مع إيران لا أنصاف حلول

عندما أعلنت المملكة العربية السعودية عن مبادرتها لوقف إطلاق النار وإنهاء الأزمة في اليمن، لم يكتف الحوثيون برفض المبادرة، حيث غرد كبير المفاوضين الحوثيين محمد عبد السلام، عبر «تويتر»،واصفا إياها بأنها «‏مبادرة موجهة للاستهلاك الإعلامي، غير جادة ولا جديد فيها»، بل شنت القوات التابعة لحركة أنصار الله الحوثية عملية عسكرية بعنوان «عملية يوم الصمود الوطني»،استهدفت فيها بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية مناطق في العمق السعودي.

كل ذلك يترافق مع تصريحات أميركية منددة بالاعتداءات الحوثية المستمرة، ولكن التنديد لم يخرج عن نطاق البيانات والتصريحات، وخصوصا أن إدارة بايدن كانت قد سارعت فور وصولها إلى البيت الأبيض إلى رفع اسم جماعة الحوثي من قائمة الإرهاب، في خطوة اعتبرت أنها هدية مجانية من قبل الإدارة الأميركية إلى الجمهورية الإسلامية في إيران دون الأخذ بالاعتبار حجم الاعتداءات والانتهاكات اليومية التي يقوم بها الحوثيون.

ومثل الحوثيين في اليمن، كذلك جميع الميليشيات التابعة لإيران، فتجارب عشرات السنين أثبتت أن سياسة حسن النية مع إيران لا تنفع، فما قام ويقوم به حزب الله في لبنان، وما قامت وتقوم به الميليشيات الإيرانية وكل من يواليها في العراق، هو ما يقوم به الحوثيون في اليمن.

فمنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، لم يكتف النظام يوما من الاعتداء على جيرانه العرب وانتهاك سيادة الدول ان بالمباشر أو من خلال تشكيل ميليشيات طائفية ودعمها ماليا ومدها بالسلاح لتكون خنجرا مسموما في خاصرة الدول، جميع الدول العربية. وإن كان شعار النظام الإيراني هو تصدير الثورة إلا أن واقع الحال لم يكن سوى تصدير الفوضى والدمار لأجل القضاء على مفهوم الدولة ومؤسساتها، ولتتمكن إيران من خلال ميليشياتها من السيطرة على البلاد والعباد، فكيف لدولة أن تستقيم وهناك على أرضها جيش رديف لجيشها الوطني.

وإن كان ما فعلته وتفعله إيران في سوريا هو الأكثر وقاحة، حيث مكنها نظام الأسد ليس فقط من السيطرة على ما بقي من الدولة مقابل حماية نظامه، فلم تكتفِ باحتلال سوريا ونشر الميليشيات الطائفية الموالية لها، بل أيضا قامت بتهجير السوريين ونهب أملاكهم وتوطين عناصر من ميليشياتها مكان السوريين المهجرين.

ولكن يبقى المثال الوضح بأن لا أنصاف حلول مع إيران وميليشياتها هو لبنان، فمنذ تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، رفضت ميليشيات إيران اللبنانية، أي حزب الله، جميع الدعوات لتسليم السلاح أو لوضع استراتيجية دفاعية مقابل أن تتحول إلى حزب لبناني كسائر الأحزاب اللبنانية. وفي الواقع لم يكن حزب الله يوماً لبنانياً، ولذلك لم تكن النداءات المطالبة بعودته إلى حضن الدولة والمجتمع اللبناني واقعية.

وإن كانت الأزمة التي تعصف بلبنان اليوم هي ذروة الأزمات التي عصفت به منذ عام 2005 مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإنه وفي كل أزمة كان حزب الله يصمد بوجه الرياح، مستمداً قوته من لامبالاته بمصير لبنان واللبنانيين، وكان في كل مرة يحقق المزيد من المكاسب ويقضم المزيد من حقوق الدولة والمواطن، منتهكا جميع الأعراف والدساتير، مقابل تسوية ما، هي في أحسن أحوالها من نوع أنصاف الحلول.

واليوم يرى البعض، كما في لبنان كذلك في سوريا، أن الإسراع إلى التسوية هو الحل، طالما أن المنطقة محكومة بالتسويات، وإن كان ليس ثمة ما يُوحي بأن الاتفاق بين الجانبين الأميركي والإيراني بات وشيكا، إلا أن جميع المعطيات والتسريبات تؤكد أن الأميركي مستعد لتقديم التنازلات للوصول إلى اتفاق مع الجانب الإيراني.

وإن كنا حقا محكومين بالتسوية في نهاية المطاف، إلا أن الفرق بين تسوية وأخرى هو ما يجب أن يكون مدار البحث، فحتى اليوم لم  يقدم العرب رؤية متكاملة لحل مشكلة اعتداءات إيران وميليشياتها المتكررة، وما زال الجميع متفقين على أن لإيران مشروعا توسعيا وتدميريا في المنطقة، فمن البديهي أن يتفق الجميع على أن سياسة أنصاف الحلول وحسن النية والتي جربت كثيراً لم تعد تنفع، وأن الأوان قد آن لوضع حل جذري لمرة واحدة ونهائية مهما كلف الأمر.

حسناً فعلت المملكة بتقديم مبادرة ليست الأولى لإنهاء معاناة اليمنيين، وغير مفاجئ ما فعله الحوثي برفض المبادرة واستمراره في عدوانه، وإلى حين الوصول إلى تسوية عادلة وشاملة، على الجميع الاستمرار بالمحاولة لتخفيف معاناة المدنيين، كما في اليمن، كذلك في لبنان وسوريا والعراق.