الإخوان بين مصر وتركيا... مستقبل ضبابي

هل يتخلى إردوغان عن التنظيم مقابل علاقاته مع القاهرة؟
جماعة الإخوان لن تستطيع أن تتخلى في الوقت الراهن عن الحماية والاحتضان التركي

القاهرة: في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط من تطورات جمة على مختلف الأصعدة، يأتي ملف العلاقات المصرية التركية ليضيف تطورا مهما يترك تأثيراته على مجمل قضايا المنطقة، نظرا لتعددية أبعاده من ناحية، وتشابكية تداعياته في مختلف القضايا من ناحية أخرى.

وإذا كان ملف العلاقات بين البلدين يحمل أبعادا متعددة، فإن ملف مستقبل تنظيم جماعة الإخوان في ظل ما يشهده هذا الملف من تطورات، يمثل واحدا من الأبعاد الأكثر أهمية في توجيه مسار علاقاتهما، الأمر الذي يثير جملة من التساؤلات، منها: كيف تنظر القاهرة إلى الوزن النسبي لملف الإخوان في مسار المصالحة مع أنقرة؟ إلى أي مدى توظف تركيا ملف الإخوان في إدارة ملفات سياستها الخارجية ومن بينها توجهاتها تجاه مصر؟ هل يمكن أن تأتي المصالحة المصرية التركية على حساب مستقبل الإخوان؟ إلى أي مدى يمكن أن يتخلى إردوغان عن جماعة الإخوان في مقابل عودة العلاقات مع مصر؟

ويستعرض التقرير في خضم الإجابة على هذه التساؤلات، محورين:

المعارض المصري في تركيا أيمن نور (غيتي)

أولا: الإخوان والنظام التركي بين الاستطاعة والإرادة

إن ما يواجهه تنظيم الإخوان اليوم في إطار التطورات التي تشهدها العلاقات المصرية التركية، لم يكن الأول من نوعه، إذ يكشف التاريخ عن سجل ممتد من الأزمات الوجودية التي واجهتها جماعة الإخوان منذ تأسيسها في أواخر عشرينات القرن المنصرم على يد مؤسسها حسن البنا، وهو ما يثير التساؤل حول السبب وراء تكرار أزمة التنظيم؟ ليجد الإجابة في طبيعة الفكرة ذاتها من ناحية، ورؤية القائمين على تحقيقها من ناحية أخرى، إذ أن جماعة الإخوان شأنها شأن التنظيمات الإسلامية كافة، بل نظرا لكونها المصدر الرئيسي لوجود هذه التنظيمات، تنتهج في مسارها خطين متوازيين:

الأول:اعتبار الوصول إلى الحكم هو الغاية والهدف الرئيسي من وراء قيامها.

الثاني:انتهاج العنف طريقا في تحركها، مع التباين بين هذه التنظيمات في توقيت استخدامه أو حجم استخدامه أو طريقة استخدامه، فنجد على سبيل المثال الجماعة الإسلامية- كأحد أفرع الإخوان- ترى في العنف الوسيلة الأكثر قربا لتحقيق هدفها المزعوم بإقامة دولة الخلافة، وهو ما واجهته مصر خلال تسعينات القرن المنصرم، في حين رأت الإخوان أن انتهاج العنف يجب أن يظل في إطار من السرية والخصوصية (التنظيم الخاص نموذجا) لحين الوصول إلى السلطة، وهو ما يفتح لها الباب الشرعي لاستخدامه في مواجهة المعارضين لسياستها (ما حدث في مصر خلال عام حكم الإخوان نموذج، وما يحدث في تركيا ضد المعارضين اليوم نموذج أيضا).

 

الإعلامي المعارض معتزّ مطر

وعليه، يواجه التنظيم بشكل مستمر أزمات مع النظم الحاكمة من ناحية، والمواطنين الرافضين لفكرهم من ناحية أخرى، وهو ما يجعلهم بين الحين والآخر في مواجهة أزمة وجودية تهدد التنظيم الذي يحاول عقب ذلك إعادة ترتيب أوضاعه واستعادة أراضيه وتمدده، من خلال القيام بأدوار وظيفية لمن يدعمهم في أزماتهم، وهذا ما ينطبق على العلاقة بين نظام الحكم في تركيا وتنظيم جماعة الإخوان، ففي ظل الهزيمة التي منيت بها الجماعة في موطنها الأصلي (مصر) عقب ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013، لم تجد ملجأ أكثر ملاءمة من تركيا (إلى جانب بعض الدول الأخرى مثل ماليزيا والسودان)، حيث وجد نظام رجب طيب إردوغان في تنظيم الإخوان غايته المنشودة في توظيفه بما يحقق مصالحه أو يُسهم في تحقيق مشروعه الإقليمي في الهيمنة على مقدرات المنطقة، ووجد أن الفرصة سانحة لبسط هيمنته على شؤون المنطقة في ظل الأوضاع التي واجهتها القاهرة خلال أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، وقد ساهم في هذا التقارب التوجه الإخواني الآيديولوجى الذي يحمله الرئيس التركي إردوغان، فقد تحقق التلاقي بين توجهات إردوغان الآيديولوجية الأقرب إلى فكر جماعة الإخوان، وحاجة الإخوان إلى مظلة للحماية.

من هذا المنطلق، تصبح ثمة صعوبة في أن يكون للتقارب المصري التركي تأثير على وضع الإخوان داخل تركيا، فجماعة الإخوان لن تستطيع أن تتخلى في الوقت الراهن عن الحماية والاحتضان التركي من ناحية. كما أن النظام التركي لا يريد (لا تتوافر لديه الإرادة) أن يتخلى عن تنظيم الإخوان في هذا التوقيت على وجه التحديد، خاصة مع قرب الاستحقاق الرئاسي المرتقب عام 2023، حيث يوظف إردوغان الجماعة من أجل كسب الرأي العام الداخلي من ناحية، وتوظيف أفرعها في الأزمات الإقليمية التي تنغمس فيها تركيا من ناحية أخرى.

هكذا تلاقت عدم الاستطاعة من جانب تنظيم الإخوان في الانفكاك عن تركيا مع عدم توافر إرادة النظام التركي في التخلي عن الجماعة في الوقت الراهن بهدف تعظيم مكاسبه، كونها بمثابة ورقة تفاوضية في يد إردوغان في مفاوضاته مع الطرف المصري إذا استدعى الأمر ذلك.

ولكن هذا لا يمنع انطلاقا من البرغماتية السياسية التي تحرك الرئيس التركي رجب إردوغان في أن يبدي تخليا نسبيا أو جزئيا عن جماعة الإخوان من خلال إبعاد بعض قياداتها أو تهدئة الخطاب الإعلامي لبعض القنوات المعادية للدولة المصرية، وهو ما يعطي مؤشرات أو دلائل- طبقا للرؤية التركية- للطرف المصري أن ثمة تحركا تركيا في ملف إبعاد الجماعة كأحد مطالب الدولة المصرية لعودة علاقاتها معها.

القنوات التابعة للتنظيم في تركيا

ثانيا: مصر وورقة الإخوان التفاوضية... تراجع الوزن النسبي

في مجال المفاوضات يبحث كل طرف عن أدوات تمكنه من تحسين وضعه التفاوضي، وتعطيه ساحة للنقاش والتفاوض حول القضايا المطروحة تعظيما للمكاسب المتحققة من وراء العملية التفاوضية، وهو ما ينطبق على التطورات الجارية في مسار المصالحة المصرية التركية، إذ من بين الملفات المتعددة التي يناقشها الطرفان المصري والتركي لحل أزمة العلاقات بينهما، يرى البعض أن ملف الإخوان يمثل ثقلا في مجال التفاوض المصري التركي، وهو ما يتصوره الجانب التركي صاحب المبادرة في التقارب من مصر عبر كثير من الخطابات التي صدرت عن مسؤولين أتراك، وإن كان النهج التركي- أقرب إلى النهج الإخواني- في تصدير صيغ متعارضة من الخطابات بشأن الموضوع ذاته، بما يحدث ربكة لدى المتابعين، فنجد خطابا تركيا يطالب المصريين المقيمين أو حاملي الجنسية التركية بتخفيف الخطاب الإعلامي ضد الدولة المصرية، إلا أنه في الوقت ذاته يصدر تصريح على لسان أحد المسؤولين الأتراك حول أهمية ومكانة قادة أو عناصر جماعة الإخوان المقيمين في تركيا، رغم تكرار المطالب المصرية بضرورة تسليم المصريين المتهمين في قضايا تتعلق بالعنف والقتل والتحريض ضد الدولة.

وغني عن القول إن الرؤية المصرية التي لا تزال صامتة في الرد على الخطابات التركية بشأن المصالحة بين البلدين، لا تعطي وزنا نسبيا لملف الإخوان في مسار العلاقات بين البلدين. ويرجع ذلك إلى سبيين:

الأول: أن تنظيم الإخوان في مرحلة من التفكك والضعف لم يمر بمثلها من قبل، خاصة بعد أن نجحت الدولة المصرية في مواجهة خطابه العدائي ضد ثورة الثلاثين من يونيو، كما نجحت في كشف انتهازيته ومغالطته أمام الرأي العام المصري بل والعربي الذي أصبح رافضا للخطابات الإخوانية الخادعة في توظيفها للدين الإسلامي بما يخدم مشروعها الأممي (أستاذية العالم طبقا لمفهوم مؤسسها حسن البنا).

الثاني:ثمة ملفات إقليمية أخرى تحظى بالأولوية لدى المصالح الإقليمية المصرية، من بينها الملف الليبي وما يرتبط به من ملف شرق المتوسط، إضافة إلى ملف الوجود التركي في أفريقيا بصفة عامة والصومال والبحر الأحمر على وجه الخصوص، كذلك الأزمة السورية والسيناريوهات المطروحة لمستقبلها. كل هذه الملفات تأتي في مقدمة اهتمامات مصر التي تمكنت بفضل سياستها الحكيمة من دحض جماعة الإخوان وكشف سوءاتهم.

الفنان المصري المعارض محمد شومان، المقيم في تركيا

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن تنظيم الإخوان الموجود في تركيا إذا ما قُدّر للمصالحة المصرية التركية أن تتم، ينتظره مستقبل ضبابي يتخذ أحد مسارين:

الأول:الهجرة من تركيا (يقصد بذلك هجرة قيادات التنظيم ورجالاته) والبحث عن ملاذات آمنة، وتصبح أمامهم بعض الدول، من بينها: بريطانيا، كندا، ماليزيا.

الثاني:البقاء في تركيا تحت مظلة الشروط والإملاءات التركية وفقا لكيفية توظيف ورقتهم في التفاوض مع الجانب المصري، وهو ما لن تقبله الدولة المصرية التي تطالب بضرورة تسليم القيادات الإخوانية التي صدرت في حقها أحكام قضائية بسبب ارتكابها جرائم إرهابية راح ضحيتها جنود ومواطنون أبرياء.

غاية القول إن البحث في مستقبل تنظيم جماعة الإخوان الموجودين في تركيا في ظل ما تشهده العلاقات التركية المصرية من محاولات للتقارب، يظل مرهونا بقدرة التنظيم على إعادة ترتيب أوضاعه خاصة فيما يتعلق بوجود قياداته على الأراضي التركية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى يرتبط مستقبلها أيضا بحاجة النظام التركي إلى توظيفها لتحقيق مصالحه داخليا وخارجيا. ومن ناحية ثالثة، يرتبط هذا المستقبل كذلك برؤية الطرف المصري لما يجب أن يكون عليه وضع أفراد التنظيم المطلوب تسليمهم إلى السلطات المصرية لمحاكمتهم على ما ارتكبوه من جرائم في حق الدولة المصرية ومواطنيها.