قلق اسرائيلي بعد الاتفاق الصيني الإيراني

طهران تلتف على العقوبات بمساعدة بكين
وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني (أ.ف.ب)

تل أبيب:في وقت ما زالت فيه إسرائيل تعيش فوضى وأزمة سياسية، في أعقاب صعوبات تشكيل حكومة وغياب قيادة سياسية قادرة على اتخاذ القرار، جاء الاتفاق بين الصين وإيران ليضع القيادات السياسية والأمنية والعسكرية أمام معضلة وقرار صعب في كيفية التعامل مع الصين واستمرار العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية بينهما. ومن جهة أخرى في مواجهة هذا القرار الذي يُعتبر نجاحا كبيرا لإيران، في كل ما يتعلق بمواجهة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وفق الإسرائيليين.

 وقد جاء توقيع الاتفاق في توقيت تعتبره إسرائيل هاما، بل ومؤثرا في كل ما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران، الذي يشغل الإسرائيليين منذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق، إلى جانب وجود إدارة أميركية جديدة، أبدت موقفا متشددا أظهر للصين وإيران عدم إمكانية تليينه تجاه الدولتين.

وذهب الإسرائيليون إلى أبعد من ذلك، وكما يرى باحثون في معهد الأبحاث القومي في إسرائيل، فإن قوة هذا الاتفاق تكمن في المجال التصريحي حوله ويمنح قوة للصين التي اختارت التوقيع في وقت تواجه فيه إيران ضغوطا في مختلف الجهات تدفعها إلى تقديم تنازلات بعيدة المدى لها الكثير من الفوائد وتجعل هذه الصفقة مجدية للغاية للصين.

تجري الأجهزة الأمنية، إلى جانب قيادات سياسية، أبحاثا حول هذا الاتفاق وتداعياته ونشرت تقارير عدة ربطت معظمها هذا الاتفاق الاستراتيجي بالمشروع النووي الإيراني والاتفاق حوله. ويتزايد القلق الإسرائيلي في هذا الجانب لما أظهرته الصين من دعم لموقف إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات حول الاتفاق النووي من دون شروط مسبقة، ما يعني عدم وقف خرق الاتفاق والاستمرار في المشروع النووي، وهو أمر تعتبره إسرائيل في غاية الخطورة، بل تراه خطا أحمر ترفض تجاوزه وإن تطلب الأمر التصدي له وحدها.

  

الاتفاق يضع إسرائيل في وضع جديد

يرى الإسرائيليون أن الاتفاق بين الصين وإيران، بالتزامن مع محاولة الولايات المتحدة استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي، يمكن أن يجعل إسرائيل في وضع جديد، من حيث المسألة الإيرانية والإمكانية بأن يجد جو بايدن وشي بينغ طريقة للتعاون وإزالة التوترات بين البلدين. ونقل عن مسؤول إسرائيلي أن «مقاربة الحد الأقصى في إسرائيل تجاه إيران والاتفاق النووي يمكن أن تضعها في خلاف مع واشنطن وبكين في ذات الوقت، الأمر الذي سيقتضي تفاهمات جديدة مع الولايات المتحدة».

وجاء في بحث نشره معهد أبحاث الأمن القومي في إسرائيل، تناول عدة جوانب للاتفاق بين الصين وإيران، مركزا على علاقته بالاتفاق النووي الإيراني: «إن إيران تأمل في أن الانشغال بالاتفاق مع الصين سيضمن استمرار معارضة الصين لمحاولة أميركية لتمديد سريان حظر الأسلحة على إيران في مجلس الأمن الدولي، وسيسمح لها لاحقا بالتسلح بسلاح صيني وربما يحسن ذلك من مكانتها في المفاوضات لشراء أسلحة من روسيا».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقاء مع نائب الرئيس الصيني وانغ كيشان في القدس، في أكتوبر، 2018 )غيتي)

الصين مصدر خلاف بين واشنطن وتل ابيب

منذ أكثر من سنة خلقت العلاقات بين الصين وإسرائيل خلافات مع الولايات المتحدة، عندما طلبت واشنطن وقف العلاقة الاقتصادية- التكنولوجية، بعدما هيمنت الشركات الصينية على نسبة عالية من المشاريع الضخمة، بعضها مشاريع قائمة بالقرب من مواقع استراتيجية وحساسة من الناحية الأمنية، خصوصاً في ميناء حيفا. وبعد أشهر طويلة من الضغوط الأميركية المكثفة على إسرائيل، صادق المجلس الوزاري الأمني المصغر على اقتراح لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، على إنشاء هيئة استشارية للمشاريع الأجنبية، برئاسة ممثل عن وزارة المالية ومشاركة ممثلين عن وزارة الأمن، للحيلولة دون فوز شركات صينية بمناقصات مشاريع إسرائيلية حساسة وضخمة.

وتشكل المشاريع الصينية في ميناء حيفا مشكلة بين واشنطن وتل أبيب، ليعيد الاتفاق الحالي بين الصين وإيران هذه المشكلة إلى الأجندة الإسرائيلية، إذ يعتبر ميناء حيفا واحداً من أهم المنشآت الأمنية الحساسة في إسرائيل من الناحيتين الأمنية والاستراتيجية، حيث تقام في الميناء القاعدة العسكرية البحرية، التي تشكل عصب الدفاع الإسرائيلي في أي مواجهة حربية بين إسرائيل ومنطقة الشمال. ومن ميناء حيفا يطلق سلاح البحرية الإسرائيلية عمليات عسكرية، بعضها سرية، يتم التشاور حولها مع الولايات المتحدة. وبحسب واشنطن فإن وجود شركة صينية هناك من شأنها أن تتجسس على خطة العمليات وعلى التعاون الأمني بين سلاحي البحرية الإسرائيلية والأميركية.

 

الهدف ليس عقد تحالف 

يثير توثيق العلاقات بين بكين وطهران قلقا إسرائيليا لذات الدوافع الأميركية لمنع اقتراب الشركات الصينية من ميناء حيفا. ومع احتدام التهديدات العسكرية بين إيران وإسرائيل تخشى تل أبيب من تداعيات الاتفاق بين الصين وإيران وتوثيق العلاقات بين البلدين بما يتيح لإيران الاطلاع على معلومات حساسة، يمكن للصين التوصل إليها من خلال عمل شركاتها في ميناء حيفا. وكما سبق وحذر المدير السابق لمشروع بناء الغواصات التي تحصل عليها إسرائيل من ألمانيا، جنرال احتياط شاؤول حوريف، من خطر ما يمكن أن يتم كشفه أمام الشركات الصينية من معلومات حساسة، تهدد بشكل كبير أمن إسرائيل والقاعدة العسكرية البحرية في ميناء حيفا.

لكن، وبحسب بحث معهد الأبحاث الإسرائيلي، فإن «هدف الاتفاق مع إيران ليس إبرام تحالف عسكري ضد الولايات المتحدة أو السعودية وإسرائيل». وأضاف معدو البحث أن «أهمية إسرائيل في هذه الحالة ضئيلة بالنسبة للصين ولا تؤخذ بالحسبان في مجمل اعتباراتها، باستثناء التخوف الصيني من هجوم عسكري إسرائيلي على المنشآت النووية في إيران، الذي قد يشعل حربا إقليمية وتقويض الاستقرار في المنطقة.

من جانب آخر، يرى البحث الإسرائيلي أن الصين «ستدرس مستوى المخاطر مع توقيعها على اتفاق كهذا ودفعه قدما إذا شعروا أن استثماراتهم المالية ستكون مستهدفة، بسبب استمرار نشاط إيراني يشكل استفزازا وتحديا من شأنه أن ينعكس على استقرار المنطقة واستقرار إيران الداخلي أيضا». وأوصى معدو البحث متخذي القرار في إسرائيل باستعراض هذا الجانب مقابل الصين.

وفي الوقت نفسه ترى إسرائيل تضارب مصالح بين الصين وإيران. وجاء في أحد التقارير الإسرائيلية حول هذا الجانب أن لبكين مصلحة في تدني أسعار النفط، في حين أنه توجد لطهران مصلحة حيوية في أسعار نفط مرتفعة. الصين تهتم بعلاقاتها التكنولوجية مع إسرائيل ما يطمئن الإسرائيليين، بعض الشيء، بعدم إمكانية تزويد الصين لإيران بتكنولوجيا صواريخ بحرية متطورة أو أنظمة صواريخ كاملة تهدد إسرائيل.

سياح صينيون في القدس 2013

ا

الاتفاق لم يطفئ شعلة التهديد

في مقابل احتدام الخلافات وزيادة العراقيل لتشكيل الحكومة، وتداعيات اتفاق الصين وإيران على إسرائيل يبقي الأمنيون والعسكريون شعلة التصعيد الأمني متوهجة، لكن مع إثارة المنافسة الاقتصادية والعلمية تجاه إيران.

وفيما ينذر سياسيون وأمنيون من حدة التهديدات العسكرية في ظل تقارير تؤكد عدم القدرة الكاملة لإسرائيل في تنفيذ ذلك، خرج رئيس شعبة إيران والقضايا الاستراتيجية في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، طال كالمان، بتصريحات يؤكد فيها أن شيئا لن يسقط احتمال الضربة العسكرية ضد إيران، وبأن إسرائيل، خلافا لما ينشر، قادرة على ذلك، لكنه في الوقت نفسه يرى مكانا للمسار الدبلوماسي.

وفي مقابلة معه لصحيفة «يسرائيل هيوم»، قال: «إن التصدي لإيران مكون من أربعة عناصر: النظام المتطرف، الذي يشكل تحديا كبيرا جدا لإسرائيل. والبرنامج النووي. وتعاظم القوة العسكرية، الذي يقترب من قدرة القوى العظمى. أما الرابع فهو السعي الإيراني للتموضع والنفوذ الإقليمي، في مسيرة طويلة المدى من استغلال مناطق عديمة الحكم وبناء قدرات فيها». ويلمح كالمان في العنصر الرابع إلى سوريا وإيران.

وأضاف في سياق حديثه أن «التحدي الذي تضعه كل هذه العناصر أمام إسرائيل غير مسبوق؛ فالعناصر المعيارية للردع، الحسم والدفاع غير ذات صلة بدولة من 80 مليون نسمة توجد على مسافة ألف كيلومتر عنك. ويدور الحديث عن منافسة استراتيجية بعيدة المدى، تستوجب تفكيرا آخر عما يكون حيال دولة توجد على حدودنا» (سوريا ولبنان).

وبرأي كالمان: «يجب أن يكون التهديد العسكري جزءا من العناصر الاستراتيجية. كما أن هذه هي الرسالة التي تنقلها إسرائيل في حواراتها في الولايات المتحدة وفي أوروبا»، ويضيف: «القيادة الإيرانية تنظر استراتيجيا، وهي تتصرف بشكل محسوب وحذر. لقد سبق وقلنا إنه من ناحيتهم يفترض أن يكون النووي  بوليصة تأمينهم، بحيث إنهم إذا ما فهموا أنه قد يعرضهم للخطر، فسيعيدون التفكير».

وبحسب كالمان، فإن «النظام الإيراني معني بالنووي، بداية كبوليصة تأمين لاستقراره. ولكن من ناحية إسرائيل هذا موضوع وجودي، وفي شرق أوسط آخر أيضا يدخل في سباق تسلح نووي، تنضم فيه لإيران دول أخرى تسعى للتزود بقدرات نووية وهناك قسم كبير من الدول المحيطة بنا ستسعى إلى النووي. وبالتأكيد تلك التي تمتلك قدرات اقتصادية».

ويشدد كالمان على أن «الحل ليس عسكريا فقط. فالهجمات التي تنفذ على سوريا هي فقط جزء واحد من الاستراتيجية. يجب أن يكون أيضا عنصرا دبلوماسيا ينقص الآن. الأسد متعلق جدا بالإيرانيين اقتصاديا أيضا. ولدينا أفكار حول كيف يمكن أن نأخذ سوريا إلى وضع إنهاء الحرب الأهلية دون أن تكون إيران فيها. هذا حدث مركب، يجب أن يجري بين القوى العظمى».

أما بالنسبة للبنان، والتقارير الإسرائيلية حول مشروع الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله، فيقول: «يوجد ميل ما، هو خطأ، الحديث عن الدقة وعن حزب الله في وقت واحد. فهذا أوسع وأكثر قلقا. نحن نتحدث هنا عن ميل تكنولوجي أصبح بسيطا نسبيا ويمكن الوصول إليه من كل من يحيط بنا. إسرائيل دولة صغيرة، وقدرة الدقة على دولة صغيرة هو تهديد وصفناه كتهديد استراتيجي خطير، توجد درجة واحدة تحت النووي. وما لا يفهمه الكثيرون هو ما يترافق مع الأمر؛ فهذا ليس فقط حزب الله. بل ما يبنى في سوريا، وربما في المستقبل في الساحة الفلسطينية أيضا، وفي العراق وفي اليمن، وبالطبع في إيران نفسها. هذا يضيف التحدي».

ومن حيث الجبهات المتنوعة يقول كالمان: «صحيح، نحن لم نعد نتحدث عن معركة شمالية بل وأيضا عن معركة في الساحة الشمالية- الشرقية»، ويضيف: «إن الاعتبار في المبادرة إلى ضربة وقائية في لبنان ضد مشروع الدقة لدى حزب الله هو مركب من شأنه أن يتدهور إلى معركة إقليمية. نحن نبحث في ذلك بشكل دائم كما نبحث في السبل لمعالجة المشكلة في كل مستوياتها، بما في ذلك المنتج، في إيران».