أفيال الغابات في الوقت الحالي حوالي 9 في المائة من عددها قبل الصيد الجائر، فإن احتجاز الكربون الناتج عن زيادة أعداد هذه الأفيال إلى مستواها السابق قد يعادل أكثر من 6 آلاف طن متري من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلومتر مربع. وهي نفس كمية ثاني أكسيد الكربون التي يحتجزها أكثر من ربع مليون شجرة، أو 14 ضعف الكمية المحتجزة في أشجار حديقة سنترال بارك في مدينة نيويورك.

وبضرب زيادة ثاني أكسيد الكربون المحتجز الناتجة عن زيادة أعداد الأفيال على مساحة 2.2 مليون كيلومتر مربع من الغابات المطيرة في متوسط السعر السوقي للطن المتري من ثاني أكسيد الكربون، أقل قليلا من 25 دولارا أميركيا عام 2019، يبلغ مجموع القيمة الحاضرة للكربون المحتجز بفضل أفيال الغابات الأفريقية أكثر من 150 مليار دولار أميركي.

وبقسمة القيمة الإجمالية للخدمات التي تقدمها أفيال الغابات الأفريقية على عددها الحالي، يتضح أن قيمة الخدمات المقدمة من الفيل الواحد تزيد على 1.75 مليون دولار أميركي.

 

العديد من البلدان التي تسكنها أفيال الغابات مثقلة بالديون

 ومن ناحية أخرى، فإن الأنياب العاجية لكل فيل يلقى حتفه على يد المشتغلين بالصيد الجائر لا تتجاوز قيمتها 40 ألف دولار أميركي، مما يعني أن المنافع المستمدة من وجود قطعان من الأفيال تتمتع بالصحة والنشاط ضخمة للغاية. ولكن لسوء الحظ، تواجه هذه الأفيال مخاطر تهدد وجودها، حيث تدفع بها ممارسات الصيد الجائر وإزالة الغابات نحو الانقراض.

 

التقييم يحفز العمل

وضع رالف شامي مدير مساعد في معهد صندوق النقد الدولي لتنمية القدرات، وكونل فولنكامب أستاذ ممارسات الاقتصاد ومدير الدراسات الجامعية بقسم الاقتصاد بجامعة ديوك، وتوماس كوسيمانو أستاذ فخري في كلية مندوزا لإدارة الأعمال بجامعة نوتردام، وفابيو بيرزاغي، باحث في معمل علوم المناخ والبيئة في مدينة جيف سور إيفيت بفرنسا،  وضعوا إطارا لتقييم الموارد الطبيعية للتصدي مباشرة لمشكلة الافتقار إلى العمل الجماعي في مجال حماية البيئة، فهناك أنواع معينة من التقييم تشجع ملايين البشر على استثمار مدخراتهم في أصول ومشروعات عالية المخاطر على المدى الطويل، بينما تخفق تقييمات أخرى في تحقيق هذا الهدف.

وتعتمد التقييمات التي تؤدي إلى الاستثمار على أخبار موثوقة حول أصول أو مشروعات تحقق عائدا نقديا أو أيا من أشكال الدخل الأخرى لمالكيها، مما يساعد بدوره على وضع توقعات دقيقة للعائد المستقبلي وحساب قيمته النقدية الحاضرة. وإذا ما تجاوزت القيمة النقدية الحاضرة للعائد المستقبلي تكلفة الأصل أو المشروع، فسيستغل المستثمرون الباحثون عن الربح هذه الفرص.

ويمكن استخدام منهج تحليل التكلفة والعائد في حماية نظمنا البيئية والاستثمار فيها لضمان وضعها في نهاية المطاف على مسار مستدام. وإذا ما استطعنا تحديد وقياس القيمة السوقية للخدمات التي تقدمها الموارد الطبيعية، مثل الترفيه والسياحة واحتجاز الكربون، وبالتالى مقارنة القيمة النقدية الحالية لهذه المنافع بتكلفة الاستثمار فيها على غرار الأصول الأخرى.

فالتقييمات الناتجة عن استخدام هذا المنهج لها دور فعال في تشجيع الاستثمارات البيئية لعدة أسباب، أولا، تعكس هذه التقييمات صورة دقيقة عن الخدمات الملموسة التي يتمتع بها المجتمع في الوقت الحالي بفضل مخزون الموارد الطبيعية مما يساعد المواطنين على فهم أهمية هذه الموارد في حياتهم. علاوة على ذلك، فإن ترجمة منافع صون الموارد الطبيعية إلى قيمة نقدية يسمح بمقارنة التكلفة والعائد من منظور مادي بحت، وهو أمر مهم نظرا لأن معرفة القيمة المالية للعائد المتوقع تسهل على الأفراد اتخاذ القرارات.

 

وتمثل هذه الموارد الطبيعية قيمة كبيرة للغاية، لا تبرر فحسب تكلفة صونها بل تثير اندهاش الفرد وتسيطر على مخيلته بمجرد معرفة قيمتها. وتشير بحوث الاقتصاد السلوكي إلى أن الفرد يكون أكثر ميلا إلى شراء المنتجات أو الاستثمار عندما تنتابه هذه المشاعر: فرصة للكسب المؤكد تنشأ عن تقييم منافع فرادى الموارد الطبيعية كالأفيال والنظام البيئي السليم عموما، إذا ما اقترن ذلك بإطار قانوني للإشراف على هذه الموارد وإرساء الحقوق والالتزامات، فرص تضمن تحقيق الكسب لجميع الأطراف المعنية، الحكومة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية والشركاء العالميين. فوجود إطار قانوني ملائم قد يتيح المطالبة بالمنافع الاقتصادية المستمدة من الموارد الطبيعية وتوزيعها.

ويمكن استخدام هذه المنافع كحافز لتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بدعم من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات العالمية، التي تضمن استفادة المجتمعات المحلية من المكاسب المباشرة، وملكيتها للموارد بالتالي.

ومن أمثلة ذلك مبادرة حلول تمويل التنمية المستدامة التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتتضمن إمكانية إبرام عقود لمبادلة الدين مقابل حماية الطبيعة. وبموجب هذه العقود المالية، يوافق المقرضون على تخفيف أعباء الدين أو مدفوعات الدين عن كاهل الاقتصادات النامية مقابل التزام من البلد المدين بحماية موارد طبيعية محددة. فعلى سبيل المثال، نجد أن العديد من البلدان التي تسكنها أفيال الغابات مثقلة بالديون، ويمكن أن تحقق استفادة كبيرة بالتالي من مبادلة ديونها مقابل حماية الطبيعة. وتتحدد قيمة الدين الذي يسقطه الدائن على أساس قيمة الخدمات التي تقدمها الأفيال مقيسة بالأسعار السوقية. وتخصص البلدان هذه الوفورات لصون الأفيال وكذلك تسهيل تنفيذ شراكات بين القطاعين العام والخاص للمساعدة في بناء الأسواق، مثل السياحة والتأمين، المرتبطة بحماية الأفيال والاستثمار فيها. وستوفر هذه الأسواق فرص عمل ودخولا ثابتة في المجتمعات المحلية، مما سيؤدي إلى استدامة جهود صون الطبيعة والشعور بأهميتها للصالح الوطني.

 

مبادلة الديون مقابل حماية الطبيعة على أساس قيمة الخدمات التي تقدمها الأفيال بالأسعار السوقية

ويمكن للمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المالية الدولية تقديم مساعدات تنمية القدرات اللازمة للشراكات بين القطاعين العام والخاص وأسواق التأمين القائمة على الموارد الطبيعية. ويتضح من مثال مبادلات الدين مقابل حماية الطبيعة أن تقييم الطبيعة على أساس المنافع المستمدة منها من شأنه خلق دائرة من الآثار المرتدة الإيجابية، وهو ما يوجه الاستثمارات والمشروعات إلى مسار أكثر قدرة على إعادة تجديد الموارد وأكثر استدامة.

ويتضح من جائحة كوفيد- 19، الناجمة عن فيروس نشأ في إحدى أسواق اللحوم والخضراوات المحلية، أن الطبيعة يمكن أن يكون لها تأثير كلي هائل على العالم أجمع. فقد دقت هذه الجائحة ناقوس خطر لحث العالم على تصحيح مساره. فالدمار الذي ألحقه البشر بالعالم الطبيعي لا يؤدي إلى تقلبات حادة في النظم الاقتصادية فحسب، بل يهدد بقاء الجنس البشري نفسه. ومن ناحية أخرى، يعد ازدهار وسلامة النظم البيئية التي تعج بأعداد تتمتع بالسلامة من أفيال الغابات والحيتان الضخمة وأشجار القرم والمروج البحرية مثالا واضحا على مدى قدرة تقييم الطبيعة والاستثمار في حمايتها على خلق اقتصاد بحري وزراعي أكثر استدامة، والمساعدة في التخفيف من تغير المناخ، ووضع الاقتصادات مجددا على مسار النمو الاقتصادي الشامل الداعم للطبيعة..