لبنان بين الكماشة الإسرائيلية والمطرقة السورية

أبي حيدر لـ«المجلة»: الدولة مطالبة بالتحرك بسرعة لحماية الحدود البحرية مع سوريا

بيروت: عادت قضية ترسيم الحدود البحرية في لبنان إلى الواجهة، لكن هذه المرة في الجهة الشمالية من الحدود، أي مع سوريا، إذ قامت الحكومة السورية في 9 مارس (آذار) بتوقيع عقد مع شركة كابيتال الروسية يمتد إلى أربع سنوات، لتقوم بعملية المسح والتنقيب عن النفط. وتبين من خلال العقد الموقع والذي تم بين الطرفين أن الحدود البحرية التي رسمها الجانب السوري وخاصة في البلوك رقم واحد مُتداخلة بشكل كبير مع البلوك رقم (1) والبلوك رقم (2) من الجانب اللبناني، بما يُقارب 750 كلم داخل الحدود اللبنانية، وهذا الاتفاق تسلمه وزير خارجية لبنان من وسيلة إعلامية لأن السفارة اللبنانية لم تتسلم النص من النظام السوري.

فلماذا إثارة مسألة الخلاف البحري مع لبنان الآن؟ وهل للموقف السوري ارتباط بالتطورات السياسية والصراع بين النظام والخارج الرافض استمراره في الحكم، خاصة وأن التنقيب يتمّ في منطقة متنازع عليها؟ وهل ستقوم «المقاومة»التي أعلنت أنها تحمي ثروة لبنان النفطية في الجنوب ردا على التهديدات الإسرائيلية بقضم مساحات لبنان ووضع اليد على ثروته، باتخاذ الموقف ذاته في الشمال مع سوريا؟

وهل تتحرك حكومة تصريف الأعمال ما دامت خطوط بعض الوزارء فيها مفتوحة على النظام السوري بحجة البحث بموضوع النازحين أو لتأمين الأكسجين للمستشفيات.

كرستينا أبي حيدر

المحامية والخبيرة القانونية في شؤون الطاقة كرستينا أبي حيدر شرحت لـ«المجلة» كل الجوانب المتعلقة بعملية الترسيم، على الجانب اللبناني الإسرائيلي، وعلى الجانب اللبناني السوري، وما هو المطلوب عمله من الحكومة اللبنانية لحماية الثروة النفطية:

تجدر الإشارة أولا إلى أن الدستور اللبناني ينص صراحة في مادته الثانية على أنه لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنها. وتعتبر المناطق البحرية من الأراضي اللبنانية التي يجب حمايتها والاهتمام بها.

من هنا، وبموجب القانون 295 في العام 1995 انضم لبنان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار «مونتيغوباي»(الجاماييك)التي أقرت في العام 1982. أهمية هذه الاتفاقية أنها أنشأت منطقة بحرية سمّيت بالمنطقة الاقتصادية الخالصة تمتدّ إلى 200 ميل بحري من خط الأساس (حوالى 370 كلم). وفي حين تمارس الدولة سيادة كاملة على بحرها الإقليمي، يعترف لها بحقوق سيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة. وتطبيقا لها، فقد صدر القانون المتعلق بتحديد واعلان المناطق البحرية للجمهورية اللبنانية بتاريخ 18/8/2011 تحت رقم 163/2011 وقد نصت المادة 17 منه على أن يتم تحديد تفاصيل تطبيقه لجهة تعيين حدود المناطق البحرية المختلفة بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزراء المختصين. وفي نفس العام وتحديدا في شهر أكتوبر (تشرين الأول) صدر مرسوم تحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية برقم 6433، في مادته الأولى عرّف المنطقة الاقتصادية الخالصة على أنها المنطقة التي «تقع وراء البحر الإقليمي وتشمل كامل المنطقة المتاخمة وتمتد باتجاه أعالي البحار مقوسة من خط الأساس استنادًا إلى أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار». وتمّ تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للجمهورية اللبنانية بموجب لوائح إحداثيات نقاط بحرية مرفقة بالمرسوم، وذلك من الجهات الجنوبية والغربية والشمالية. واستدرك نص المرسوم على إمكان مراجعة حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة وتحسينها، وبالتالي تعديل لوائح إحداثياتها عند توافر بيانات أكثر دقّة ووفق الحاجة في ضوء المفاوضات مع دول الجوار المعنيّة. ومن أجل تعزيز موقفه أودع لبنان الأمم المتحدة إحداثيات منطقته الخالصة.

 

مشكلة الحدود بين لبنان وإسرائيل

من المعلوم أن لبنان يخوض مفاوضات غير مباشرة لترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل وقد عقدت أربع جولات برعاية الأمم المتحدة وحضور أميركي قبل أن تؤجل الجولة الخامسة وتتوقف معها المفاوضات في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2020، وتستبدل بلقاءٍ ثنائي، بين لبنان والوسيط الأميركي من جهة، وآخر مماثل بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي، وذلك مع اتساع الخلافات في المواقف على صعيد الخطوط ومساحات التفاوض. وقد تذرعت إسرائيل بأن لبنان قد بدل موقفه بشأن ترسيم الحدود... علما بأن لبنان قد تقدم بخرائط على أساس الخط الذي ينطلق برا من نقطة رأس الناقورة استنادا إلى الخط الوسطي كما هو محدد بموجب اتفاق 1923، ويمتد باتجاه البحر في مسار يوسع المنطقة المتنازع عليها لتصبح حوالي 2290 كيلومترا مربعا بدلاً من 860 كيلومترا مربعا تنطلق منها إسرائيل.

بناء على هذه المعطيات المهمة أودع الجيش اللبناني وزارة الدفاع كتاباً يتضمن لوائح إحداثيات جديدة للحدود الجنوبية والجنوبية الغربية للمناطق البحرية اللبنانية تبين أن مساحةً إضافية تعود إلى لبنان مما يفضي إلى تعديل الإحداثيات التي تناولها المرسوم رقم 6433/2011 وإبلاغ الأمم المتحدة بهذا التعديل وذلك لحفظ حق لبنان. بناء عليه ووفقا لبيان صادر عنها أرسلت وزيرة الدفاع بتاريخ 24/3/2021 كتابا إلى رئاسة الحكومة يتضمن اقتراحاً حول تعديل المرسوم رقم 6433 /2011 مما يقتضي صدور مرسوم يعدل الإحداثيات السابقة وإبلاغ الأمم المتحدة فورا بذلك.

في حال أقدمت السلطات اللبنانية على هذا الإجراء القانوني المهم يقتضي أن تعمد الدولة اللبنانية سريعاً إلى تقديم شكوى أمام المحاكم الدولية المختصّة لمنع شركة النفط اليونانية «إنرجيان»العاملة في حقل «كاريش»الإسرائيلي ضمن الحدود البحرية الجنوبية خصوصا بعدما لزّمت أعمال بناء الـ«أوف شور»ومَدّ الأنابيب والمضخّات لاستخراج النفط في الحقل المذكور لشركة«Technip»الفرنسية باعتبارها منطقة متنازعا عليها مع لبنان.

إن حكومة تصريف الأعمال تستطيع بل من واجبها إصدار المرسوم على أن تتقدم بعدها بشكوى أمام المراجع المختصة، كونها تدخل ضمن صلاحياتها، إذ وفي حال تأخّر لبنان عن التقدّم بهذه الشكوى سيجد نفسه عاجزاً عن القيام بذلك في المرحلة المقبلة، حيث تكون الشركة تقدّمت خطوات في أعمالها في المنطقة المتنازع عليها. إضافة إلى ذلك فإن تلكؤ السلطة التنفيذية في تأمين الإجراء القانوني لهذا الملف، يضعف الوفد اللبناني في عملية مفاوضات ترسيم الحدود مع إسرائيل كما يظهرنا بأننا غير موحدين في هذا الملف المهم.

 

مشكلة الحدود بين لبنان وسوريا

يبلغ طول الحدود البحرية بين سوريا ولبنان حوالي 53 ميلاً بحرياً. وعلى عكس لبنان فإن سوريا ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولكن من الممكن تطبيق قواعد هذه الاتفاقية في حال التفاوض بين الدولتين. المشكلة المطروحة اليوم تكمن بتلزيم سوريا الشركة الروسية «كابيتال» أعمال الاستكشاف والتنقيب في البلوك السوري رقم (1) ويمتد العقد إلى أربع سنوات. يتداخل هذا البلوك بشكل كبير مع البلوك رقم (2) من الجانب اللبناني.

تجدر الإشارة إلى أن الحدود البحرية بين لبنان وسوريا حددها لبنان بموجب مرسوم «تحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية». والذي يحمل الرقم 6433 الصادر بتاريخ 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 وقد أودع لبنان مرسوم ترسيم حدوده لدى الأمم المتحدة كما ذكرنا أعلاه بتاريخ 19 أكتوبر 2011، إلا أن سوريا اعترضت في العام ذاته على المرسوم اللبناني لدى مجلس الأمن، واعتبر الكتاب الاعتراض على أن حقوق سوريا محددة منذ العام 2003 وأودعت لدى الأمم المتحدة وهي تتوافق مع قانون البحار لعام 1982 بينما المرسوم اللبناني هو عبارة عن «تشريع لبناني داخلي صدر وفق القوانين الوطنية اللبنانية وليس له أية صفة إلزامية خارج الحدود الوطنية اللبنانية وفقا لأحكام القانون الدولي».ومن يومها لم يتم حلّ الإشكال، وذلك لأسباب عديدة ليس أقلها عدم الاتفاق اللبناني في مقاربة الملف السوري ولكن ما هو مؤكد فإن العلاقة بين لبنان وسوريا لا يمكن مقارنتها بالعلاقة اللبنانية مع إسرائيل، فبين البلدين العلاقات قائمة وهنالك تبادل دبلوماسي كما أن الحدود مفتوحة، من هنا فإن التفاوض بين سوريا ولبنان لا يحتاج إلى وسيط وعلى الساسة في لبنان أن يحسموا أمرهم ويقرروا التفاوض مع الجانب السوري، لكي يتولى الجيش اللبناني- المسؤول التقني عن هذا الملف- عملية التفاوض، وبالتالي حل هذا الموضوع بأسرع وقت ممكن، وقبل مباشرة الشركة الروسية أعمال الاستكشاف في هذا البلوك مما يحفظ حق لبنان الثابت والأكيد.

بناء على ما ذكرنا أعلاه يتوجب على الحكومة اللبنانية مقاربة هذين الملفين بسرعة وذلك لتأمين المصلحة الوطنية بعيداً عن الانقسام الداخلي والمناكفات السياسية التي يعاني منها الداخل اللبناني حالياً.