صراع الأجيال

عندما استبد بي الشوق لرؤية الحفيدة، لم أنتظر كثيرا، فإن للشوق سلطانا يدق الضلوع، وخاصة عندما يكون للحفيدة الوحيدة، بعد أن أجبرتنا الحياة العصرية على تفريق الأسرة بين القاهرة ولندن. ولا أعتقد أننا الوحيدون الذين يعانون من ذلك، بل هي سمة العالم كله، خاصة العالم الثالث الذي خضع لمظاهر الحداثة ونشأت أجيال تتمزق بين تطلعاتها وإمكانياتها، فكان الحل الأمثل هو الهجرة وتمزيق الأسرة وتغير المجتمعات تغيرا فجا في سلوكه وترابطه وثوابته الاجتماعية التي كانت تضبط إيقاع المجتمع في الحفاظ على القيم السامية التي توارثناها وحفظت الهوية الوطنية بالولاء الأسري.

وقد فقدت المدرسة رونقها بعدما فقدت ريادتها، ولم يعد الأب هو الأب، ولا المدرس هو المدرس الذي كنا نهابه ونختفي من خياله إذا رأيناه يمشي في الشارع. ولم تسلم الأمومة، فتخلت الأم عن دورها الحقيقي الذي وصفه شاعر النيل حافظ إبراهيم بأنها مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق، وحل محل الأم السوشيال ميديا والشيخ «غوغل»وثقافة المعلبات ووجبات الميكرويف الأقرب إلى البلاستيك طعما ورائحة وذوقا. تماما مثلما أصبحت العواطف خالية من الدسم، وحل دفتر الشيكات محل رسائل مي زيادة للمنفلوطي، وأصبح الوفاء مثل المستحيلات الثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي، وباتت المصالح المادية هي سيدة الموقف.

وتفشى الاستغلال لسيف الحياء من الذين لا يفهمون معنى مكارم الأخلاق التي أصبحت سببا لمطالب لا تنتهي، يصاحبه شعور بالانتصار من الانتهازيين لحرفيتهم في استخدام سيف الحياء، وأصبح الأب والأم لا حول لهم ولا قوة. فتأثير متطلبات الحياة جعلهم فى بيوتهم مواطنين من الدرجة الثانية، وتضخم صراع الأجيال بطريقة غير صحية، بعدما كان صراعا سلميا يهدف لنقل خبرات الحياة، واقتنع جيل الأبناء بأنهم يعرفون أكثر من الآباء، وبالتأكيد أكثر بكثير من جيل الأجداد، فلا عجب أن تضج المحاكم بقضايا لم نكن نسمع عنها في الزمن الجميل عندما كان مستوى المعيشة متواضعا ولكنه غني بالعواطف الجياشة والرضا بالقليل وحسن الخلق.

نعم، إن سنة الحياة هي التطور، لكن ليس التدهور، وما نراه حاليا على مستوى العالم هو انحلال خلقي وعدم رضا واكتئاب مزمن ونظرة حزينة تختفي خلف ابتسامة رسمية كابتسامات مضيفات الطائرة أو مندوبي شركات التأمين، وتم تدمير الجسر العاطفي الذي كان وسيلة الانتقال الآمن للخبرات بين الأجيال، فأصبح العالم مريضا اجتماعيا ونفسيا.

حتى الدول العريقة مثل مصر، لم تسلم من هذه الآفات، رغم فائض مخزون العادات والتقاليد التي حمت مصر على طول التاريخ من فقدان هويتها، فأصيبت هذه التقاليد بالتآكل والتجريف واستزدنا من الشعر بيتا بظاهرة الإرهاب التي ولدت يوم تركنا الشيطان يبيض ويفرخ غير قادرين على رصد المشكلة الحقيقية التي لا تبدأ بالتمويل والتنظيم ولكن تبدأ بضعف الولاء الوطني وانحدار القيم الأخلاقية والتسامح الأهوج الذي استغله الشيطان ليخرج علينا أبو رجل مسلوخة ليقنعنا أنه يقيم شرع الله.

وللحق، فقد ضاع الشرع والأخلاق والقيم والعادات والتقاليد، يوم أن ضاع المدرس والأب والأم، جريا خلف الحياة العصرية، ولا أعرف سببا يجعل مقالتي التي بدأت بالشوق تنتهي بالحرقة والألم على صغارنا الذين ضلوا بوصلة صراع الأجيال.