السودان وصندوق النقد

طموحات اقتصادية لحكومة حمدوك.. ومحاذير من التبعية
أعلن مجلس الوزراء السوداني أن الحكومة أكملت وبالتعاون مع البنك الدولي، إجراءات تسديد متأخرات السودان للبنك الدولي

الخرطوم: يُثير سداد السودان التزامات عضويته في المؤسسات المالية الدولية، العديد من التساؤلات حول مزايا الخطوة في انتشال اقتصاد البلاد المنهك، وعلاقة الخرطوم بصندوق النقد الدولي في المستقبل، سواء الاستفادة من الدعم الفني للصندوق أو تمويلات الوكالات الدولية، بيد أن الخطوة يُنظر إليها بحذر، خشية أن يتورط السودان في مزيد من الديون الخارجية التي أثقلت كاهله خلال السنوات الماضية، فضلا عن مخاوف سياسية من ارتباط التمويلات المرتقبة بأجندة سياسية تفقد القرار الوطني استقلاليته.

وأعلن مجلس الوزراء السوداني الأسبوع الماضي أن الحكومة أكملت، وبالتعاون مع البنك الدولي، إجراءات تسديد متأخرات السودان للبنك الدولي.

وقال بيان للمجلس إن ذلك تم بتمويل تجسيري من حكومة الولايات المتحدة الأميركية وتمويل من البنك الدولي، ووصفت ذلك بأنه يُعتبر أول انتصارات الشعب السوداني في الطريق نحو إعفاء الديون.

ويفسر اقتصاديون طبيعية القرض بأنه «تجسيري» مسترد في وقت وجيز جداً (ساعات)، حيث دفع السودان للبنك الدولي متأخرات ديونه، ومن ثم استفاد من منحة مالية من البنك نفسه ستكون مقدمة لمنح قادمة في الطريق خلال العامين القادمين وتمهد الطريق لإعفاء ديون السودان الخارجية، حسب ملاحظة المحلل الاقتصادي الفاضل إبراهيم، في حديث مع «المجلة».

 

 

وسيعقب هذه الخطوة انعقاد مؤتمر باريس شهر مايو (أيار) المقبل لمناقشة قضية ديون السودان، الأمر الذي اعتبره البعض خطوة مهمة لإعفاء ديون السودان الخارجية.

ويمكن للسودان التفاوض مع نادي باريس، الذي تتطلب قواعده تطبيق برنامج التكييف الهيكلي الذي تتبناه مؤسسات التمويل الدولية وفقا لمعايير صندوق النقد والبنك الدوليين.

وتزامنا مع هذه الخطوة، أصدر صندوق النقد والبنك الدولي من مقره في واشنطن، بيانا مشتركا جاء فيه أن تسديد المتأخرات سيمكّن السودان من الوصول إلى ما يقرب من ملياري دولار من منح المؤسسة الدولية للتنمية للحد من الفقر وتحقيق الانتعاش الاقتصادي المستدام.

ومثل كافة الدول التي أعلنت اسقلالها من الاستعمار الأجنبي، عمل السودان منذ عام 1956م من أجل الحصول على عضوية مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية المختلفة وعلى مد جسور التعاون مع الدول للحصول على تسهيلات وقروض ومنح ومعونات بغرض دفع عملية التنمية والمسارعة للخروج من دائرة التخلف.

وبقدر ما أسهم هذا التوجه في تحقيق أهداف ذات أثر تنموي إيجابي، فإنها على جانب آخر لم تخل من آثار سلبية سواء من ناحية الجدل المثار حول تأثير هذه القروض والمعونات الدولية في خفض معدلات الفقر ونسبة الادخار المحلي إلى الناتج المحلي الإجمالي وبالتالي انخفاض معدلات النمو الاقتصادي.

وحسب ناشر ورئيس تحرير صحيفة «إيلاف» المتخصصة في الاقتصاد، الدكتور خالد التجاني النور، فإن تأثير هذه العلاقات يتجاوز المجال الاقتصادي التنموي إلى الفضاء السياسي، حيث يثار أيضا جدل محتدم حول استخدام القروض والمعونات الدولية من قبل الدول الكبرى المؤثرة في صناعة قرار مؤسسات التمويل الدولية لفرض أجندتها وخدمة مصالحها على الدول المتلقية بالتدخل في توجهاتها السياسية والاقتصادية وإضعاف السيادة الوطنية، موضحا أن التجربة السودانية وافرة العبرات في هذا المجال وممتدة عبر كل عهود الحكم المتعاقبة.

 

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك مخاطباً مجموعة أصدقاء السودان في الخرطوم ديسمبر 2019(أ.ف.ب)

بيد أن الدكتور حسام الدين إسماعيل يرهن شكل وأبعاد العلاقة المرتقبة بين السودان والمؤسسات المالية الدولية، بمنهج التفاوض الذي تقوم به الحكومة مع هذه المؤسسات.

ورأى في حديث مع «المجلة» أن مستقبل العلاقة يتأسس على مصالح الطرفين، وأن السودان في حاجة للتعامل مع هذه المؤسسات لمعالجة أوضاعه الاقتصادية من مبدأ عدم الإخلال بالسيادة الوطنية ومبدأ عدم تجاهل دور الموارد القومية في حل المشكلات.

وأعرب عن أمله في أن لا يتأثر القرار السياسي في السودان بالتعامل مع المؤسسات الدولية، موضحا أن الحل الوطني ليس سريعا وكافيا ويحتاج لدعومات خارجية، وما يرشح الآن من تعاملات مع البنك الدولي أن الأخير يتبنى «استراتيجية التنقيط» بتمويلات ضئيلة لا ترتقي لاحتياجات السودان العاجلة أو التنموية طويلة الأجل.

لكن استئناف السودان لعلاقاته الخارجية يحظى بتأييد أيضا من القطاع الخاص، فقد قال رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني، هاشم مطر، إن الفرص بدأت تترى بشكل إيجابي على البلاد بعد أن تم تجسير ديون البنك الدولي على السودان.

ونوه إلى أن هذا العام سيحدد أي الطرق سيسلكها السودان في السنوات القادمة.

وأكد على امتلاك البلاد لفرص حقيقية والاستفادة من زخم ثورة ديسمبر (كانون الأول) التي صوبت أنظار العالم إلى السودان، مبينا أن هذا سيساعد السودان في أن يكون في طليعة الدول.

 وكشف عن وجود مشاريع جاهزة من القطاع الخاص للاستفادة من تمويل البنك الدولي المقدر بملياري دولار في مشاريع الطاقة والبنى التحتية والزراعة.

وأشار إلى وجود تنسيق مع الحكومة في المشروعات التي ستقدم لمؤسسات التمويل الدولية، موضحا أن القطاع الخاص أكثر قدرة على الاختيار لمعرفته بالتحديات عن قرب.

ولفت إلى أن هنالك تشريعات ستدعم دور القطاع الخاص، وفي مقدمتها قانون الاستثمار، وقانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص.

ويقول المحلل الاقتصادي هيثم فتحي لـ«المجلة»، إن عودة السودان لمجتمع المانحين الدوليين، والتعامل المباشر مع البنك الدولي يتيح فرصة كبيرة جداً في طريق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وسداد المتأخرات المستحقة للمؤسسة الدولية للتنمية، وسيمكن السودان من إعادة المشاركة الكاملة مع مجموعة البنك الدولي.

 

وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني جبريل إبراهيم مع دونالد بوث المبعوث الأميركي للسودان (صفحة الوزارة على «تويتر»)

وحسب فتحي فإن الخطوة تمهد الطريق للحصول على ملياري دولار عبارة عن منح المؤسسة الدولية للتنمية للحد من الفقر وتحقيق الانتعاش الاقتصادي المستدام على فترة سنتين.

لكن أستاذ الاقتصاد البروفسور عصام عبد الوهاب بوب، عبر عن عدم تفاؤله بمؤتمر أصدقاء السودان المزمع انعقاده بباريس في مايو (أيار) المقبل بالخروج بأي نتائج مثمرة تصب في مصلحة البلاد الاقتصادية.

وقال بوب لـ«المجلة»: «إن العالم تحكمه المصالح الاقتصادية والسياسية ونحن نخطئ حينما نسمع كلمة أصدقاء السودان على أن البلاد سوف تغمرها المنح والعطايا».

 وأضاف: «سبق لي أن كتبت عن هذا حين تحدث الجميع عن أن الأموال سوف تتدفق على السودان دون حساب، وقلت إن هذه أوهام السياسة والسراب، وأن من أتوا ليحكموا السودان من وراء البحار لم ولن ينجحوا في جر الأموال من العالم وبوجودهم ستزداد معاناة السودانيين».

وتابع: «في فذلكة تاريخية جديرة بالذكر أن أكبر مشروع مساعدة وهو مشروع مارشال لإعادة تأهيل أوروبا، بعد دمار الحرب العالمية تم تنفيذ المشروع بتحويل أميركي، وعادت أوروبا سريعا إلى المنظومة الاقتصادية العالمية وامتلكت أميركا أوروبا بالكامل تحت تسميات عديدة منها الهيمنة الاقتصادية الأميركية».

وأشار بوب إلى أن مؤتمر أصدقاء السودان- في أحسن وصف له حسب تجربة المؤتمرات السابقة- لا بد أن ينتج عن مصالح اقتصادية معززة لا من اقتسام المصالح بين الدول ذات المصلحة.

في ذات السياق، ينشط في هذه الأيام تحالف جديد دشن أعماله الأسبوع الماضي، يقدم رؤية تعارض إجراءات التكييف الهيكلي الذي تتبناه مؤسسات التمويل الدولية وفقا لمعايير صندوق النقد والبنك الدوليين، ويقدم التحالف برنامجا اقتصاديا وسياسيا يعتمد على «حشد الموارد الداخلية».

وقالت عضوة اللجنة التأسيسية للتحالف، أسرار آدم كبر، لـ«المجلة» إن العلاقة بين السودان والصناديق الدولية قديمة وليست جديدة وإن وصفات صندوق النقد الدولي لحل مشاكل الاقتصاد السوداني عمقت أزمته أكثر، وأن معظم دول العالم التي رهنت القرار الاقتصادي للصندوق تعاني نفس الأمر.

ورأت كبر أن الصندوق والمؤسسات المالية الدولية تهتم بكيفية تسديد ديونها، وأن برامجها تستند إلى الضغط على الفقراء وليس الأغنياء وهي أيضا تعارض تنمية القطاعات الإنتاجية، إذ ينصب اهتمامها على السوق والتجارة، وكان من المأمول أن تتخذ السياسة الاقتصادية بعد الثورة مسارا وطنيا إلا أنها سقطت مرة أخرى في مستنقع التبعية، لهذا تزداد معاناة الناس ويرتفع التضخم وتشتد الأزمات.

إلا أن الاقتصاديين المؤيدين لخطوات الحكومة بفك عزلة البلاد مع المؤسسات الدولية، ينصحون بعدم الوقوع في فخ السياسات الشعبوية بالاستجابة للترضيات المطلبية، مما يؤدي إلى انفلات التضخم وزيادة معدلات الفقر، وفقدان الاستقرار الاقتصادي والسياسي، والذي يعد أساس أي إنجاز تنموي وتعاون دولي.

ويعتقد هؤلاء بتبني نهج الشفافية مع المواطنين للمساعدة في تقبل السودانيين لسياسات الحكومة الجديدة، خاصة إذا رأى منها القدوة في التقشف ووضع مصلحة المواطن أولا، ومؤشراً آخر على جدية الحكومة وهو البداية الحازمة في محاكمات المتورطين في قضايا الفساد.

كما أشارت ورقة أعدها أساتذة جامعة الخرطوم للتعامل مع الوضع الاقتصادي، إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية والتوسع في القطاع الإنتاجي ومراجعة قوانين الاستثمار من أجل أن تكون داعمة لعملية التوظيف، تحديدأ وسط الشباب والخريجين، إلى جانب وضع سياسات وبرامج تدعم القطاع الخاص فى السودان حتي يتسنى التوسع فى القطاع الإنتاجي الذي يكفل استيعاب معدلات البطالة العالية.