فانوس رمضان... رمز تاريخي يضيء ليالي الشهر الكريم

بين العادات الشعبية والمنافسة الاقتصادية
الفوانيس التقليدية في سوق بمنطقة شبرا، القاهرة، مصر )غيتي)

القاهرة: مع قدوم شهر رمضان المعظم، والنفحات الإيمانية التي تسمو بالروح، وليالي رمضان المبهجة التي تلفحها نسمات وعبق الإيمان، تملؤها أيضا نفحات من التاريخ، والحضارة، والفلكور، لا بدّ من حضورٍلفانوس رمضان، وامتلاء الشوارع بالزينات والفوانيس إعلانا بقدوم الشهر الكريم، وترديد الأطفال لأغاني رمضان الجميلة.

ولفانوس رمضان حكاية وقصة، جعلته مرتبطا بهذا الشهر، وتكثر الروايات حول أصله، واشهرها أن الخليفة الفاطمي بعد فتح مصر كان خارجاً لاستطلاع هلال شهر رمضان، وكان الأطفال يخرجون معه ليضيئوا له الطريق حاملين الفوانيس، ومرددين بعض الأغاني التي تدل على فرحتهم باستقبال شهر رمضان.

وحسب الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان، فإن فانوس رمضان ارتبط به المصريون منذ 15 رمضان سنة 368 هجرية (972 ميلادية)، مع وصول المعز لدين الله الفاطمي لمشارف القاهرة التي اتخذها عاصمة لدولته، وخرج أهل مصر لاستقباله عند صحراء الجيزة حاملين المشاعل والفوانيس مرددين عبارات الترحيب، وأهمها «وحوي يا وحوي ايوح»التي غناها المصري القديم للقمر، فكلمة «ايوح»تعني القمر، وأصبحت هذه العبارة منذ العصر الفاطمي تحية خاصة لهلال شهر رمضان.

وأغنية «وحوي يا وحوي»فرعونية الأصل، وكان نصها الأصلي: «قاح وي واح وي أحع»،وتعني «بزغت بزغت يا قمر»، وتحمل معنى ترحيب آخر: «ما أجمل طلعتك يا قمر»، حيث كان يسمى القمر عند الفراعنة «إحع»، وذلك حسب أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة الدكتور علي أحمد الطايش، الذي أكد أنه بعد دخول الفاطميين مصر وانتشار ظاهرة الفوانيس أصبحت الأغنية مرتبطة بشهر رمضان فقط، بعدما ظلت أزمنة عديدة مرتبطة بكل الليالي القمرية.

فانوس رمضان عملاق في مخيم الشاطئ وسط قطاع غزة (غيتي)

وظيفة ترفيهية لـ«فانوس رمضان»

تحول الفانوس في عهد الدولة الفاطمية من وظيفته كمصدر إضاءة ليلي للشوارع في شهر رمضان بعدما طالب أحد الخلفاء الفاطميين أئمة المساجد بتعليق الفوانيس في الشوارع ليلا خلال شهر رمضان، إلى وظيفة ترفيهية، حيث يطوف به الأطفال الشوارع ليلا ويطلبون الهدايا والحلوى مثل الكنافة والقطايف وكعك العيد.

وحسب الدكتور ريحان، فإن هنالك قصة أخرى للفانوس، حين حرم الحاكم بأمر الله الفاطمي خروج نساء القاهرة ليلا إلا في شهر رمضان، شريطة أن يتقدمهن صبي صغير يحمل في يده فانوسا مضاءً، ليعلم المارة في الطرقات بوجود نساء فيفسحن لهن الطريق، كما قيل إن ظهور فانوس رمضان ارتبط بالمسحراتي وكان يعلق في منارة المساجد والجوامع، ومصاحبة الأطفال للمسحراتي بفوانيسهم لإيقاظ الناس لتناول السحور.

 

ورش صناعة الفانوس ومراحل إنتاجه

بدأت صناعة الفوانيس من الصفيح داخل ورش صغيرة في مناطق متعددة بالقاهرة أشهرها الربع المتفرع من ميدان باب الخلق، ومنها إلى أماكن أخرى في عدة محافظات مثل البحيرة، والفيوم، ثم انتقلت فكرة الفانوس إلى أماكن أخرى في الوطن العربي، خاصة دمشق وحلب والقدس وقطاع غزة وأغلب البلدان العربية، ليصبح جزءا من تقاليد شهر رمضان، وتم ابتكار فانوس من الصاج والزجاح، الذي أبدع الصناع في عمله بإضافة الزجاج الملون له وتعدد أشكاله.

ومع تطور استخدامات البلاستيك، أصبحت الصين أكبر مصدري الفوانيس، بعدما تم إدخال الأصوات والأغاني الرمضانية على الفانوس وابتداع أشكال أخرى من الفوانيس مثل «دمى»شخصيات شهيرة، مثل فانوس لاعب كرة القدم المصري المحترف في إنجلترا محمد صلاح، وفانوس بوجي وطمطم، وغيرها من الشخصيات، وفي رمضان الحالي 2021 تم ابتداع فانوس على هيئة مدفع رمضان، وتيشرت فانوس رمضان المضيء، الذي غزا الأسواق ولاقى رواجا كبيرا، برغم عودة الفانوس التقليدي القديم للصدارة مرة أخرى بعد إصدار القرارات رقم 9، و34، و92 بمنع استيراد الفوانيس وألعاب الأطفال إلا للمصانع الأجنبية المسجلة بمصر وزيادة المعروض من الفوانيس بسبب هذه المصانع.

صناعة الفوانيس من الصناعات النشطة طوال العام رغم ارتباطها الوثيق بشهر رمضان، وتنتشر ورش صناعتها في القاهرة التي يوجد بها أشهر ورش صناعة الفانوس ومنها ورشة أم إبراهيم بالسيدة زينب والتي تقع في حارة الورداني بالقرب من سوق السمك الشهير هناك، والتي شيدت منذ أكثر من 50 عاما، وبها عشرات الأشخاص يتم توزيع المهام عليهم، وتنشط الورشة بشكل مكثف قبيل شهر رمضان بعدة أشهر، كما تنتشر ورش صناعة الفانوس في منطقة باب اللوق، ومراكز ومدن محافظة البحيرة، وأشهرها ورشة عم عبده، في المحمودية، والتي تقوم بتصنيع أشكال مختلفة، منها المثلث، والكرة، والكأس، والجوهرة.

يستغرق عمل الفانوس الصغير ما يقرب من ساعتين فيما يتجاوز الفانوس الكبير الذي يحتوي على 4 فوانيس صغيرة ما يقرب من عشر ساعات، كما توجد ورش لصناعة الفانوس في منطقة الصيفية القديمة وهي أحد الأحياء الشعبية الشهيرة في مدينة الفيوم وأشهرها ورشة أحمد فونيا، التي لا زالت تمارس عملها في صناعة الفانوس منذ 60 عاما وحتى الآن، كما ظهرت ورش الفانوس الخشبي في مدينة دمياط وأشهر صناعها ورشة محمد الكفراوي.

حي السيدة زينب في القاهرة (غيتي)          

ملايين الدولارات فاتورة استيراد الفانوس

اختلفت التقارير حول حجم فاتورة استيراد مصر لفوانيس رمضان، فحسب رئيس شعبة الأدوات المكتبية ولعب الأطفال بالغرفة التجارية بالقاهرة أحمد أبو جبل، بلغت فاتورة استيراد فانوس رمضان حوالي 10 ملايين دولار، فيما أكد مستوردون باتحاد الغرف التجارية أن مصر استوردت من الصين بأكثر من 30 مليون دولار فوانيس رمضان، رغم ارتفاع أسعار الشحن مما أدى إلى ارتفاع سعر الفانوس بنسبة 30 في المائة مقارنة بالعام السابق، حيث تراوحت أسعاره بين 100 إلى 400 جنيه.

وحسب بيانات رسمية صادرة عن الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، فإن جميع المعروض في الأسواق خلال رمضان الماضي، هي منتجات مصرية 100 في المائة، ولا توجد فوانيس مستوردة نهائيا، وذلك حسب رئيس شعبة الأدوات المكتبية بغرفة القاهرة التجارية بركات صفا، حيث تم تصنيع أكثر من 4 ملايين فانوس محلي الصنع نتيجة توقف عملية الاستيراد من الخارج بسبب فيروس كورونا.

وفانوس رمضان لم يتأثر بتراجع الواردات من الصين، وذلك حسب رئيس شعبة المستوردين بغرفة القاهرة أحمد شيحة، لاختلاف الفانوس الصيني هذا العام في الشكل والتصميم عن العام الماضي، مما جعله الأكثر مبيعا رغم ارتفاع أسعاره التي تتراوح بين 100، و400 جنيه حسب الخامة.

محل لبيع الفوانيس في سوق الشورجة وسط بغداد (غيتي)

انتعاش الفانوس المصري محلي الصنع

ساهم قرار منع الاستيراد في انتعاش الفانوس المصري ورواجه خاصة في أسواق السيدة زينب بالقاهرة، وسوق المنشية بالإسكندرية، والفانوس الخشبي في دمياط، والتي قلت أسعارها عن أسعار الفانوس الصيني المستورد.

وعلى الرغم من مرونة أسعار الجملة للفوانيس والتي تتراوح بين 10 إلى 200 جنيه، إلا أن الإقبال على شرائها يأتي في حدود الإقبال المتوسط، حسب تأكيدات أحمد ثروت بائع فوانيس بسوق الجملة في شارع فرنسا بالمنشية بالإسكندرية لـ«المجلة»، مرجعا ذلك إلى تداعيات العام الثاني لجائحة كورونا، وهو ما دفعه إلى استبدال بيع الفوانيس التقليدية إلى بيع تيشرتات «وحوي يا وحوي»ذات الفانوس المضيء، والأقل سعرا من الفوانيس، وهو ما جعل الإقبال عليها كبيرا، إضافة إلى الإقبال على ميداليات الفانوس الصغيرة التي تتراوح أسعارها بين 3، و10 جنيهات، والأجود منها يصل سعره إلى 25 جنيها، وذلك حسب الحجم والخامة.

منجد عامر، صاحب ورشة تصنيع فوانيس خشبية بمنطقة الشعراء بدمياط، أكد لـ«المجلة»أن القرار منح الفرصة للورش المحلية للابتكار والوجود على الساحة، وأنه للمرة الأولى يستخدم فن صناعة الأثاث في تصنيع الفوانيس الخشبية بأشكالها المختلفة، باستخدام ماكينات الحفر بالليزر، وهو ما أدى إلى انتشارها في الأسواق بشكل كبير، وانخفاض أسعارها، على الرغم من عدم فقدان الفانوس المعدني لجمهوره رغم ارتفاع أسعاره نسبيا، كما أن الفانوس الخشبي ساهم في تنشيط مصانع الخشب والأثاث، وتقليل نسب البطالة، مضيفا أن الفانوس المعدني له جمهوره العريض على الرغم من ارتفاع سعره نسبيا. لكن «زبون»الفانوس الصاج من الفئة المهتمة بالاحتفاظ بالتحف والأشياء التراثية، خاصة من كبار السن، وأصحاب المحال، والسلاسل التجارية الكبيرة، حيث يمثل الفانوس بالنسبة لهم ذكرى مهمة في كل عام.