مهرجان المسرح الجزائري يعود بعد تعليق لعامين

مسرحية «خاطيني» تتوج بالجائزة الكبرى
مشهد من مسرحية خاطيني المتوجة بالجائزة الكبرى

 

الجزائر:بعد عامين من التوقف والتعليق، بسبب انتخابات الرئاسة عام 2019، وإجراءات الحجر الصحي بسبب جائحة كورونا العام الماضي، عاد مجددا المهرجان الجزائري للمسرح المحترف، ليستمتع عشاق الركح بعشرة عروض تنافست على الجائزة الكبرى للمهرجان في طبعته الـ14، والتي عادت لمسرحية «خاطيني» من إخراج أحمد رزاق.

وبعد تسعة أيام كاملة من المتعة والفن، أسدل الستار أخيراً ليلة الـ21 من الشهر الجاري على فعاليات المنافسة التي كان ركح محيي الدين بشطارزي بقلب العاصمة الجزائر مسرحاً لها، وسط إقبال واسع لمحبي وعشاق وصنّاع المسرح، مع الالتزام التام بإجراءات الوقاية التي فرضها منظمو المهرجان.

وتنافس على جوائز المهرجان عشر مسرحيات ضمن المنافسات الرسمية، من إنتاج المسارح الجهوية والمسرح الوطني الجزائري، وافتتحت الدورة عروضها القوية بمسرحية «أرامل» لمسرح قسنطينة، من إخراج شهيناز نقواش، تلتها مسرحية «الجدار الخامس» لمسرح سيدي بلعباس من إخراج عز الدين عبار، ثم مسرحية «الصفقة» لمسرح تيزي وزو، متبوعة بمسرحية «نستناو فالحيط» لجمعية نوميديا الثقافية لمحافظة البرج، من إخراج حليم زدامو، فمسرحية «الزاوش» للمسرح الوطني الجزائري إخراج كمال يعيش، ثم مسرحية «لعبة العرش» لمسرح قالمة من إخراج عباس محمد إسلام، ومسرحية «سكورا» لمسرح سوق أهراس، إضافة إلى مسرحية «أرلوكان خادم السيّديّن» لمسرح وهران، لتختتم المنافسة بمسرحية «خاطيني» للمخرج أحمد رزاق، وهي المسرحية التي توجت بالجائزة الكبرى للمهرجان.

تتناول المسرحية التي تُعد أحدث إنتاج مسرحي للمسرح الجهوي لمحافظة مستغانم بجرأة وقوة الراهن السياسي الجزائري، ونقل المخرج لوحات فنيات رائعة من الحراك الشعبي إلى خشبة المسرح، إذ نقل أجزاء من الحراك الشعبي على الخشبة من خلال قصة خيالية مدهشة، مبنية على حوار ومواقف ساخرة، ولوحات كاريكاتورية ممتعة.

صوّب المخرج أحمد رزاق سهامه الناقدة نحو الأنظمة الفاسدة التي يتحكم فيها الشيوخ الذين فوّتوا الفرص على الشباب، الأمر الذي جعل هذه الفئة تختار الهجرة كحل لمصير حياتهم. وجعل من قصة شاب يدعى «خاطيني»، مثلا لتسليط الضوء على هذه المعضلة، إذ تنطلق المسرحية بلوحة زوجين طاعنين في السن، يرغب ابنهما (خاطيني( في الهجرة، وهو آخر الشباب في ذاك البلد الذي لم يبق فيه سوى الشيوخ، إلا أن أبويه يرفضان فكرة هجرته خوفا من المصير المجهول. تلاحقه سلطات بلده لتمنعه من السفر رغم حصوله على التأشيرة، تفاديا للإحراج الذي سيسبّبه أمام الدول الأخرى.

يبرز المخرج وصاحب النص في أكثر من 80 دقيقة، ازدراء المجتمع من حكم كبار السن وتعطشهم للسلطة. ونهل من شعارات وأغاني الحراك الشعبي في الجزائر، الأمر الذي جعل العمل في فترات عديدة، يستخدم الخطابات المباشرة، على الفعل المسرحي، وأحيانا يقدم دروسا في الوطنية. وينجرف الشاب خاطيني بعاطفته في حبّ صديقته إيمان، ويختار التظاهر في وجه النظام السياسي القائم في بلده، بهدف تغيير الأوضاع نحو مستقبل أفضل. وتتمكن السلطات من إلقاء القبض عليه، مما يولّد حالة من الحسرة والأسى عند أمه وأبيه وصديقته. وتقرر الأم الخروج إلى الشارع من أجل ابنها، لتنتهي المسرحية بصرخة إيمان، قائلة: «خلاص»، فيسقط أفراد النظام منقلبين على بعضهم.

 

 

المهرجان نظم مع التزام صارم لإجراءات الوقاية

شارك في أداء المسرحية كل من بوحجر بوتشيش، وسميرة صحراوي، وبن دبابة فؤاد، وحورية بهلول، وربيع وجاوت، وعيسى شوّاط، وقريشي صبرينة، وبشير بوجمعة، وشهرزاد خليفة، ونسرين بلحاج، ودراوي فتحي، وبصغير عبد الله، وقطّاري محمّد، وبن أحمد حمزة. وألّف الموسيقى صوفي عبد القادر. ونفّذ الديكور محمد قطّاوي، رفقة براسيل محمّد تقنيّا للصوت، وبن أحمد حمزة ريجيسير، وعمامرة سمير تقني الإضاءة، وساعد في الإخراج بشير بوجمعة.

وعادت جائزة لجنة التحكيم لمسرحيّة «نستنّاو.. ف ..الحيط»، من إنتاج الجمعية الثقافية )نوميديا(، برج بوعريريج، للمخرج حليم زدام. وكانت جائزة أحسن إخراج من نصيب المخرج علي جبارة عن مسرحية «سكورا» من إنتاج المسرح الجهوي سوق أهراس. أحسن أداء نسائي، افتكته نجلاء طارلي، عن أدائها في مسرحية «أرامل» من إنتاج المسرح الجهوي قسنطينة، بينما تربع الممثل بوحجر بودشيش على جائزة أفضل أداء رجالي عن دوره في مسرحية «خاطيني». تحصل الكاتب بن عمارة ماحي على جائزة أحسن نص مسرحي عن مسرحية «الصفقة» من إنتاج المسرح الجهوي تيزي وزو.

وحصد أحمد رزاق، جائزة أحسن سينوغرافيا عن مسرحية «خاطيني»، فيما ظفر محمد زامي بجائزة أحسن موسيقى، عن مسرحية «سكورا» عن مسرح سوق أهراس الجهوي. واستحدثت لجنة التحكيم جائزتين، الأولى لأحسن ممثلة واعدة، فازت بها مناصفة الممثلتان شيماء أوراد عن دورها في مسرحية «سكورا»، وياسمين عباسي عن دورها في مسرحية «أرامل». والثانية لأحسن ممثل واعد، ومنحت مناصفة لرياض جفايلية عن دوره في مسرحية «سكورا»، ومصطفي ميراتي عن دوره في مسرحية «أرلوكان خادم السيدين» من إنتاج المسرح الجهوي وهران.

وقد شهد حفل الاختتام تأكيد محافظ المهرجان محمد يحياوي، على نجاح الدورة الرابعة عشرة رغم الظروف الصحية الاستثنائية بسبب فيروس كوفيد-19، والحرص على اتباع التدابير الصحية اللازمة للتباعد بين الأفراد. وارتأت محافظة المهرجان تكريم الكاتب والمسرحي محمد بورحلة، والفنان القدير حسناوي أمشطوح، ليتابع الجمهور الحاضر عرضا كوريغرافيا بعنوان «الجثة» من إنتاج المسرح الجهوي قسنطينة. إضافة إلى عرض فيلم لكواليس المهرجان.

وقال يحياوي، في كلمة حفل اختتام الدورة الرابعة عشرة، بالمسرح الوطني )محيي الدين بشطارزي( إن «تقدير الجهود يبقى أفضل اعتراف وأكبر تتويج بغض النظر عن الجائزة»، وأضاف: «تناوبت على الخشبة تجارب وخبرات أكثر نجومية، وتجارب شبابية تمكنت من التألق على الركح فأبدعت بمواهبها وإمكانياتها».

وكانت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، قد أعلنت خلال افتتاحها الدورة عن ترسيم الثامن من شهر يناير يوما وطنيا للمسرح. وأكدت أن «المسرح يعود ليفتح فضاءات الثّقافة والفنون في الجزائر، لأنه المؤسسة التي تم تأميمها بعد البنك الجزائري في الثامن من يناير 1963، فبعتبة الاستقلال صار المسرح وطنيا جزائريا مؤمما، ترفرف بعلياء مؤسسته راية العزة والحرية والكرامة». قائلة: «بهذه المناسبة، سنعمل على أن يكون هذا التاريخ الاستثنائي المجيد، يوما وطنيّا في المسرح الجزائري». وفي السياق، أشارت بن دودة، إلى «عودة المسرح إلى جمهوره، وعودة أجواء المهرجانات، بعد سنة أليمة بأحداثها، بعد افتقاد أسماء فنية كبيرة، فارقت المسرح الجزائري، نذكرها اليوم بخير، ومن خلال كل الأعمال التي سوف تتجدد على الرّكح».

ورغم تنويهها بقوة العروض إلا أن لجنة التحكيم أسدت توصيات مهمة انبثقت من قراءتها للعروض المتنافسة، وأوصى رئيس لجنة التحكيم الحبيب بوخليفة بجملة من التوصيات حتى تتحسن العروض المنتجة مستقبلا.

وقال بوخليفة إن «اللجنة سجلت ملاحظات مختلفة ومهمة اتفق عليها كل الأعضاء وهم فوزي بن إبراهيم ونبيلة إبراهيم وعاشور بوزيان ووحيد عاشور». وذكر المتحدث أن «الملاحظات تكمن في أن إدارة التمثيل أو الممثل لم تنل العناية الكافية مما أدى إلى ضعف بعض الأدوار وتراجع إيقاعها، إضافة إلى عدم اهتمام بعض الممثلين بالجانب الجسدي والذهني، وكذا الإفراط في توظيف العناصر التقنية المكونة للعرض، خاصة بالاعتماد على الأعمال الجاهزة دون اللجوء إلى الإبداع في هذا المجال».

ولاحظت اللجنة: «تساهل بعض أصحاب العروض فيما يتعلق بالشكل الفني، والاعتماد على النصوص المقتبسة، وبالتالي لم تصل هذه الأعمال دراميا إلى المستوى المطلوب». وانتقدت اللجنة «توظيف جملة من العروض للخطاب المباشر غير المبرر، والذي خلق نوعا من الاختلاف بين الشكل والمضمون، إلى جانب طريقة السرد التي لم تكن في المستوى»، ووفق اللجنة فإن «بعض العروض سقطت في فخ الحشو والثرثرة مما خفض إيقاع العروض وبعث على الملل». وأشارت اللجنة إلى أن «بعض المسرحيات تخلت عن الإبداع في مجال الموسيقى باعتمادها على قطع جاهزة دون بذل جهد».

وفي حديثه لـ«المجلة» أكد الناطق الرسمي للمهرجان فيصل مطاوي أنه «في الجزائر جائحة كورونا جعلت تتخذ عدة قرارات، منها غلق الفضاءات الثقافية مثل المسارح وقاعات السينما، والحفلات الموسيقية كلها أجلت بسبب الجائحة»، وحسب تقديره فإن «المسرح الوطني يعود بعد تأخر عامين لأنه لا يوجد مسرح دون جمهور، وعودة المسرح سيفتح الأبواب لعودة أنشطة أخرى».

 

المهرجان شهد عدة عروض تناولت مواضيع اجتماعية متعددة

وحسب مطاوي فإن «توقف المهرجان أثر بشكل أو بآخر على المشتغلين في هذا المجال»، ذلك أن «الأعمال المسرحية التي أنتجت خلال السنوات والأشهر الأخيرة كانت دائما تنتظر الجمهور، وتنتظر أن يكون هناك نقاش حولها بين المخرجين والنقاد والسينوغراف وكتاب النصوص»، كل هؤلاء، يتابع: «كانوا ينتظرون فتح هذا النقاش، باعتبار أن المسرح له علاقة مباشرة بالحياة وبالمجتمع، وبالتالي فإن المهرجان سيكون فرصة للتلاقي وللنقاش أيضا حول ما ينتجه المسرح الجزائري»، وكشف أن دورة هذا العام ركزت بشكل كبير على مناقشة دور التعاونيات المسرحية التي كان لها دور كبير في ستينات وسبعينات القرن الماضي في تنشيط وتقوية المشهد الثقافي».

وبالتوازي مع العروض المسرحية تم تنظيم حلقات نقاش حول دور المهرجانات في ترقية العمل المسرحي بالجزائر، حيث نظمت ندوة شارك فيها أكاديميون ونقاد مختصون في المسرح، لمناقشة أهمية المهرجانات المسرحية في تفعيل المسرح والتواصل بين ممارسيه، وبالنسبة للأستاذ إبراهيم نوال الأستاذ بالمعهد العالي لفنون العرض السمعي البصري، فإن «الدولة تتبنى سياسة عامة لدعم تنظيم المهرجانات في مجالات الموسيقى والمسرح والسينما، غير أن ذلك يواجه بانتقادات حادة من قبل أصوات عديدة ترى في هذه المهرجانات للحظة احتفالية للبهرجة الموسمية تلتهم ميزانيات ضخمة، بينما يبدي فاعلون آخرون رأيا يؤمن بالحاجة إلى المهرجانات كعناصر ضمن سياسة التنشيط الثقافية وتنمية البلديات والمدن وتنمية الحياة الثقافية والنشاط السياحي». وفي ذات الصدد اعتبر أن «المهرجانات التي هي أداة لسياسة ثقافية وتنموية شاملة تفتقر إلى رؤية تنموية مستدامة».

المحافظ السابق للمهرجان المحلي للمسرح المحترف لسيدي بلعباس حسن عسوس، أكد على أن «التظاهرة خلقت ديناميكية وحيوية بين مختلف الفرق والتعاونيات المسرحية المحلية في سيدي بلعباس والجهة الغربية من الجزائر، ودفع الكثير من الممارسين لإنتاج مسرحيات بغية المشاركة في المنافسة وإمتاع الجمهور». وأفاد أن «أهمية المهرجان المسرحي لا تكمن في التنافس على الجوائز فقط، بقدر ما تثيره من نقاشات وأجواء حميمية بين الفاعلين المسرحيين، حيث تمتد للنسيج الاجتماعي والجامعة والمؤسسات التربوية لتدارس راهن المسرح وانشغالاته من خلال البرنامج الجواري وسلسلة الندوات والعروض وهي بمثابة ملتقى لتلاقح الأفكار والتجارب المسرحية»، مبرزا أن «المهرجانات تتيح فرصة عرض المسرحيات أمام الجمهور العميق في القرى والمدن مما يوسع جدوى تنظيم المهرجانات».