عون والعلاقة مع «موارنته»

هناك جمهور متحمس لعون منذ أن عرفه قائدا للجيش في حقبة حروبه التحريرية والغائية- والتي اتضح فيما بعد عبثيتها- في نهاية الثمانينات من القرن الماضي . هذا الجمهور رأى في استسلام وانكسار «بطلهم»للقوات السورية وهروبه للسفارة الفرنسية من دون أوامر واضحة لجيشه في التوقف عن القتال- ما أدى إلى استشهاد عناصر لبنانية كان يمكن تفاديها- رأى ظلما كبيرا ومؤامرة كونية أرادت النيل من أحلامهم ومستقبلهم و«لبنانهم»الذي جسدها عون. على هذا الأساس ظل هذا الجمهور يتحلق حول «الجنرال المنفي»الذي بنى خطابه على تلك المظلومية بشكل أساسي. جزء من جمهوره، الشاب منهم، لم يعرفه «مطلا ببدلته العسكرية من شباك قصر بعبدا»ومخاطبا جماهير اعتبرها «شعبا عظيما»لمجرد أنهم افترشوا أرجاء القصر مؤيدين لأوهام باعهم إياها، أيدوه كرمز لنضال الاستقلال من الوصاية  السورية حتى اغتيال الرئيس الحريري وانطلاق ثورة الأرز عام 2005.

عندما عاد عون من منفاه ذكر كريم بقرادوني في كتابه «صدمة وصمود»أن تلك العودة حصلت برضا سوري وإيراني ممثلا بحزب الله بعد جولات مفاوضات في باريس تولاها بقرادوني وابن رئيس الجمهورية السابق إميل لحود وغيرهما. هذا التفصيل لم يؤثر على شعبيته عند الموارنة. المهم عاد عون وخاض غمار الانتخابات النيابية ونجح بشكل كبير في استقطاب الناخب المسيحي، ثم أرسى تحالفا مع حزب الله في اتفاق مار مخايل الشهير الذي أمن لعون وجماعته أغلبية الحصة المارونية في الدولة. كل تلك الخيارات التي ناقضت أصلا مواقفه أيام المنفى بشكل فاضح- خاصة في موضوع سلاح حزب الله- لم يؤثر على ولاء جمهوره له بل أصبح أكثر تعلقا به، تشهد على ذلك نتائج الانتخابات النيابية في مناطق تعود الأكثرية فيها للموارنة وكسروان- ترشح هو نفسه نائبا عنها- والمتن الشمالي أيضاً.

 سياسيا لم يكن أداء النائب عون السياسي على الصعيد الوطني بناء، فقد عادى الطائفة السنية وهاجمها بشراسة ووعدها بأن إبراء ذمة زعيمها الحريري مستحيل، كما أنه تحالف مع بشار الأسد «قاتل السوريين»وحزب الله المدرج على لائحة الإرهاب في أكثر من دولة، عادى العرب لا سيما دول الخليج الذين ساندوا لبنان في محنه الكثيرة من خلال تصريحات وزير خارجيته ومواقفه التي أتت مطابقة لسياسات إيران وحزب الله كما عطل مؤسسات الدولة تارة كي يوزر «صهره»وتارة أخرى كي ينتخب رئيسا. لم يفلح في التأسيس لدولة مدنية كما أعلن غالبا بل بالعكس فلم يرَ حرجا في التحالف مع أحزاب دينية تسعى لإقامة «دولتها الإسلامية». كان عنصريا في تناوله موضوع اللاجئين السوريين، كما لم يستطع تحقيق الكثير في الوزارات التي تولاها تياره. لا بل تكاد سمة الفشل تلاحق أداءه. حتى في فترة رئاسته التي لم تنتهِ بعد، يعرف لبنان أبشع أزماته الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية.

ليس الإنسان بحاجة للكثير من أجل الاستنتاج بأن طموحات الرجل فشلت جميعها. لم يستطع تحقيق حرف واحد أو فكرة واحدة من «كتابه البرتقالي»الذي أصدره على غرار كتاب القذافي «الأخضر»،وتسي تونغ «الأحمر»الذي سرعان ما سحبه من السوق لتفادي الإحراج.

ومع هذا ظل عون زعيم الموارنة الأول. الذي نجح في كل الانتخابات النيابية التي خاضها منذ عودته، وعاند حتى انتخب رئيسا، وهو المقعد الأول لطائفته برغم سنينه التعبة والمريضة.

وظل هناك جمهور كبير يدافع عن الرجل وخياراته وتوجهاته ويجد له أعذارا لخيباته ومبررات لأدائه السياسي العنيف والمشاكس المترافق غالبا مع نوبات غضب مخجلة لأي رجل يتعاطى الشأن العام. هلل الموارنة لعون وانتخبوه مرارا وتكرارا ولم يربطوا بين أداء الرجل يوما وتردي أوضاعهم كجماعة على كل الصعد. كيف؟

التفسير المنطقي الوحيد الممكن أن تلك الجماعة لا زالت مؤيدة لتوجهات قائدها، وهي لا ترى فيها عيبا أو خللا. صحيح أن عون حالة صعبة ومعقدة جدا في المسرح السياسي اللبناني منذ أن أطل عليه في العام 1988 مبشرا اللبنانيين بأنه قرر حمل كرة النار التي مررها له الرئيس أمين الجميل ولكنها لم تكن ممكنة من دون دعم شعبي. هذا الدعم رأى في «الجنرال»الرجل الذي يمكن أن يعيد لهم مجدا فقدوه مع الحرب الأهلية التي لم يروا فيها فشل النظام في حماية امتيازاتهم فيه. فبين الانتماء المذهبي والانتماء المدني اختار الموارنة الانتماء المذهبي، وهم اليوم يدفعون ثمن هذا الخيار.

المؤسف في الأمر أنهم ومن خلال دعم عون أبقوا على خياراتهم المذهبية وإيمانهم بالنظام الذي يرعاه. اليوم كثر يتسكعون على أبواب السفارات طلبا للهجرة، ومنهم من هاجر على أثر اندلاع احتجاجات تشرين من العام 2018. أما الباقون فهم يعانون من أزمة مالية خانقة تمنعهم من التفكير في ترك بلاد الأرز.

غامر الموارنة مع عون وخياراته السياسية وخسروا رهانهم. وإن لم يبادروا إلى نقض تجربتهم فلن يبقى منهم إلا من يؤمن في القرن الحادي والعشرين، حيث اكتشف العالم الماء على كوكب «مارس»،أن نظام الملل هو الحل.