تعنّت إثيوبيا... هل يدفع مصر نحو الخيار العسكري؟

مصر والسودان في خندق واحد.. والكارثة قادمة
تدريبات عسكرية مصرية سودانية مشتركة في السودان

القاهرة: أجواء متوترة وترقب كبير لسير الأحداث فيما يخص أزمة سد النهضة الإثيوبي وذلك بعد التصريحات التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول السد والتي حذر خلالها من أن مياه مصر وحصتها من نهر النيل خط أحمر، وأن أي مساس بها سوف يؤثر على استقرار المنطقة كلها، كما يأتي الترقب أيضا بعد فشل جولة المباحثات حول الأزمة في العاصمة الكينية كينشاسا، والتي أعلن عن فشلها كسابق عهد المفاوضات الجارية بين البلدان الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا) منذ عشر سنوات، وذلك بعد إصدار وزارة الخارجية المصرية بيانا رسميا على لسان المتحدث باسمها السفير أحمد حافظ، أكد فيه أن المفاوضات لم تحقق أي تقدم ولم تفض إلى اتفاق حول إعادة المفاوضات بعد رفض الجانب الإثيوبي المقترح الذي تقدمت به السودان وأيدته مصر بتشكيل رباعية دولية تقودها الكونغو الديمقراطية رئيسة الاتحاد الأفريقي للتوسط بين الدول الثلاث، إضافة إلى رفضها المقترحات والبدائل الأخرى التي طرحتها مصر وأيدتها السودان من أجل تطوير عملية التفاوض لتمكين الدول والأطراف المشاركة في المفاوضات كمراقبين من الانخراط بنشاط في المباحثات وتسييرها وطرح حلول للقضايا الفنية والقانونية الخلافية، وما يزيد من مساحات الترقب إعلان المتحدث الرسمي للجيش المصري إجراء تدريب جوي مشترك مصري سوداني في قاعدة مروى الجوية السودانية بمشاركة قوات من الصاعقة في كلا البلدين، وهو ما يطرح التساؤلات حول جدية كل من مصر والسودان في استخدام الخيار العسكري لحل أزمة سد النهضة، خاصة وأن تصريحات الرئيس المصري كانت حاسمة، من خلال تأكيداته على أنه لا يظن أحد أنه بعيد عن قدرة مصر.

إضافة إلى تصريحات رئيس الأركان المصري الفريق محمد فريد حجازي خلال تنفيذ التدريب الجوي الذي تم تحت عنوان «نسور النيل-2»قال فيها من داخل الأراضي السودانية: «الجيش المصري يقف إلى جانب الجيش السوداني مدافعا عنه في خندق واحد تطلعا لمستقبل آمن وواعد»، وهو ما يفتح الباب حول التساؤلات عن مدى احتمالية وضع القيادة السياسية في مصر والسودان لخيار الحرب وتنفيذ ضربة عسكرية في مواجهة سد النهضة الإثيوبية، خاصة بعد تغير لغة الخطاب التي انتهجتها القيادة الإثيوبية والتي كانت تسعى دائما للتسويف، والمماطلة، ولكنها الآن بدأت تنتهج نهجا آخر وهو التأكيد (خارجيا) على حرص إثيوبيا على مصالح مصر والسودان، وفي نفس الوقت تنتهج لغة خطاب (داخلية) تروج لقوة إثيوبيا العسكرية في مواجهة مصر والسودان، وهو ما وصفه بعض الاستراتيجيين بأنها تصريحات غير واقعية، لا تعكس قدرة الجيش الإثيوبي وترتيبة العسكري العالمي، إضافة إلى تأكيدات رئيسة إثيوبيا على إصرار بلادها على ملء خزان السد خلال يونيو (حزيران) القادم، وتأكيدات وزير خارجيتها للمبعوث الأميركي للسودان على أن ملء المرحلة الثانية هو جزء أصيل من بناء السد، وهو ما يضع «العربة أمام الحصان»في مواجهة القاهرة والخرطوم واللتين بدأتا في تغيير لهجة الخطاب الدبلوماسي والإعلامي لهما إلى لغة التحذير.

صورة نشرتها الخارجية المصرية للوفد المصري خلال مشاركته في المفاوضات (مواقع التواصل الاجتماعي)

قرارات مصيرية تحددها الشعوب

«القرارات المصيرية في حياة الشعوب تقررها الشعوب وفقا للمحددات التي تحددها هي وليست المحددات التي قد يدفعها إليها الآخرون، وهذا ما تعلمناه من الخيارات العسكرية»، طبقا للخبير الاستراتيجي، اللواء ناجي عبد العزيز شهود، الذي أكد لـ«المجلة»أنه «لو دفعت أديس أبابا مصر دفعا لضرب السد فهل هذا قرار مصر؟ أم قرارها هي، وتم دفعنا نحن لتنفيذه؟ ولذلك لن تدفعنا أي دولة إلى اتخاذ قرار لا نريده، فقد تعلمنا من دروس الماضي أن القرارات المصيرية المصرية تأخذها الإدارة المصرية بما يتوافق مع مصلحة الإنسان المصري اليوم وغدا، وبعد مائة عام، ولن تدفعنا أي دولة إلى اتخاذ قرار ما لا نريد اتخاذه، ولكن في نفس الوقت كل الخيارات متاحة، وكل هذه الخيارات ليس فيها العمل العسكري، لأننا لسنا في حالة عداء مع إثيوبيا، وإثيوبيا مدفوعة من دول أخرى تريد ضرب الأهداف الاقتصادية المصرية باستخدام إثيوبيا، وتنتظر وقوعنا في الخطأ، فهل سيتم دفع مصر كي تنزلق لهذا الأمر أم لا؟ تقديري أن القيادة المصرية واعية تماما، والمطبخ السياسي منتبه إلى ما يدبر ويحاك لنا».

هذه الرؤية تأتي في وقت تزايد فيه الحديث عن وجود عيوب فنية عديدة وخطيرة في سد النهضة قد تمنع إثيوبيا من الاستمرار في هذا المشروع وإتمام عمليات الملء، وهذا ما يفسر تعنت الإدارة الإثيوبية ورفضها التوصل إلى حلول مرضية وعادلة تحقق المنفعة لجميع الأطراف، وتتعنت وبشكل فج لتدفع مصر والسودان للإقدام على الخيار العسكري وضرب السد، كي تكون هناك مبررات منطقية أمام شعبها، والتنصل من الفشل الذي منيت به في هذا المشروع الذي حشدت له طاقات الإثيوبيين سواء كانوا في الداخل، أم في الخارح، وأن ما يشير إلى فشل المشروع هو وجود عيوب فنية في بناء السد منعت الشركة الإيطالية المنفذه من تركيب التوربينات في جسم السد، إضافة إلى انتحار المهندس المسؤول عن بناء السد منذ أكثر من عام بسبب هذه الأخطاء.

 

التهديد بالردع

في ظل التعنت الإثيوبي المتواصل ورفض الوصول إلى صيغ تفاهمات قانونية عادلة تحفظ حقوق كافة الأطراف، ولا بد من إظهار قوتنا وأننا قادرون على إلحاق الهزيمة بالطرف الآخر والتغلب عليه، على الرغم من أننا نسعى للسلم دائما، وهذا ما  يسمى «التهديد بالردع»،وذلك وفق تصريحات أستاذ إدارة الأزمات بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، اللواء أركان حرب جمال الدين أحمد حواش، مضيفا: «عندما أصدر تصريحات حاسمة، وأستعرض قواتي فذلك بمثابة توجيه رسالة إلى الطرف الآخر بأن هناك (خطا أحمر) لا يمكن تجاوزه، وتصريحات رئيس الأركان المصري أننا والسودان في خندق واحد، واشتراك قوات من الصاعقة في التدريبات له دلاله كبيرة بخصوص أزمة سد النهضة، كما أن السودان هي العمق الاستراتيجي لمصر، ولا بد أن نحميها ونمنع استهدافها ولا ننتظر حتى يأتي الخصم إلينا، وبذلك نؤمن أنفسنا ونحمي أمننا القومي، وفي نفس الوقت نحن نعمل على تجنب الحرب بأكبر قدر ممكن، لأن الحرب تعني التكلفة الباهظة والخراب، ونحن نسعى للتنمية المستدامة وليس الحرب».

مساعد وزير الخارجية الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل

وفي وجهة مغايرة لهذه الرؤية، قال مساعد وزير الخارجية الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل، لـ«المجلة»: «الكارثة قادمة إلا إذا تم استخدام القوة العسكرية لإتمام هدم سد النهضة، وذلك إذا توافرت الإرادة السياسية لعمل ذلك، وليس مهما إصدار تصريحات، ولكن ما يهمني هو القدرة على التنفيذ والرئيس السيسي سوف يحظى بشعبية تاريخية في مصر إذا تم تنفيذ ضربة عسكرية على سد النهضة».

ومن جهته، قال اللواء جمال الدين أحمد حواش: «عندما يأتينا التهديد من الجانب الإثيوبي، فلا بد أن ندافع عن مصالحنا وتأمين مصادر المياه، لأن المشكلة مسألة حياة أو موت، وفي حال إصرار الجانب الإثيوبي على خنق مصر عندها سنقوم بضربة تعجزه تماما، وليس بالضرورة أن كل ما يتم تداوله من تصريحات في وسائل الإعلام يكون له علاقة بالحقيقة، لذلك فإن المهم هو الإجراءات على الأرض، ومصر سوف تتخذ الإجراءات التي تمكنها من الدفاع عن حقوقها في مياه النيل، والحفاظ في نفس الوقت على مصالح إثيوبيا، ويجب على القيادة الإثيوبية التريث والتفكير، وعدم إطلاق تصريحات غير مسؤولة، والتي كان آخرها التصريحات غير الواقعية التي أطلقها رئيس الوزراء آبي أحمد عن قدرة الجيش الإثيوبي، وعليه أن يعي ترتيب قواته على المستوى الأفريقي، كما أن تصريحات الرئيس المصري ليست موجهة ضد إثيوبيا وحدها، ولكنها بمثابة تحذير للذين يساعدون أديس أبابا من الخارج وفي الخفاء، ويجب على الجانب الإثيوبي وقف التصعيد، لأنه في حال تم تنفيذ ضربة عسكرية في مواجهة سد النهضة بعد إتمام عملية الملء فهذا سيكون وبالا عليهم أيضا بسبب كمية المياه التي سيحتجزها السد، وعلى من يحذر مصر والسودان، أن يقوم بحساباته وتوقع أسوأ الاحتمالات».

تنفيذ المناورات الجوية المصرية السودانية «نسور النيل-1»، و«نسور النيل-2»، ليست دلالة على قيامنا بعملية عسكرية، وذلك حسب المفكر والخبير الاستراتيجي مدير الشؤون المعنوية السابق للقوات المسلحة اللواء سمير فرج، لكن إثيوبيا تعلم قدرتنا في الوصول إليها، ولكننا لا نريد استباق الأحداث. وقال لـ«المجلة»: «تصريحات رئيس الأركان المصري التي قالها في السودان خلال تنفيذ التدريب الجوي المصري السوداني (نسور النيل-2)، أن مصر والسودان في خندق واحد هي تصريحات تعبر عن الحقيقة لأننا بالفعل في خندق واحد».

ختام التدريب المشترك بين مصر والسودان «نسور النيل-2» بقاعدة مروي في السودان (وكالة الأنباء السودانية)

اللعب على مسألة الوقت

وفيما يشير مساعد وزير الخارجية الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل إلى أن «إثيوبيا تلعب على مسألة الوقت وتحاول وضع مصر والسودان تحت وطأة الأمر الواقع، وأعلنت عن تصميمها تنفيذ الملء الثاني لخزان السد في يونيو (حزيران) القادم في إصرار على إبادة مصر والسودان، كما أن مصر سوف تخسر حوالي 18.5 مليار متر مكعب من المياه إذا تم الملء الثاني، ومعنى ذلك أننا لن نستطيع تعويض هذه الكمية من المياه من أي مصدر آخر، كما أن فشل محادثات كينشاسا التي تمت برعاية الاتحاد الأفريقي كانت مضيعة للوقت وإثيوبيا تحاول كسب الوقت، وليس من الوارد قيام مصر بأي عمل عسكري ضد إثيوبيا أو تنفيذ ضربة عسكرية ضد سد النهضة، وكان يجب على مصر وقف هذه المفاوضات العبثية منذ فترة طويلة من أجل الحفاظ على مصالحها في مياه النيل ووضع القضية على الطريق الصحيح عن طريق تدويلها، ولكن الكارثة قادمة مع إصرار إثيوبيا على إتمام عملية الملء في يونيو المقبل».

 

ما يزال سد النهضة العملاق المقام على النيل الأزرق قيد الإنشاء، وتنوي إثيوبيا ملء بحيرته للعام الثاني على التوالي

 

 

ميزان القوى العسكري بين مصر وإثيوبيا والسودان

 

 

الترتيب العالمي

يحتل الجيش المصري المرتبة 12 عالميا في تصنيف أقوى جيوش العالم لعام 2020 من بين جيوش 137 دولة

فيما يحتل الجيش الإثيوبي المرتبة 47 عالميا

ويحتل الجيش السوداني المرتبة 69 عالميا

 

القوى البشرية

عدد سكان مصر يبلغ 100 مليون نسمة بينهم 43 مليون نسمة قوة بشرية متاحة

فيما يبلغ عدد سكان إثيوبيا  108 ملايين نسمة بينهم قرابة 41 مليون نسمة قوة بشرية متاحة

كما يبلغ عدد سكان السودان 42 مليون نسمة

 

عدد القوات

يصل عدد أفراد الجيش المصري إلى 920 ألف جندي بينهم 440 ألف جندي فاعل و480 ألف جندي في قوات الاحتياط

فيما يصل إجمالي عدد أفراد الجيش الإثيوبي 140 ألف جندي

كما يصل عدد القوات السودانية 189 ألف جندي بينهم 105 آلاف جندي في قوات الاحتياط

 

القوات الجوية

يمتلك الجيش المصري 1092 طائرة حربية متنوعة، بينها 221 مقاتلة و341 طائرة هجومية و59 طائرة شحن عسكري، إضافة إلى 388 طائرة تدريب و293 طائرة مروحية عسكرية منها 46 مروحية هجومية.

وتمتلك إثيوبيا 82 طائرة حربية فقط، منها 26 مقاتلة و16 طائرة هجومية و9 طائرات شحن عسكري و33 مروحية عسكرية منها 8 مروحيات هجومية فقط.

كما يمتلك الجيش السوداني 191 طائرة حربية، بينها 46 مقاتلة و81 طائرة هجومية و23 طائرة شحن عسكري و11 طائرة تدريب، ويصل عدد المروحيات إلى 73 مروحية، بينها 43 مروحية هجومية.

 

المدرعات والمدفعية

يمتلك الجيش المصري أكثر من 2160 دبابة و5735 مدرعة و1000 مدفع ذاتي الحركة وأكثر من 2189 مدفع ميداني إضافة إلى 1100 راجمة صواريخ.

فيما يمتلك الجيش الإثيوبي 800 دبابة  و800 مدرعة و85 مدفع ذاتي الحركة.

ويمتلك الجيش السوداني 410 دبابات و403 مركبات قتالية مدرعة و20 منصة صواريخ و750 مدفعا يجر يدويا و15 مدفعا ذاتي الحركة

 

القوات البحرية

تمتلك مصر أسطولا بحريا قويا يضم قرابة 320 قطعة بحرية، منها حاملتا طائرات و7 طرادات و4 غواصات، إضافة إلى 50 سفينة دورية و9 فرقاطات.

فيما لا تملك أي من الدولتين (السودان وإثيوبيا) قوات بحرية.

 

ميزانية الدفاع

تصل ميزانية دفاع الجيش المصري حوالي 4.4 مليار دولار سنويا.

وتصل ميزانية دفاع الجيش الإثيوبي نحو 340 مليون دولار سنويا.

كما تصل ميزانية دفاع الجيش السوداني 2.4 مليار دولار سنويا.