فصح مهيب بكنيس «الوصايا العشر» في المنامة

أقدم معبد في المنطقة يحمل أملًا جديدًا ليهود البحرين

المنامة: أحيت الجالية اليهودية في البحرين عيد فصحٍ مهيباً مليئاً بالبهجة، الأسبوع قبل الماضي، حين اجتمع أعضاؤها الذين لا يتعدى عددهم 35 شخصًا للصلاة في الكنيس الواقع في قلب سوق المنامة العتيق. وكان الكنيس المسمى «الوصايا العشر»قد شهد أخيرًا ورشة ترميم راعت التفاصيل المعمارية الأصلية بعنايةٍ تامة.

ويتألف البناء المستطيل الأبيض اللون من طابقٍ واحد يضم أقواسًا خشبية ومشربية تقليدية مواجهة لباحته الخارجية، بينما يغطي سقفه سعف النخيل الذي شاع في الأبنية البحرينية في القرن العشرين. وساهم هذا الكنيس في إضفاء نوعٍ من التجديد على حياة يهود البحرين.

السفيرة هدى نونو

رمزٌ لبداية جديدة

يُعد هذا الكنيس الأقدم في الخليج العربي ويمثل مع المقبرة اليهودية في المملكة استمرارية الجالية اليهودية الأصلية الوحيدة في المنطقة. لقد بنى الكنيس رجل الأعمال والتاجر الإيراني اليهودي شيمون كوهين في ثلاثينات القرن الماضي وموله تاجر المجوهرات الأميركي المعروف باسم روزينثال والذي قصد البحرين لشراء لآلئها الشهيرة. وشكل هذا الكنيس مركزًا للأعمال اليهودية وسوقًا مزدهرة للأقمشة واللؤلؤ وتبادل الأموال. وحافظت هذه المنطقة المعروفة باسم جادة صعصعة حتى اليوم على مكانتها كجزءٍ من سوق الأقمشة على الرغم من تراجع أهميتها.

ويروي تاريخ هذا الكنيس مراحل الصعود والتراجع التي شهدها وجود الجالية اليهودية في النسيج الديني المسيطر على المجتمع البحريني، وتحول أخيرًا إلى رمزٍ للصداقة الجديدة التي تجمع بين المملكة وإسرائيل. وتعرض المبنى للنهب عام 1947 على يدِ غوغائيين كانوا يعترضون على قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين وتأسيس دولة عربية وأخرى يهودية مستقلتين. وبعدها، تم تجديد الكنيس مرتين، الأولى في 1997 والثانية في 2006، ثم حصل التجديد الثالث أخيرًا ليعيد إحياء مكانة الكنيس في قلب الجالية.

 

لحظة عاطفية

في يونيو (حزيران) 2019، وعلى هامش ورشة السلام الاقتصادي التي رعتها الإدارة الأميركية في المنامة، ساعدت السفيرة هدى نونو، أول سفيرة عربية يهودية إلى الولايات المتحدة (2008-2013) في ترتيب تجمع للصلاة في الكنيس ترأسه الحاخام مارفن هيير من مركز «سيمون ويزينثال»،وحضره مؤمنون أبرزهم مستشار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، وناشط الحوار بين الأديان الحاخام مارك شناير، والمتخصص في دراسات الشرق الأوسط ديفيد ماكوفسكي، ومدير مكتب «نيويورك تايمز»في القدس ديفيد هالبفينغر، ومجموعة من رجال الأعمال والمراسلين الإسرائيليين المشاركين في المؤتمر.

وقالت السفيرة نونو، في مقابلة أجرتها مع «المجلة»: «لقد كانت لحظة عاطفية بالنسبة لنا جميعًا ولم يتوقع كثيرون منا أن يعيشوها في حياتهم. هذه السنة، وبفضل تطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر اتفاقات أبراهام، تغيرت الطريقة التي نقول بها- العام المقبل في القدس- لأن توقيع هذه الاتفاقات كان حلمًا تحول إلى حقيقة وسيسمح للكثيرين منا بإمضاء الفصح المقبل في القدس».

 

الدمج بهدف التطور

يقول إبراهيم داود نونو، الزعيم غير الرسمي للجالية اليهودية، ورئيس هيئة الجاليات اليهودية في الخليج والتي تشكلت في أعقاب اتفاقات أبراهام- التي طُبعت بموجبها العلاقات بين دول الخليج العربي وإسرائيل- إن اليهود البحرينيين كانوا ولا يزالون جزءًا من المشهد العام في المملكة ويؤدون أدوارًا اقتصادية وسياسية ودبلوماسية على الرغم من عددهم القليل.

وفي حديثٍ له مع «المجلة»، قال نونو: «كان والدي أول بحريني يهودي يتبوأ منصبًا سياسيًا كعضو في المجلس البلدي عام 1934. وعمل ملك البحرين صاحب السمو حمد بن عيسى آل خليفة دائمًا على تنفيذ رؤيته الهادفة إلى تحقيق نمو شاملٍ، وعينني عام 2001 كأول عضوٍ يهودي في مجلس الشورى البحريني».

وأضاف: «منذ ذلك الحين، استمر تمثيل الجالية اليهودية في العملية السياسية. ولاحقًا، تبعتني قريبتي هدى لتصبح أول سفيرة عربية يهودية إلى الولايات المتحدة، بينما أصبحت نانسي خضوري عضوًا في مجلس الشورى ولا زالت كذلك».

 

دور شامل

يرى نونو في دمج اليهود في العملية السياسية في البلاد مسألة على قدرٍ عالٍ من الأهمية للجالية. ويقول:«سبقت الرؤية الشاملة والواعية التي اعتمدها قادة البحرين التطور الحالي المتمثل باتفاقات أبراهام، وشكلت روحًا للتناغم الديني الذي تمارسه المملكة. فعلى سبيل المثال، أرادت الجالية اليهودية في مرحلةٍ ما تحويل كنيس غير مستخدم للاستفادة منه في أمورٍ أخرى أو لمنحه للجمعيات الخيرية. ولكن الحكومة لم تسمح بذلك وأصرت على إبقائه كنيسًا، حتى إن ولي العهد البحريني ورئيس الوزراء الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة عرض التكفل ببناء كنيسٍ جديد في الموقع نفسه أو منح الجالية قطعة أرض لإعادة بناء الكنيس القديم. وكان هذا السلوك موضع دعمٍ دائمٍ من الملك حمد بن عيسى آل خليفة».

إبراهيم داود نونو، رئيس الجالية اليهودية في البحرين (غيتي)

 

صداقة مستقبلية

من المتوقع أن يلعب كنيس «الوصايا العشر»دورًا بارزًا في تجديد هوية الجالية في المستقبل. واعتبرت هدى نونو أن انفتاح قيادة البحرين على اتفاقات أبراهام يمثل هدية للأجيال القادمة.

وتشير الأخيرة في مقابلة لها مع «المجلة»إلى أن «الجالية اليهودية في المملكة مجموعة صغيرة جدًا وأن أصغر عضوين فيها يبلغان من العمر ثماني وعشر سنوات، وتليهما مجموعة من الأشخاص في العقد الثالث من العمر. ويسود اليوم مناخٌ من الصداقة بين العرب والإسرائيليين، ونريد لأولادنا الذين يعيشون في الخارج أن يعودوا إلى البحرين وأن يبنوا حياتهم من جديد في هذه المملكة المحبة. وتمهد هذه الصداقة الطريق أمام تفاهم أجيال المستقبل وتتيح تعرف أولادنا اليهود على الدين الإسلامي وتعرف أولاد العرب على التقاليد اليهودية، مما سيؤسس لتفاهمٍ كبير بين الشعوب».

وسيؤدي الكنيس أيضًا دور المركز الثقافي والمعلوماتي لتثقيف العامة حول الجالية اليهودية الصغيرة في البحرين. وفي هذا السياق، كشف نونو أن الجالية تخطط لتعيين شخصٍ يعمل بدوامٍ كامل للتفاعل مع الزوار. ومع بدء الكنيس بنشاطه في أواخر هذا العام، قد تستعين الجالية بحاخامٍ يعمل بدوامٍ كاملٍ.

واحتضنت البحرين فيما مضى نحو ألفي عائلة يهودية مهاجرة من العراق ودولٍ أخرى. وأعلنت المملكة أخيرًا تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل وسُمي خالد يوسف الجلاهمة سفيرًا للمملكة فيها. وكان الجلاهمة قد عمل كمديرٍ للعمليات في وزارة الخارجية البحرينية وشغل منصب نائب سفير الدولة في الولايات المتحدة الأميركية بين عامي 2009 و2013 (عندما كانت هدى نونو سفيرة المملكة هناك).

ومن جهتها، قالت عضوة مجلس الشورى نانسي خضوري: «لا يمكننا أن نصف الأهمية التاريخية التي يتمتع بها الكنيس الذي أصبح محطا للأنظار منذ بدء عملية التطبيع بن الدول العربية وإسرائيل».

وكشف نونو في حديثه مع «المجلة»أن الكنيس بدأ فعلًا بجذب الأنظار على مستوى العالم، مشيرًا إلى انتقال أشخاصٍ كثر من الجالية اليهودية واستقرارهم في دولٍ أخرى. وأضاف: «أعلم أن أولاد سكانٍ سابقين في البحرين يرغبون بالعودة إلى هنا لزيارة المكان الذي عاش فيه آباؤهم وأجدادهم. وستشهد الأشهر المقبلة تدفق مجموعات يهودية سياحية من إسرائيل وجميع أنحاء العالم. ولقد بدأت الفنادق البحرينية بالفعل بتحضير لوائح طعام الكوشير وأعتقد أن الكنيس ومقبرتنا، وهما الأقدم في منطقة الخليج العربي، سيكونان جزءًا من نسيج الحياة اليهودية في البحرين».