عون يعتدي على صلاحيات الحريري

كثيرة هي النقاشات والتحليلات في الإعلام اللبناني عن الخلاف الحاصل بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وعن محاولات عون المستمرة الالتفاف والتحايل على الطائف. واليوم وأكتر من أي وقت سبق، بات الجميع مقتنعا بأن المعرقل الحقيقي لتشكيل الحكومة وتطبيق المبادرة الفرنسية هو رئيس الجمهورية، فكل ما قام ويقوم به منذ عودته من فرنسا عام 2005 هو محاولة «الثأر»من اتفاق الطائف والسطو على صلاحيات الرئاسة الثالثة.

وجد حزب الله في عون ونقمته على الطائف ما يبحث عنه، فمنذ إعلان اتفاقهم الشهير في مار مخايل، تناوب الطرفان على تعطيل المؤسسات والالتفاف على الدستور، مرةً برغبة عون في عدد وزراء أكبر بالحكومات المتعاقبة، ومرة من أجل رغبته الجامحة في العودة إلى بعبدا، فيما حزب الله كان يستغل طموح عون ومن بعده صهره جبران باسيل ليقضم الدولة ومؤسساتها يوما بعد يوم وليضع يده على جميع مفاصل الحكم والحياة السياسية.

منذ زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير (شباط) 2005، لم يعرف لبنان إلا الأزمات، وفي كل مرة كانت الأزمة تأخذ طابعا معينا، إلا أن مسببها في العمق كان واحدا، فكيف لدولة أن تستقيم الحياة السياسية فيها وأن تقوم المؤسسات الدستورية بدورها بينما هناك شريك من ضمن الشركاء يضع سلاحه على الطاولة ويهدد بحرب أهلية إن عارض أحد توجهاته، ويفتح جبهات ويشارك بحروب دون العودة إلى الدولة أو إلى شركائه في الوطن؟

لم يكن اغتيال الحريري مجرد عملية اغتيال لخصم سياسي، بل كانت خطوة ضرورية في سبيل تحقيق المشروع الإيراني للسيطرة الكاملة على لبنان.

ومع ذلك، فإن جميع الحلول التي طرحت منذ 2005 إلى اليوم تلافت وضع الإصبع على موضع الخلل الحقيقي، وهو حزب الله وسلاحه وولاؤه لإيران، ولذلك لم يستطع اللبنانيون الوصول إلى حل دائم، فكل الحلول كانت آنية ولم تصب إلا حيث أراد لها الحزب أن تصب، وحتى طاولة الحوار 2006 التي كان من المفترض أن تجد حلا لموضوع السلاح تم الالتفاف عليها وتمييعها.

عندما بدأت انتفاضة 17 تشرين، حيد جزء كبير من المنتفضين حزب الله وسلاحه عن مطالبهم، حاصرين مطالبهم بمحاربة الفساد والمطالب المعيشية، متناسين أن حزب الله هو المستفيد الأول من غياب الدولة وتآكلها لصالح مشروعه، وما التهريب والمعابر الشرعية وغير الشرعية التي يسيطر عليها الحزب إلا جزء من الهدر والفساد الذي ابتلع أموال الدولة.

وبعد الانهيار الاقتصادي والمالي، وانفجار 4 أغسطس (آب)، أتت المبادرة الفرنسية فتحمس لها الجزء الأكبر من اللبنانيين، ووجدوا فيها حبل خلاص لما يعاني منه بلدهم، وحتى حزب الله أعلن تأييده للمبادرة.

ولكن بعد مضي أكثر من ستة أشهر على زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبيروت وإعلانه عن مبادرته، بات من الواضح أن إعلان حزب الله قبوله بالمبادرة لم يكن سوى للعب على عامل الوقت وإغراق الجميع بالتفاصيل، وليس أفضل من عون وصهره للقيام بهذا الدور والعرقلة.

أمن عون للحزب الغطاء الذي لم يكن بمقدور غيره تأمينه، فهو عدا عن تمثيله لشريحة واسعة من المسيحيين، لا يزال رأس الكنيسة المارونية، وحتى خصومه يعطونه الغطاء ويرفضون المطالبة بإسقاطه باسم الحفاظ على الموقع المسيحي، وبالتالي فهو باعترافهم لا يزال الشريك المسيحي الأقوى لحزب الله.

مشكلة لبنان هي جزء من مشكلة المنطقة، ولن يكون هناك حل وعلاج للبنان وحده، فالسرطان الإيراني يجب أن يتم استئصاله، ولن ينعم لبنان بالاستقرار ما لم تنعم سوريا والعراق واليمن بالسلام. إلى حينه تبقى جميع الحلول أشبه بالمسكنات التي قد يحتاجها لبنان كي لا يتحول إلى سوريا ثانية.