محمد الفايد لـ«المجلة»: يحاولون تصويري للعالم على أنني مجنون 

الاستخبارات البريطانية طلبت من الحارس الذي بقي حيا ترك العمل معي

يكافح محمد الفايد صاحب محل هارودز البريطاني على كل الجبهات، فهو يواجه المؤسسة السياسية البريطانية بشيء من التحدي، كما دخل في صراع مرير مع المليونير تايني رولاند، حتى كسب معركة هارودز، وما يزال يكافح من أجل الحصول على الجنسية البريطانية بالطرق القانونية، رغم أن طلبه رفض من قبل وزارة الداخلية إبان حكومة المحافظين، وأخيرا دخل في مشادة كلامية مع والدة الأميرة ديانا لرفضها الكلام معه خلال لقائهما الأخير في باريس... دافني براك التقته في لندن وأجرت معه لـ«المجلة»حوارا هذه تفاصيله...

 

 

بعد أن قابلته عدة مرات على المستوى الاجتماعي، دعاني محمد الفايد هذه المرة لمقابلته بصفة خاصة، وفي حديثنا كشف لي هذا المصري المثير للجدل، والذي يود أن يصبح إنجليزيا، عن بعض جوانب الضعف التي ربما لم يكن هو نفسه على دراية بها.

بدأ حديثه معي بشكل طبيعي ودافئ، ومع مرور الوقت بات يبدو أكثر حرصا على ذكر التفاصيل. ومنذ بداية الحوار كان هناك سؤال كبير معلق كالسحابة التي تروح وتجيء، هو: «لماذا...؟ لماذا...؟»

مكتب الفايد في الطابق الخامس من مخزن هارودز ذي الأعلام الكثيرة، رافقني إليه حارس لطيف ولكنه لا يخلو من رعب. 

وجدت نفسي في مواجهة باب زجاجي كهربائي، وطلب مني المرافق الانتظار في غرفة باردة، وبدأت أتصفح صحف التابلويد، فيما أحلق بنظري إلى أعلى بحثا عن كاميرات خفية مثبتة في السقف وكنت أجلس وحيدة وأبتسم بوضوح، ولم تكن هناك كاميرا يمكنها أن تكشفني وأنا غير مستعدة للحوار..

دخل صاحب هارودز، وحياني بـ«أهلا»،وبعد أن سلم علي، سألني عن رحلتي من نيويورك ثم طلب كوبين من قهوة الكابتشينو، وبدأت أستعد للدردشة على الأقل لمدة عشر دقائق مع كوب الكابتشينو، إلا أن مضيفي لم يترك لي فرصة البدء بالحوار، وقذفني إلى صلب الموضوع مباشرة، قائلا: «تعلمين يا دفني أن دودي كان على وشك إعلان زواجه يوم الاثنين.. تصوري، يوم الاثنين! (دودي وديانا توفيا بين يومي السبت والأحد في نهاية أغسطس/آب الماضي)».

بدا الفايد أنيقا في سترة غالية جدا، وهو رجل مستدير الشكل ذو نظرات مباشرة، ويبدو عليه المرح لدرجة تبعث على الإعجاب به، ألقيت عليه أسئلة صعبة كالحجارة، ماذا يقول؟ وكيف يفكر؟ وفي من يشك؟ وكذلك العديد من علامات الاستفهام التي تشغل باله

 

 دوائر الاستخبارات

يقول الفايد عن دور الاستخبارات في ترك حارس ديانا، وهو الوحيد الذي لم يمت فيه الحادث:

«لقد أقنعت دوائر الاستخبارات تريفور ريس جونز بترك العمل معي. صدقيني يا دافني. أنا أملك أحسن الفرق الطبية. لقد كانوا يهتمون به ويعالجونه. تحسنت حالته بصورة جيدة وبسرعة، وبدأ يتذكر. وقد كان أملي الوحيد.. أملي في معرفة ما حدث بالضبط في تلك الليلة (ليلة الحادث).

ولكن رجال الاستخبارات توصلوا إليه وأخذوه معهم، لقد أخبروه أن بإمكانه الحصول على ملايين الجنيهات، تصوري لقد وقع معي عقدا بأنه لن يكتب كتابا أو مقالات وكان ممكنا أن أمنحه أي شيء يطلبه.

لقد جاء جيمس هيويت (عشيق ديانا التي ألقت عليه باللوم لهجرها وإخباره العالم كله بما كان يدور بينهما) إلى يوماً، وأخبرني كيف أن الاستخبارات هددته بالقتل ما لم يوقف علاقته مع ديانا».

وقال الفايد:

«أنا أعلم أنهم يحاولون تصويري للعالم بأنني مجنون، ولكني لست كذلك، هل تتذكرين ذلك الرجل الذي قابلني في فيينا؟ («لقد اعتقل»أنا أوقفته).. نعم ألقي عليه القبض لأنه حاول ابتزازي، ولكن المستندات التي كانت بحوزته والدلائل التي كان يحملها كلها حقيقية».

وتابع: «اسمعي يا دافني، أنا أعلم أن جهاز (MI5)البريطاني والاستخبارات المركزية الأميركية، كلها مسؤولة عما حدث، لقد قرروا أن يتخلصوا من الأميرة ومن ابني».

ويبدو أن رد الفعل الذي ارتسم على وجهي مما أخبرني به الفايد، جعله يتحرك أكثر. فقد غادر الغرفة ثم عاد بعد لحظات، ومعه جريدة «بيبول»(الناس) الأسبوعية البريطانية التي تشير في إحدى صفحاتها إلى أن خبيرا قام باختبار تعابير وحركات جسم الفايد، مؤكدا أنه يقول الحقيقة.

في هذه اللحظات، كنا نجلس في غرفة أقل رسمية من الغرفة السابقة في مبنى هارودز، كان الفايد يرتدي قميصا بدون سترة، وبدأ يثق بي فيما هو يجهز نفسه لأول مقابلة له مع التلفزيون الأميركي، (محطة NBCالتلفزيونية)،ولا أدري أي إثارة للجدل أكثر من ذلك ستظهر في اللقاء.

حرب تايني رولاند مع الفايد على الصفحة الأولى من «الأوبزرفر»

جذور عائلة سبنسر

وعن علاقته بعائلة سبنسر، قال الفايد: «كنت قريبا جدا من اللورد سبنسر (والد ديانا)، وكنا كالأشقاء أنا وهو. وحتى هذا اليوم فأنا أحترم أرملته الكونتيسة ريني سبنسر (التي تعمل معه في هارودز).

إذن فأنا أعرف كل تفاصيل العائلة من جذورها، أما بالنسبة لهذه المرأة التي أهملت ابنتها ديانا، وهي أصغر أطفالها، وذهبت للعيش مع رجل آخر، هذه المرأة! جلست في قصر العدل في باريس على مسافة 20 قدما مني (أثناء جلسة الاستماع التي ضمت كل الأطراف والشهود المتصلين بالحادث). لقد قدمت تعازيها إلى والدي هنري بول (السائق الذي توفي في الحادث) ولم تشأ حتى أن تنظر إلي فضلا عن التحدث معي. لذلك فقد وجد الغضب والألم الكامنين في نفسي منذ عدة أشهر (منذ الحادث) طريقيهما للانفجار».

 

تحريات الشرطة

أما عن خصمه اللدود الألماني تايني رولاند وتحريات الشرطة يقول الفايد: «لقد كانت واحدة من أسوأ اللحظات التي حدثت لي حين قابلته في الاجتماع الذي قررت فيه شراء هارودز.

لقد سبب لي ضررا كثيرا. مثال ذلك حقيقة أنني اعتقلت (نسبة لاتهامات رولاند بأن خزينته كسرت في هارودز) ونشر الخبر في العالم! وأنا فقط في انتظار نهاية الأمر. ومن المقرر أن ينتهي التحقيق في يوليو (تموز) المقبل، وبعدها سألاحقه عن كل ذلك الإشهار الضار بسمعتي».

في حقيقة الأمر إن عوامل الغضب بين الفايد ورولاند تبدو عميقة لأبعد الحدود لدرجة أخبرني فيها رولاند في مقابلة بأنه يتخوف من الحديث معي لأنني أتحدث مع أشخاص أمثال الفايد! حقيقة الأمر أنني أعمل «محاورة صحافية»والمفترض أن أتحدث مع العديد من الناس.. ولكن ذلك لم يوقف من غلوائه! 

 

الجنسية البريطانية

وعن طلب الجنسية البريطانية، يقول الفايد: «من المفترض أن يتم التقرير بشأنها في مطلع يوليو (تموز) المقبل. تعلمين يا دافني أنني أعتز جدا بمصريتي، فأنا مصري من الطبقة العاملة، واستطعت أن أشتري هارودز، وهم البريطانيون لا يستطيعون تقبل هذه الحقيقة، إنهم لن يغفروا لي أنني كشفت عن بعض أخطاء ارتكبها نواب برلمانيون من حزب المحافظين.. وقد ساعد ذلك في سقوط الحزب في الانتخابات الماضية.

أما الجنسية البريطانية فلماذا أكافح من أجلها؟ لأنه ببساطة لا يوجد سبب يجعلهم يرفضون منح إياها. لم يحدث أبدا أن أبدوا لي سببا واحدا للرفض، ربما بعد أن أحصل عليها سوف أعيدها لهم مرة أخرى».

 

زواج دودي وديانا

وعن قصة زواج دودي والأميرة ديانا، قال: «دودي كان على وشك إعلان زواجه يوم الاثنين، لقد أخبرني بذلك، وتحدثت أنا أيضا مع ديانا، ويمكنني إطلاعك على الجناح الذي كانا يقيمان فيه في فندق ريتز بباريس والذي تناولا فيه عشاءهما الأخير، وخاتم الزواج وكل شيء كان يدل على ذلك. ولكن  كانت لهما بالمرصاد تلك الأصوات الممتلئة بالقسوة والتي تحاول إنكار الحب الحقيقي بين ابني والأميرة كانوا يقولون: لقد كانت قصة حب صيفية عابرة، لقد وقفت ديانا بجانب دودي أثناء الحملة الإعلامية غير المنصفة التي تعرض لها.

أما إنكار المؤسسة الحاكمة لهذه العلاقة فقد شجعني كثيرا على المضي قدما والبحث ثم البحث عن الحقيقة، ولا أدري لماذا كانت (المؤسسة) تتخوف من هذه العلاقة؟ لقد كانوا يعلمون أن دودي وديانا في باريس وكان تلاحقهما الاستخبارات منذ اللحظة التي وصلا فيها».

 

قصة حب

وعن الاتهام بأنه تسبب في دفع ديانا ودودي دفعا لإقامة علاقة، رد الفايد قائلا: «حقا ذلك!! كيف يمكنني أن أؤثر على رجل في الثانية والأربعين من عمره وامرأة تبلغ 36 ليقيما قصة حب بينهما؟! لقد فوجئت مثل أي شخص آخر بل على العكس لقد نصحت دودي بالسير في علاقته بالأميرة بتمهل شديد وأن لا يستعجل الأمور. وأنا أؤمن بأن دودي وديانا مكملان لبعضهما البعض ولو لم يحدث ذلك في هذه العطلة فمن الممكن أن يلتقيا في أي مكان آخر وأنا عندما دعوت ديانا وولديها لقضاء إجازة مع أسرتي لم يكن دودي حتى موجوداً».

بحيرة البجع

لقد حدث أن كنت موجودة في تلك الأمسية التي تم فيها اللقاء الأول بين دودي وديانا، كانت المناسبة سهرة باليه «بحيرة البجع»البريطانية، وفي نهاية العرض الذي شرفته ديانا، «وكان الفايد مرافقا لها»، حدث أن دعي قله منا للعشاء في فندق تشرشل، وكانت ديانا ترتدي فستانا فيروزي اللون وقد جلست بجوار محمد الفايد وكانت تضحك معه وتهمس إليه طوال السهرة وعندما طالت السهرة قليلا تحدثت مع ريني سبنسر زوجة والدها، مستفسرة إن كان يتوجب أن تغادر المكان، كما استدعت مايكل كول (وقتها كان المتحدث باسم متجر هارودز) لنفس الغرض. بعد فترة حضر دودي إلى السهرة مصطحبا معه كيلي فيشر وهي عارضة أزياء ومن ثم وقع في غرام ديانا.

 

المأساة

وعن الحادث، قال الفايد: «تلقيت مكالمة هاتفية عن مقتل دودي، فأخذت الطائرة فورا إلى باريس، وذهبت مستفسرا عن ديانا في المستشفى، وهنا حبكت مؤامرة ضدي، توحي بأنني اخترعت آخر كلمات ديانا قبل وفاتها (الفايد قال إن أقوالها نقلت إليه من شخص قريب من ديانا وهي تحتضر)، مما يؤكد أنهم يهاجمونني باستمرار فكيف يمكنني أن أخترع مثل هذه الأقوال.. ولماذا؟!».

وأضاف لا يوجد شيء أكثر إيلاما من فقد الابن، لقد أخبرني بذلك أيضا بيل كوسبي النجم الكوميدي الأميركي الذي فقد ابنه في حادث قتل مروع، قائلا: «ما لم يحدث لك مباشرة فلن تستطيع حقا أن تتفهم الأمر!».

 

العائلة المالكة البريطانية

وعن علاقته بالعائلة المالكة البريطانية يقول الفايد: «يمتلكني شعور شديد بالغضب تجاههم ولست خائفا من قول ما في ذهني، لأنني قلت من قبل إن الملكة وأمير ويلز الأمير تشارلز لم يتصلا بي لتعزيتي.

لقد حاولا أن يهمشاني حتى بعد أن أنفقت الملايين في منزل ويندسور الملكي البريطاني، وبعد 12 عاما من الدعم المتواصل للعائلة المالكة البريطانية تسلمت رسالة مفادها أنهم أوقفوا تبنيهم لهارودز. إنهم لا يضيعون فرصة واحدة، في الإشارة إلى أنني لا علاقة لي بهم».

وقال الفايد إن الناس يتهمونني بأنني أروج لنظرية المؤامرة وأن الأمر قد يبدو مأساة سببها سائق مخمور، ربما كان ذلك صحيحا، فإذا كان الأمر بهذه البساطة لماذا التخوف من بحثي المستمر عن الحقيقة إذن؟ 

أنا أشعر بأن المسألة هي مسألة التزام نحو دودي وديانا، وما زالت هناك بعض الأسئلة؛ مثلا توجد نسبة 20 في المائة من أول أكسيد الكربون في دم السائق، في حين لا توجد أي نسبة في دم دودي؟ هنري بول لم يتمكن من التنفس بتاتا بسبب البخار الصادر من عادم السيارة لأنه مات في الحال، ثم بماذا تفسرين وجود الشخصين الغريبين اللذين كانا يطلبان خمراً في البار بفندق ريتز وباللغة الإنجليزية بعد أن اختلطا ببقية جمهور الفندق؟ وإذا كان كل شيء بالبساطة التي يدعون، لماذا استمرت التحريات الفرنسية وقتا طويلا كهذا؟

 

التحريات الفرنسية

وعن التحريات الفرنسية واستمرارها حتى الآن، يقول الفايد:«لدي ثقة كاملة في القاضي الفرنسي هير فيستيفال، لقد أدى شعورا طيبا نحوي بالمواساة، كما وجدت أنه دقيق في عمله. ولكن لا أدري إن كان يملك المقدرة ومفاتيح الأشياء للوصول إلى الحقيقة الكاملة مع علمي التام بمحاولاته الجادة في هذا الأمر، إلا أنني أبحث عن الحقيقة أيضا بطريقتي الخاصة».

وأضاف: «أناأحب هارودز رغم أنه تسبب لي في كثير من المشاكل مع تايني رولاند. ربما كل هذه المأساة لم يكن مقدرا لها أن تحدث لولا شرائي للمتجر، مما تسبب في غضب (المؤسسة البريطانية)، من يدري؟ وفي الوقت الحاضر فإن العمل التجاري يسير على أحسن حال. وقد بدأ موسم التنزيلات وإحياء لذكرى دودي وديانا اللذين ستخلد ذكرهما ببناء رمز يشير إلى الذكرى الأولى لوفاتهما داخل هارودز، يلزمني أن أؤكد بأننى ما زلت قويا»

 

تصريحات دون أدلة تختلط فيها الظنون والشبهات

يقول الفايد في «المجلة»إن الملكة والأمير تشارلز لم يعزياه، ويقول في «الديلي ميرور»:الملكة أول من قدم لي التعازي.

 

 

ليست هذه المرة الأولى التي روج فيها رجل الأعمال المصري محمد الفايد بقوله إن مقتل الأميرة ديانا وابنه دودي لم يكن مجرد حادث تصادم قدري، وإنما كان حادثا مدبرا تقف وراءه  أياد خفية، ففي الحديث الذي أدلى به الفايد لصحيفة «ديلي ميرور»اللندنية  ونشرته على حلقتين 12، و13 فبراير (شباط) الماضي.

جزم الفايد بأنه متأكد بنسبة 99 في المائة أن قوى بعينها لديها أسبابها الخاصة هي التي دبرت الحادث للخلاص من ديانا ودودي. وفي الحديث الذي تنشره «المجلة»حدد الفايد هذه القوى على أنها المخابرات البريطانية والمخابرات المركزية الأميركية.

الرد شبه الرسمي الذي صدر عن قصر باكنغهام اتسم بالتحفظ، حين ذكر أن كلمات الفايد تصدر عن أب تتملكه مشاعر الحزن والخسارة لوفاة ابنه وأنها مشاعر جديرة بالتفهم وبذلك ترفع القصر عن الخوض في الاتهامات التي أطلقها الفايد بل وتلمس له العذر.

 وحتى الآن من الصعب على أي متابع لتصريحات محمد الفايد أن يعثر على أي شيء يمكن أن يرقى إلى دليل حقيقي بالمعنى الجنائي وهو ما يدعم وجهة النظر الرسمية في بريطانيا من أن اتهامات الفايد ليست سوى نفثات غضب لرجل لم يستطع بعد أن يتصالح مع الحقيقة المضنية لموت ابنه. أما سلطات التحقيق الفرنسية التي لم تنته بعد من ملف القضية فقد أعربت عن غضبها للتصريحات ذاتها.

 

تحاليل ودلائل

في الأسابيع التي تلت مصرع ديانا ودودي كان الجدل يدور حول دقة التحاليل المعملية التي أجريت على جثة سائق سيارة المرسيدس هنري بول وما إذا كانت نسبة الكحول التي عثر عليها في دمه مرتفعة بالقدر الذي أدى إلى وقوع الحادث، علماً بأن التحاليل المعملية كشفت عن تعاطيه عقاقير أخرى تضاعف من تأثير الكحول على وظائف الإدراك الحسي لديه، والجمع بين الاثنين يعد وصفة جاهزة للموت باتفاق المصادر الطبية والخبراء في حوادث الطرق وقيادة السيارات.

في تلك الأثناء أعلن أن محمد الفايد كلف طبيبا اسكتلنديا بارزا بإجراء تحاليل مستقلة على عينات من دم السائق هنري بول ولم يعرف بعد ما إذا كانت هذه التحاليل المستقلة قد أسفرت عن نتائج مختلفة عن تلك التي توصلت إليها السلطات الفرنسية. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يعلن عن هذه النتائج؟

كما ثار جدل آخر في الفترة ذاتها حول مقدار السرعة التي كان السائق يقود بها السيارة داخل النفق، وهذه أيضا لم يتقدم أحد بدليل يدحض ما أعلنه التحقيق رسميا من أن تجاوز السرعة المسموح بها قانونيا في فرنسا وبفارق كبير كان أحد الأسباب التي أدت إلى الحادث (علما بأن الاحتمال الأرجح هو انطلاق السائق بسرعة كبيرة جدا حتى يفوت على المصورين الذين كانوا محتشدين أمام فندق الريتز فرصة اللحاق به.

فإذا كانت خطة دودي بمغادرة الفندق من الباب الخلفي قد فشلت حين اكتشف المصورون الحيلة ولحقوا بالسيارة فإن زيادة السائق لسرعة سيارته يصبح واردا بدرجة أكبر بمجرد أن يرى المصورين وقد لحقوا به).

بعد ذلك تداولت الصحف في بريطانيا رواية مفادها أن سيارة من طراز فيات أونو اصطدمت بالمرسيدس وأنها ربما لعبت دورا في وقوع الحادث. هذه السيارة التي استدل المحققون على طرازها من بقايا طلائها الأبيض الذي علق بالمرسيدس وشظايا أحد مصابيحها الخلفية، عثر عليها في مكان الحادث، لم يتم العثور عليها حتى الآن، رغم أن الشرطة الفرنسية فحصت 1800 سيارة من هذا النوع في باريس وحدها.

 

البينة على من ادعى

إن المبدأ المتعارف عليه قانونيا هو أن البينة على من ادعى، وحتى الآن فكل ما يتم تداوله في وسائل الإعلام بما في ذلك الفيلم الذي بثته قناة التلفزيون البريطاني «ITV»لا يخرج عن كونه تفاصيل أو عناصر يمكن أن تكون مصدرا لإثارة الشبهات أو الشكوك، وبعض هذه العناصر يقع ضمن دائرة وجود دوافع لدى البعض يمكن أن تدفعهم للتخلص من الأميرة ديانا ودودي الفايد. وفرق كبير بين أن يضمر شخص ما دوافع نفسيه أو مادية لقتل آخرين أو التحريض على قتلهم، وبين أن يقدم على ذلك بالفعل فالدوافع ليست أدلة أو قرائن يعتد بها قانونيا ولا حتى أخلاقيا، وكل ما تمثله من الناحية الجنائية أنها قد تكون مفاتيح تقود المحقق إلى الأشخاص موضع الشبهات وبديهي أن الشبهات غير الأدلة والقرائن وليس بوسع محقق أن يوجه اتهاما استنادا على شبهات وبدون قرائن.

ومع ذلك، يبدو أن تصريحات محمد الفايد تقع في هذه المنطقة الضبابية التي تختلط فيها الظنون والشبهات بالحقائق والأدلة المثبتة، خاصة مع شعوره كأب بمزيد من الحزن والأسى والغضب والإحباط ولا يمكن الجزم بأن هذه المشاعر لا تلعب دورا في تحريك تصوراته عن المأساة، فهو على سبيل المثال يشير إلى كراهية العائلة المالكة لديانا وكراهية المؤسسة البريطانية. (وهو في الواقع يعني حزب المحافظين) له شخصيا ويستخدم هذه وتلك كأدلة على أن ابنه وديانا قتلا مع سبق الإصرار والترصد، حسب التعبير القانوني. ويتهمه الصحافيون البريطانيون بأنه يروج لنفسه على حساب الحقيقة. يبدو أن كراهية القصر لمحمد الفايد بدأت بعد تصاعد تصريحاته التي يطلق فيها الاتهامات.

وفي حديثه لـ«المجلة»يقول: «قلت من قبل إن الملكة والأمير تشارلز لم يتصلا بي لتعزيتي»، في حين أنه ذكر في حديثه لـ«الديلي ميرور»قبل شهور أن الملكة أرسلت له خطاب تعزية رقيقا ومتفهما من القلب من مقرها الصيفي في قلعة بالمورال، وأنها كانت بذلك أول من قدم له التعازي، فلو سلمنا جدلا بتصوراته فمن هي الجهات المعنية بالاتهامات على وجه التحديد؟

ومن ضمن النظريات التي يروج لها الفايد خاصة في الصحافة الشعبية نظرية تواطؤ المخابرات البريطانية مع المخابرات الفرنسية لقتل ديانا فإذا كان للأولى مصلحة في الخلاص من ديانا فما هي مصلحة المخابرات الفرنسية؟

وفي حديثه لـ«المجلة»يتهم الفايد المخابرات الأميركية بتهمة التواطؤ ضده! وفي حين أعلن الفايد في أكثر من مناسبة ثقته التامة في عدالة القضاء الفرنسي إلا أنه أغضب سلطات التحقيق الفرنسية ومن قبلها سلطات المستشفى الذي نقلت إليه ديانا بعد الحادث بسبب تكرار تصريحاته حول وجود أدله جنائية كثيرة تثبت أن الحادث كان مدبرا لأن ذلك يرقى إلى نوع من المصادرة لنتائج التحقيق أو التأثير على سيره عبر الإعلام إن لم يعنِ طعنا ضمنيا في نزاهته.

 

ملابسات الحادث

إن كل الروايات التي تتناقلها وسائل الإعلام من آن لآخر حول وجود أدلة جنائية هي في أحسن الأحوال جزء من ملابسات الحادث، أو ما يشار إليه بالمصطلح القانوني أدله ظرفية (Circumstanial) مثل الزعم بأن السائق هنري بول الذي قتل في الحادث كان على علاقة بالمخابرات الفرنسية، (ليس هذا أمرا غريبا لأنه كان ضابطا سابقا) أو أنه عثر على نسبة 20 في المائة من مادة أول أكسيد الكربون في دم السائق وهي مسألة طبيعية لأن أول أكسيد الكربون يصدر عن الاحتراق وتصاعد الدخان الكثيف وعدم وجوده في دماء الثلاثة الآخرين لا يعني بالضرورة أن السائق تم تسميمه عن عمد، لأن ذلك كان سيعني موته حتى قبل أن يصل من منزله إلى الفندق ويقود السيارة إلى مصيره المحتوم. هذه الملابسات المتعلقة بالحادث يمكن لكل منها أن تستخدم كدليل إثبات أو كدليل نفي، فالأمر يتوقف على السياق الذي توضع خلاله في إطار بناء متكامل لحيثيات الدفاع والاتهام في القضية برمتها وهذا هو المقصود بالأدلة أو الملابسات الظرفية.

وفي النهاية يجب أن يترك الأمر للاختصاص القضائي والجنائي ليقول كلمته الأخيرة قبل أن يتقدم كل من لديه أداة لدحض ما يراه غير صحيح أو مجافيا للحقيقة النهائية.