رغم الضغط الدولي والعربي... «جنرال» بعبدا لن يفرج عن الحكومة اللبنانية

«الثلث المعطل» ومصالح «الصهر» أسمى من حقوق اللبنانيين
رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري

قبل ثمانية أشهر شهدت بيروت ثالث أكبر انفجار في العالم، حينها توقّع اللبنانيون أن هول الكارثة سيضع حدّا للعبة المصالح والمحاصصات العلنية التي تسيطر على مفاصل الحياة السياسية ومستقبل اللبنانيين، ولكن لم يتصور أحد حينها أن وقاحة البعض ستتخطى جرح بيروت المدمرّة ودموع وقهر وحرقة أهالي الضحايا والجرحى.

وبعد ثمانية أشهر من الكارثة والانهيار الاقتصادي، لم يعد خافيا على أحد أين تقع مكامن التعطيل، فالجميع يوجّه سهامه إلى رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي أجهض كل المحاولات المحلية والدولية لتشكيل حكومة «مهمة» لإنقاذ لبنان، والتي تندرج ضمن المبادرة الفرنسية التي تؤكد على تشكيل حكومة من أخصائيين بعيدا عن مبدأ المحاصصة الذي كان سائدا في تشكيل الحكومات.

فمصادر الإليزيه باتت تسمي باسيل باسمه كمعطل لتشكيل الحكومة، على الرغم من تسويق الأخير قبل أيام أنّه سيزور فرنسا وسيلتقي رئيسها، إلاّ أنّ هذه الأخبار المسربة لم تكن إلاّ مسعى «باسيلي»فاشل لفكّ الحصار المفروض عليه دوليا وعربيا، خصوصا كونه يندرج أميركيا على لوائح «ماغنيتسكي» بسبب فساده. توازيا، كان لافتا زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري الذي جال على غالبية رؤساء الأحزاب اللبنانيين، باستثناء باسيل وحزب الله، كإشارة إلى اعتبار مصر أنّ باسيل هو السبب الرئيسي للتعطيل، ورغم ذلك لا يزال رئيس الجمهورية «المؤتمن على الدستور»، يصرّ بالهروب إلى الأمام ويرفض الاعتراف بأنّ مكامن التعطيل «منه وفيه»، غير آبه لما آلت إليه أوضاع اللبنانيين، فالهم الأساسي لعون تأمين مستقبل «صهره المدلل»بـ«الثلث المعطل»الذي يصرّ عليه.

جوني منير

لا حكومة من دون «ثلث معطّل»

رأى المحلل السياسي جوني منير، في حديث لـ«المجلة»أنّ «رئيس الجمهورية سيبقى مصرّا على الثلث المعطل، على الرغم من عدم اعترافه، ولكن هناك استحالة أن يقبل عون بأي تشكيلة لن يسمي فيها الوزراء المسيحيين ويحصل على ثلث معطل داخلها، وهو يريد ثلثا معطلا فعليا لفريقه من دون الشيعة، أو تحديدا حزب الله، لأنّه يرى أن حزب الله يخضع للمناورات الإيرانية، وهذا الإصرار نابع من كون هذه الحكومة ستتولى استحقاقات مهمة، منها استحقاق الانتخابات النيابية، وستبقى حكومة تصريف أعمال حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو يريد مع جبران باسيل التحكم بالقرارات المهمة والمصيرية التي ستطرح على طاولتها، وفي المقابل الطرف الآخر أي الرئيس المكلّف والداعمين له، لن يقبلوا بأي حكومة يكون فيها ثلث معطل لأي طرف، وموقف الرئيس الحريري مدعوم دوليا وعربيا كما بات واضحا،  لذلك فإن الأمور لن تكون إيجابية في المدى المنظور والحكومة ستبقى مجمّدة».

محمد نمر

سقوط المبادرة الفرنسية

بدوره قال الكاتب السياسي محمد نمر لـ«المجلة»إنّ «الواقع الذي وصل إليه لبنان، ومعاناة اللبنانيين في ظل سياسة التعطيل التي ينتهجها الحكام في البلاد، وبعدما باتت المبادرة الفرنسية على شفير السقوط، كان لا بد من مساندة دولية وعربية لإنقاذ الوضع في لبنان ودفع المسؤولين إلى تشكيل الحكومة في أسرع وقت للبدء بالإصلاحات وجذب المساعدات والدعم من الخارج والبدء بالمفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

ولأن لبنان بات في واقع تغير استراتيجي بعد انفجار المرفأ، وانهيار قطاعاته بأكملها، وتفاقم الأزمة السياسية وانعكاسها على الوضع الأمني والاقتصادي، باتت تخشى الدول الخارجية من سقوط لبنان في حفرة فوضى غير معروف نتائجها، فمن المعروف أن أي فوضى ستؤدي حكما إلى الانفجار الكبير وليس بعيدا أيضا انهيار الأمن بشكل كلي.

مؤشرات عديدة دفعت إلى الضغط على المسؤولين اللبنانيين لتشكيل الحكومة، وقد ساهمت جولة الرئيس الحريري في الخارج إلى جذب الاهتمام العربي والدولي إلى لبنان بعدما كان منسيا عن الخريطة.

كما بات واضحا أن هناك دعما عربيا ودوليا لحكومة برئاسة الرئيس الحريري، خصوصا بعدما كشف الأخير عن صيغته التي أظهرت صدقه في تشكيل حكومة اختصاصيين من غير الحزبيين وبلا ثلث معطل، وكان بيان وزير الخارجية المصري واضحا في رفض حكومات تقليدية أو حكومة تكنو- سياسية التي يهتم بتشكيلها حزب الله والتيار الوطني الحر، بقول وزير الخارجية ندعم حكومة على الطريقة غير التقليدية وخارج منطق المحاصصة».

 

رئيس الجمهورية أساس التعطيل

وتابع نمر:«إن تصرفات رئيس الجمهورية كشفت بشكل واضح أنه أساس التعطيل في البلاد، فهو لا يقرأ إلا بكتاب جبران باسيل الذي يبذل جهدا لإرضاء حزب الله ومن خلفه إيران علهما يحملانه عبر منطق البندقية لإيصاله إلى سدة الرئاسة. وفي الوقت نفسه تستفيد إيران بالتلطي خلف عون، لأنها تريد الاحتفاظ بورقة الحكومة اللبنانية ولا تضغط على عون عبر حزب الله لإبقاء الورقة قائمة إلى حين استخدامها في المفاوضات مع أميركا.

بات المجتمع الدولي وأيضا العربي يدرك تماما أن الرئيس عون يسعى إلى الثلث المعطل، لهذا هناك التفاف حول صيغة الرئيس الحريري التي تساوي بين الجميع ولا تعطي التعطيل لأحد وحده، لأنها ليست حكومة تعطيل بل حكومة مهمة.

مصير الحكومة ورغم الزيارات العربية أو الدبلوماسية إلى لبنان تبقى معلقة في مكتب رئيس الجمهورية ميشال عون إلى حين فك أسرها وفك أسر توقيع رئاسة الجمهورية من جبران باسيل ومن خلفه. وطالما قصر بعبدا يصر على الثلث المعطل فإن اللبنانيين لن يروا حكومة قريبا، إذ بات واضحا أن سياسة الانفصام والعناد مستمرة في بعبدا ولو على مصلحة اللبنانيين. اليوم يتعاطى عون مع الأزمة وكأنه في العام 1989 ونتذكر حينها أنه لم يخرج من القصر إلا تحت قصف طائرات السوخوي.

وبالتالي على الرئيس عون إما أن يساهم في تسهيل التشكيل وإصدار المراسيم بعدما قام رئيس الحكومة بكامل واجباته الدستورية، وإلا لن تحل المعضلة إلا بانتخابات رئاسية مبكرة.

الحكومة محتجزة في بعبدا وباسيل يحتجز توقيع رئاسة الجمهورية ومصير اللبنانيين».

الرئيس عون والوزير السابق جبران باسيل

إقصاء باسيل سياسيا

رأى نمر أن«الزيارات العربية وحتى الحركة الدبلوماسية أظهرت بشكل واضح عملية إقصاء لجبران باسيل سواء من زيارة إلى فرنسا أو حتى من لقاء أو اتصال مع وزير الخارجية المصري، وهي رسالة واضحة بأنه بات لا يرمز فقط إلى الفساد في لبنان وفق قانون ماغينتسكي بل أيضا يرمز للتعطيل».

وأكد أنّ «المواقف الدولية والعربية تشكل ضغطا واضحا على عون لكنه لا يزال خلف متراس العناد السياسي، عله يحظى بمقايضة تناسب مصالح باسيل سواء في العقوبات أو رئاسة الجمهورية أو حتى الثلث المعطل وأعتقد لن يحصل على أي منها.

جبران باسيل يحاول أن يكسر العزلة التي يعيشها بعدما أفلس سياسيا وحاول أن تنجح زيارته إلى فرنسا وفشل، لأنه ليس المعني بالتشكيل. المعنيان هما الرئيس المكلف بالتشكيل ورئيس الجمهورية الذي ينسق معه الحريري. أما رؤساء الكتل فتم اللقاء بهم في الاستشارات النيابية غير الملزمة. ولهذا لا جدوى من زيارة باسيل إلى فرنسا، وأدركت باريس ذلك فنفت أي موعد له، لتأتي الضربة الأخرى بعدم إعطائه أي أهمية من مصر وجامعة الدول العربية. يحاول أن يفرض نفسه كشريك في الحكومة لكنه يفشل لأن الدستور واضح والمسؤولية في التشكيل هي لمن اسمه رئيس مكلف ولكن طبعا ينسق مع رئيس الجمهورية. فما جدوى لقاء أو زيارة مع رئيس كتلة أعلن مسبقا أنه لا يريد المشاركة في الحكومة، وما جدوى لقاء أو زيارة مع فاسد في نظر العالم بالعقوبات، وما جدوى لقاء أو زيارة لرئيس كتلة نيابية لا علاقة له بالتشكيل.

حالة انفصام مستمرة لدى التيار الوطني الحر وفي قصر بعبدا تقوم على قاعدة نا ومن خلفي الطوفان)

وأرجح أن هذه الزيارات إذا لم تنجح فإن المجتمعين العربي والدولي سيتجهان إلى إجراءات قاسية بحق المعطلين».

كذلك رأى منيّر أنّ «استثناء باسيل وإقصاءه سياسيا يجعل الرئيس عون مصرّا على الثلث المعطل، ما دفعه إلى رفع السقف بوجه الجميع وذهب إلى التحقيق الجنائي المالي، الذي يقابله الآخرون بفتح ملفات وزارة الطاقة والفساد الذي يتحمل مسؤوليته جبران باسيل والتيار الوطني الحر».

إذن يبدو أن مصير اللبنانيين سيبقى محكوما بمزاج «جنرال»بعبدا الذي اعتاد التعطيل «كرمى لعيون صهره»، المتهم بالفساد وهدر أموال اللبنانيين الذين يمرون بأسوأ مراحل حياتهم الاقتصادية والاجتماعية من وباء وانهيار وتفجير ومعاناة لا تتوقف، وكل هذا لم يدفع ساكن بعبدا أن يولي مصلحتهم على مصالحه الضيقة، عبر الإفراج عن التشكيلة الحكومية لوضع حدّ للانهيار.