«رحلات الموت» على السكك المصرية مستمرة.. رغم محاولات التطوير

قطار سوهاج جدّد أحزان حوادث القطارات المميتة.. و«العنصر البشري» المتهم الأول
حادث الاصطدام الذي وقع في 12 مارس 2020 (غيتي)

القاهرة: لم يكن حمل أشلاء الضحايا بين عربات قطار سوهاج المحطمة ونقل الجثث المتناثرة على جنبات السكك الحديدية، مشهدا جديدا على المصريين الذين اعتادوا رؤية هذه المشاهد القاسية بين حين وآخر، لكن هذا الحادث أثار الكثير من الشجون، وجدد أحزان حوادث القطارات المميتة التي لا يكاد يخلو عام من أحدها.

وزاد من الأحزان أنه كانت هناك آمال عريضة على توقف هذه الحوادث الدامية في ضوء الجهود الضخمة التي تبذلها الدولة لتطوير قطاع السكك الحديدية الذي ينقل نحو 260 مليون راكب سنوي.

السكك الحديدية في مصر، والتي تعد ثاني أقدم شبكة في العالم، تمثل عصب الحياة لملايين المصريين، فهي تخدم جميع المحافظات في الدلتا والوجه القبلي والمدن الساحلية والقناة والموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، بخطوط تصل إلى 9000 كم، تضم نحو 20 محطة رئيسية، و705 محطات فرعية.

ويعتمد ملايين المصريين على السكك الحديدية في تنقلاتهم اليومية، ورغم المشكلات المعتادة التي تواجه هذا القطاع فإنه يمثل أهم قطاعات النقل، نظرا لانخفاض تكلفته، خاصة في «خطوط المراكز»أو قطارات الدرجة الثالثة التي تعتمد على التوقف في مراكز المحافظات المختلفة، وتتميز بانخفاض أسعارها عن أسعار الدرجة الأولي والثانية، وهي ما يطلق عليه البعض «قطار الغلابة»والذي كان أحدها ضحية الحادث الأخير.

 

قطار الغلابة

«قطار الغلابة» كان يحمل المئات في رحلة من «رحلات الموت»، كان آخرها هذا الحادث عندما توقف القطار رقم 157، نتيجة قيام مجهولين بشد فرامل الطوارئ، حسب بيان وزارة النقل، قرب قرية الصوامعة غرب، بدائرة مركز طهطا في محافظة سوهاج بصعيد مصر، في الوقت الذي كان فيه قطار الإسباني رقم 2001 قادما خلفه، فاصطدم به من الخلف.

موقع تحطم قطار بمحطة السكك الحديدية الرئيسية بالعاصمة المصرية القاهرة في 27 فبراير 2019، وقد تسبب الحادث في اندلاع حريق كبير في المحطة. (غيتي)

اختلاف عدد الضحايا

في البداية، قالت وزارة الصحة إن عدد الضحايا 32 قتيلا، ثم عادت وقالت إن عدد الضحايا 19 شخصا و3 أكياس أشلاء، وإن المصابين وصل عددهم إلى 185 مصابا، مرجعة تخفيض عدد الضحايا إلى حساب عدد ممن كانوا في حالة غيبوبة ضمن الوفيات، لكن بيان النيابة الصادر بعد الحادث بثلاثة أيام أشار إلى أن الحادث أسفر عن وفاة 28، بينهم أطفال من مستقلي القطارين، فضلا عن العثور على أشلاء آدمية متفرقة.

الحادث أثار ضجة كبيرة، وسرعان ما انتقل رئيس الوزراء إلى سوهاج، بصحبة وزراء الصحة، والتعليم العالي، والتضامن، والتنمية المحلية. وزاروا مستشفى جامعة سوهاج التي نُقل إليها كثير من المصابين، فيما قام وزير النقل والنائب العام بتفقد الحادث.

ووجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتشكيل لجنة من الرقابة الإدارية والهيئة الهندسية والكلية الفنية العسكرية وكلية الهندسة للتحقيق، وأصدرت الرئاسة بيانا أكدت فيه على «ضرورة أن ينال الجزاء الرادع كل من تسبب في هذا الحادث الأليم بإهمال أو بفساد أو بسواه، دون استثناء ولا تلكؤ ولا مماطلة».

لجنة تحقيق

قرر النائب العام المستشار حمادة الصاوى تشكيل لجنة من نفس الجهات، لفحص القطارين وصلاحية أجهزة التشغيل والسلامة الخاصة فيهما، والتأكد من مدى التزام المسؤولين عن القطارين.

وبعد الحادث بثلاثة أيام، أمر النائب العام، بحبس سائقي القطارين رقمي 157 المميز و2001 الإسباني ومساعديهما ومراقب برج محطة سكة حديد المراغة، ورئيس قسم المراقبة المركزية بأسيوط، ومراقبين بالقسم احتياطيا على ذمة التحقيقات.

وأوضحت النيابة أنها استمعت إلى 133 مصابا، وشهادة 10 مسؤولين من الهيئة القومية لسكك حديد مصر بمنطقة وسط الصعيد، وشهادة أفراد الشرطة الثلاثة المعينين لتأمين القطارين وكذلك شهادة عامل مزلقان السنوسي وبديله وخفير المزلقان النظامي ورئيس القطار الإسباني وكمسريين بالقطارين واثنين من القاطنين بمحيط موقع الحادث.

 

محاكاة الحادث

وقد كشفت النيابة العامة أنها أجرت محاكتين لسير القطارين من محطة سكة حديد المراغة حتى مزلقان السنوسي، فعلت في أولاها جهاز المكابح والتحكم الآلى بالجرار (ATC) وهو جهاز يسمح لبرج اﻹشارات بإيقاف القطار أوتوماتيكيا لو حصل شيء غير طبيعي، لبيان مدى سلامة فاعليته، وقدرته على إيقاف الجرار بتبادل الإشارات الكهربائية بينه وبين أبراج الإشارة بشريط السكة الحديدية بالمحاكتين في وقت متزامن لوقوع الحادث وفي موقعه، بالإضافة إلى المحادثات اللاسلكية المجراة بين سائق القطار المميز وقسم المراقبة المركزية بأسيوط، وبين القسم وبرجي مراقبة محطتي سكة حديد طهطا والمراغة الواقع الحادث بينهما، لبيان مواقيت إجرائهما ومقارنتها بمواقيت توقف القطار المميز حتى اصطدام القطار الآخر به.

كما تحفظت النيابة العامة على أوامر تشغيل القطار الإسباني لبيان مدى سرعته القصوى المسموح بها بكل منطقة يمر فيها، وشاهدت مقطعا مرئيا من لوحة التشغيل والتحكم الرئيسية بأسيوط مبينا إضاءات أبراج الإشارات في المساحة ما بين توقف القطار المميز وقدوم القطار الأسباني.

وعهدت النيابة العامة إلى اللجنة الخماسية، التي شكلتها، ببيان مدى اعتبار المنطقة الواقعة بين محطتي مراغة وطهطا محل الحادث من مناطق فك الارتباط بمشروعات تطوير نظم الإشارات، أو مناطق التقاطر الكهربائي ومدى خضوعها للقرار التنفيذي الصادر من الهيئة القومية لسكك حديد مصر بشأن تفعيل أجهزة التحكم الآلي على أجزاء الخطوط غير المجهزة بنظام هذا التحكم.

 

لماذا لم يتوقف القطار؟

لكن مع توقف هذا القطار لماذا لم يتوقف القطار القادم من الخلف ولماذا لم تعمل الإشارات الإلكترونية لوقفه؟

وزير النقل أوضح أنه بناء على بيان النيابة العامة واللجان التي شكلتها للفحص فإنها ستوضح المسؤولين عن الحادث وأسبابه، لكن وفق المعلومات الأولية، فإن سائق القطار الذي كان قادما من الخلف لم يلتزم بكافة التحذيرات سواء الميكانيكية أو الكهربائية أو الهاتف المحمول، لكنه لم يستجب، حسب الوزير الذي أشار إلى أن المزلقان الذى وقع أمامه الحادث تم تجديده وعلى أعلى مستوى، ولكن هناك خطأ بشريا تسبب في الحادث.

يبدو من السياق أن«الخطأ البشري»قد يكون هو المتهم الأول في الحادث، لكن هل يرجع ذلك إلى المجهولين الذين قاموا بشد فرامل الطوارئ أم أن سائق القطار 2001 الإسباني لم يلتزم بالتحذيرات التي وصلته، أم إن نظام الإشارات الإلكترونية لم يكن يعمل، وكان متوقفا، حسبما صرح الوزير سابقا بأن النظام كان متوقفا لأنه يتسبب في تأخر القطارات؟

موقع حادث تحطم قطار في قليوب، شمال القاهرة، 21 أغسطس 2006 (غيتي)

العنصر البشري

يرجع خبير النقل طارق بحيري أغلب هذه الحوادث إلى العنصر البشري، خاصة في قطارات الدرجة الثالثة التي تسير بسرعات منخفضة بين المراكز، مشيرا إلى أنه شاهد بنفسه أكثر من مرة أشخاصا يقومون بالضغط على فرامل القطار، كي ينزلوا منه قرب قريتهم ولا ينتظرون أن يصل القطار إلي محطته، مرجحا أن عنصرا بشريا قد يكون وراء الحادث الأخير.

ويوضح بحيري في حديثه لـ«المجلة»أن الفيديو الذي تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر أن القطار القادم من الخلف لم يستطع أن يوقف سرعته، وأن القطار الأمامي كان داخلا على المحطة وسيدخل في الطريق الفرعي لكي يمر القطار السريع القادم من الخلف، لكن قيام شخص ما بالضغط على الطوارئ جعل سرعة القطار الأمامي تبطئ ولا تساعده على دخول السكة البطيئة كي يسمح للقطار الآخر القادم من الخلف بسرعته العالية بالمرور.

وأشار إلى أن القطار القادم من الخلف لا يقف في المراكز ولا المحطات الفرعية، ويقف في المحافظات فقط، وهو قادم بسرعته ويرجح الخبير أن سائق القطار القادم من الخلف ربما لم يستطع أن يستخدم المكابح ليوقف قطاره، لأن ذلك لم يكن سيمنعه من الاصطدام من ناحية، وكان من الممكن أن يؤدي أيضا إلى انقلابه.

وأضاف أن سائق القطار هو «عنصر فني»يتعامل مع الإشارات، وهذا السائق الذي يعمل على مثل هذه الخطوط يجب أن تكون له خبرة كبيرة، لأنه لا يعمل على خطوط فرعية وداخلية ولو أنه ضغط على الفرامل كان من المرجح أن يصطدم في القطار الذي أمامه وقد ينقلب هو الآخر.

وأشار إلى أن الفيديو يظهر أن هناك حوالي 30 أو 40 ثانية بين تحرك القطار الأمامي لدخوله في السكة البطيئة وحادث التصادم، وهي فترة زمنية لن تمكنه في الوقت نفسه من التحرك ولن تساعد القطار القادم من الخلف على التوقف.

مشكلة العنصر البشري هي نفس ما يطرحه الخبير في شؤون النقل أسامة عقيل، لكنه يشير إلى أن العاملين في قطاع السكك الحديدية هم الذين يجب أن يتم استهداف تطويرهم والنهوض بهم.

وأوضح عقيل أن هناك فرقا بين التطوير والتحديث، فالكل يرى حاليا حجم التطوير الذي يتم في هذا القطاع، لكن السكك الحديدية تحتاج إلى تحديث وليس تطويرا فحسب، والتحديث يعتمد على عنصرين: الأول هو العنصر البشري من خلال رفع مهاراته وتدريبه على التكنولوجيا الحديثة، والثاني هو تغيير نظام الإدارة إلى النظم الحديثة بعيدا عن آليات الموظفين الحكوميين.

 

تطوير المنظومة

تجديدات منظومة السكك الحديدية تحدث عنها وزير النقل مرارا وتكرارا وظهرت معالمها خلال الشهور الأخيرة، حيث أكد وزير النقل اللواء كامل الوزير، والذي تولى الوزارة بعد إقالة الوزير السابق هشام عرفات في مارس (آذار) 2017، بعد حادثة تصادم قطار في رصيف محطة مصر وراح ضحيته 22 مواطنا، أن عمليات التطوير تصل تكلفتها إلى 225 مليار جنيه لتطوير السكك الحديدية بتطوير الخطوط واستيراد عربات جديدة، وتحديث الإشارات والمزلقانات، وتجديد الماكينات وتطوير العامل البشري، وتطوير الورش وتخريج كوادر فنية قادرة على التعامل مع المعدات الحديثة والجرارات الجديدة، وترتفع هذه التكلفة إلى 360 مليار جنيه إذا تمت إضافة شبكة قطارات مكهربة سريعة.

 

وقف نزيف الحوادث

محاولات التطوير تستهدف وقف الحوادث المختلفة في هذا القطاع الحيوي الذي سجل أكثر من 10 آلاف حادث خلال السنوات الثمان الأخيرة، فوفقا لآخر إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فإن معدل حوادث القطارات في 2019 بلغ 1863 حادثا، وفي 2018 بلغ 2044 حادثا، وفي 2017 بلغ 1793 حادثا، وفي 2016 بلغ 1249 حادثا، وفي 2015 بلغ 1235 حادثا، وفي 2014 بلغ 1044 حادثا، وفي 2013 بلغ 781 حادثا، وفي 2012 بلغ 447 حادثا.

ووفقا للإحصائيات نفسها فإن إجمالي الوفيات من 2012 إلى 2019 بلغ نحو 481 قتيلا وألف مصاب على الأقل عن 10456 حادثا في الفترة نفسها.

وتنوعت هذه الحوادث ما بين حوادث جسيمة أو اصطدام قطار بمركبات على المزلقانات أو اصطاد قطارات ببعضها أو تجاوز الإشارات أو اصطدام المركبات ببوابة المزلقانات وتمثل هذه الأخيرة نسبة تصل إلى 83 في المائة من حوادث السكك الحديدية فيما لا تتعدى نسبة تصادم بعض القطارات ببعضها نصفا في المائة في الفترة نفسها.

لكن كيف تتم الاستفادة من جهود التطوير لوقف نزيف الحوادث؟ يشير الخبير أسامة عقيل إلى ضرورة الاهتمام بالتحديث حتى لو أخذ وقتا طويلا لحين اكتمال عناصره المختلفة سواء بتطوير العربات أو نظم الإشارات وإنشاء مراكز تدريب والاستعانة بخبراء لكي يتمكن العنصر البشري من التطور والعمل على المعدات الحديثة الإلكترونية.

وأشار إلى ضرورة تطوير مفهوم الإدارة والبحث عن الكفاءات التي تدير المرفق بكفاءة اقتصادية بدلا من مفهوم الترقي الوظيفي للمناصب بغض النظر عن كفاءتها من عدمه.

 

التطوير وحملات التوعية

الخبير طارق بحيري يؤكد أن عمليات التطوير والتحديث يجب أن يصاحبها بالتوازي حملة توعيه كبيرة، ويقول إننا نلمس التطوير الحالي في قطاع السكك الحديدية، لكن يجب أن تتوازى معه حملات توعيه مكثفة للمواطنين ومراعاة الثقافات المختلفة؛ خاصة الثقافات غير المتعلمة أو منخفضة التعليم والتي تمثل القطاع الأكبر من ركاب قطارات الدرجة الثالثة، لمنع الخطوات العشوائية والتركيز على أن هذه المرافق هي مصلحة عامة وهي ملك للمواطن الذي يجب أن يسعى للحفاظ عليها بل وعلى نفسه أولا لمنع مثل هذه الكوارث.

وأضاف أن الوعي هو الأساس في توعية المواطن بأن الحرص على سلامته لا يقل أهمية عن الحرص على المنشآت والمرافق وأن هذه المنشآت هي أيضا ملك للمواطن، مشددا على أن هذه الحملات التوعوية يجب أن لا تقتصر على المواطنين بل تشمل أيضا العاملين في السكك الحديدية، خاصة الذين يتعاملون مع الجمهور وقد رأينا العام الماضي عندما قام محصل أحد القطارات بإجبار شاب على النزول من القطار، أثناء سيرة، لعدم دفعه التذكرة مما تسبب في وفاة الشاب، وهذه ثقافة لا بد من تغييرها.

وينصح بحيري بالقيام بدورات تدريبية تتلاءم مع التحديثات التي تقوم بها الوزارة وتنظيم دورات تدريبة للتعامل مع القطارات الجديدة والتحديثات اللازمة مع توعيه المحصلين والسائقين بثقافة التعامل مع الجمهور.