على وقع الانهيار الذي يشهده لبنان... نجومه يعيشون الوجع وجعين

فنانون انغمسوا في معارك... وبعضهم فقد طوق النجاة

يعيش لبنان اليوم مرحلة قاتمة، هي الأسوأ منذ الحرب الأهلية التي انتهت قبل ثلاثة عقود، يحاصره الوباء والانهيار الاقتصادي والتوتّرات السياسيّة، هموم أثقلت كاهل اللبنانيين فوجدوا في مواقع التواصل الاجتماعي ملاذاً للتنفيس عن غضبهم.

ومثل المواطنين، كذلك الفنانون، بعضهم آثر الابتعاد، مفضّلاً الحديث في العموميات، دون التورّط في المعارك السياسيّة الطّاحنة، ومنهم من انغمس في المعارك، وبات جندياً محارباً... كلٌ على جبهته.
فمن هم أبرز الفنانين الذين انغمسوا في معارك سياسية بعضهم نجا منها وبعضهم تورّط وفقد طوق النجاة؟

إليسا... بين الجرأة والتطرّف

إليسا كانت من أوائل الفنانين الذين تعاطوا الشأن السّياسي دون مواربة، تعطي رأيها بصراحة حتّى لو كلّفها الأمر حملات إعلاميّة، وهجوماً على مواقع التّواصل الاجتماعي.

منذ اغتيال الرّئيس الراحل رفيق الحريري عام 2005، ومشاركتها في تظاهرة تدعو لرحيل الجيش السّوري من لبنان، قرّرت إليسا المواجهة، في أكثر اللحظات استقطاباً في البلد. لم تتحدّث في العموميّات، بل وجّهت سهامها تجاه جهات سياسيّة، هي المعروفة بتأييدها لحزب القوات اللبنانية وقائدها سمير جعجع، رغم إعلانها بعد ثورة 17 تشرين 2019، أنّها لم تعد تؤيّد أحداً، وأنّها تؤمن بمقولة «كلن يعني كلن» في إشارة إلى كل الطبقة السياسيّة في لبنان.

غنّت إليسا أكثر من أغنية وطنيّة، وكانت لها مواقف جامعة، وأخرى انفعاليّة في لحظة غضب، حشرتها في جهة سياسيّة بات من الصّعب عليها الخروج منها، حتى ولو أعلنت ذلك.

يؤخذ على إليسا دخولها في زواريب السياسة وإطلاقها أحياناً مواقف وصفت بالمتطرّفة، ما أفقدها شريحة واسعة من جمهورها في لبنان، ويحسب لها أنّها تقول رأيها وتمشي مهما كلّفها الأمر.

راغب علامة... يصادق السياسيين وينتقدهم

هو صديق السياسيين الصّدوق، يذكر اللبنانيون أنّه قطع يوماً إجازته وعاد إلى لبنان ليكون في استقبال الرّئيس سعد الحريري، يوم كُلّف هذا الأخير بتشكيل إحدى الحكومات.

تربطه صداقة بسياسيين من كافة الانتماءات، وفي حسابه على «تويتر» وفي مقابلاته، ينتقد الطبقة السياسيّة بحدّة، وكلّما انتقد جهة، سارع البعض إلى نبش صوره مع السياسيين، ووضعه في خانة أنّه صديقهم، يصادقهم ثم ينتقدهم، ما يجعل انتقاده لهم مجرد شعبويّة لم تعد تنطلي على أحد.

واجه راغب الانهيار الاقتصادي في بدايته، فغنّى «طار البلد»، يومها قام النائب المنتمي إلى التيار الوطني الحر ماريو عون بمهاجمته واتهامه بتشويه صورة لبنان، وقال جملته الشهيرة في مقابلة تلفزيونية «رح يطير راسو»، في إشارة إلى راغب، الذي تلقّف يومها الجملة، وجعل منها أكبر دعاية لأغنيته.

ويوم طار البلد فعلياً، كان راغب أوّل من أعلن هجرة ولديه منه، ثم عاد بدوره وسافر إلى دبي، حيث حصل على الإقامة الذهبيّة.

يؤخذ عليه أنّه ينتقد ساسة بلده، وفي كل بلد يحابي الحكّام ويصادقهم ويكيل لهم المدائح.

نجوى كرم... امشِ عِدِل يحتار عدوّك فيك

هي من أذكى الفنانين وأكثرهم حنكة، ابنة زحلة التي لم تناصب العداء يوماً لأحد، ولم تصادق أحداً أيضاً.

حاول البعض اصطياد موقفٍ أو زلّة لنجوى، عثر على أغنية لها تبارك فيها للرئيس السّوري بشار الأسد خلافته والده عام 2000، ليوحي أنّها أغنية جديدة، كان يومها كل العرب يباركون للرئيس الشاب، ولم تكن المنطقة تعيش كل هذه الاستقطابات الحادّة.

غنّت نجوى أغنية «يفلوا» التي طالبت فيها الطبقة الحاكمة في لبنان بالرحيل عام 2018، واستخدمت جملةً قاسية «ينقبروا هني يفلوا».

كانت رسالتها عامّة، لم تدخل في زواريب السياسة، هي التي غنّت عن الهجرة من لبنان (وبتسألني ليش مغرّب)، التي منع عرضها في البلد يوم كان النّظام السوري يحكم قبضته على لبنان، كانت حينها تتوجّه للطبقة التي حرمت الشباب من حقوقهم وجعلت الهجرة حلماً.

وفي كل مرّة كان يقع فيها حادث أمني في لبنان، كانت تعتكف عن الغناء وتبتعد، وتعلن أنّ صوتها لا يطاوعها على غناء الفرح ووطنها جريح.

انتقد البعض أغنيتها الأخيرة «معذور قلبي» التي صوّرتها أمام مرفأ بيروت ولم يمض على الانفجار المأساوي سوى أشهر قليلة، كانت تقصد أن تقول إنّه رغم الدمار فإن الشعب اللبناني مصرّ على الفرح، وقد وصلت الرسالة لكثيرين، قلّة فقط وجدت في الكليب رقصاً على أرضٍ محروقة والجرح لا يزال ينزف، مع أن نجوى كانت أوّل من أهدى بيروت أغنية بعنوان «بيروت لمّي ولادك» بعد أيام قليلة على وقوع الانفجار.

كانت أوّل الفنانين الحاصلين على الإقامة الذهبية في دبي، لكنّها عادت للاستقرار في لبنان.

عاصي الحلاني... رفض الهجرة وكان أوّل من وضّب حقائبه

موقف ملتبس اتّخذه الفنان عاصي الحلاني منذ بدء الانهيار الاقتصادي في لبنان، ابتعد الفنان كثيراً عن الأضواء، أحيا حفل رأس السّنة الذي انفجر بعده الوضع الوبائي في لبنان، وازدادت أعداد كورونا بطريقة كبيرة أدخلت البلاد مرحلة الانهيار الصحّي، وحمّل الأطباء الفنانين مسؤوليّة هذا الانهيار، ومن حينه، سافر عاصي وعائلته إلى دبي، محمّلاً الدولة اللبنانية مسؤوليّة السّماح بإقامة الحفلات.

حصل على الإقامة، واستقرّ في الإمارات رغم نفيه في تصريح له أن يكون قد هاجر من لبنان كلياً، ودعوته اللبنانيين في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2020 في مقابلة تلفزيونية الشعب اللبناني إلى عدم الهجرة، متسائلاً: «إذا تركنا البلد من سيبقى فيه؟».

يحرص عاصي على عدم التعليق على الأوضاع المأساوية في لبنان، بل يقوم باستمرار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بنشر صور لمناظر طبيعية تظهر جمال لبنان، هو الذي يفضل السير بين الألغام وعدم التورّط بأي موقفٍ سياسي.

غنّى «بيكفي إنّك لبناني»، التي أصبحت أشبه بنشيد وطني، وقام بإعلان عن السياحة اللبنانية، وكان دائماً ينقل صورة إيجابيّة عن لبنان، وعندما اختفت الإيجابيّة ارتأى عاصي الصمت، وبدت مواقفه المعلنة فضفاضة

رامي عياش... رفض الوزارة مرّتين

طُرح اسم رامي عياش كوزير إعلام بعد استقالة الوزيرة منال عبد الصمد من آخر حكومة في لبنان برئاسة حسان دياب، بعيد انفجار المرفأ في أغسطس (آب) الماضي، لكنّ رامي قال إنّه رفض المنصب مفضلاً الابتعاد، وهو الذي له مواقفه السياسيّة المتّزنة.

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يُطرح فيها اسم رامي كوزير، لكنّ الفنان الشاب يؤكّد أنّه رفض ويرفض أن يكون وزيراً، يدرك أنّ الوزراء لا يملكون قرارهم، وأنّه يومها لن يكون سيّد رأيه.

يرفض رامي عياش مقولة «كلن يعني كلن»، ويؤمن أنّ في البلد «أوادم» وأنّ تعميم الفساد يفيد الفاسدين.

يحرص رامي على عدم التورّط في زواريب السياسة، ويفضّل أن يكون شاملاً في حديثه، رغم مآخذ البعض عليه أنّه أعلن في مقابلة له تأييده لتيمور جنبلاط ابن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، رغم رفضه مبدأ الوراثة السياسية.

شارك رامي في إحدى مظاهرات ثورة 17 تشرين، لكن بعد أن اتخّذت التحركات في الشارع طابعاً حزبياً، فضّل النّأي بنفسه.

يحسب له أنّه يرفض بشكلٍ قاطعٍ الهجرة من لبنان، ويؤمن أنّ البلد سينهض من جديد بسواعد أبنائه.

نوال الزغبي... صمتت دهراً وانفجرت غضباً

كانت الفنانة نوال الزغبي من أكثر الفنانات اللواتي ينأين بأنفسهن عن السياسة، إلا أنّها بعد انفجار المرفأ، أصبحت أشبه بناشطة سياسيّة على «تويتر».

تخلّت نوال من حينه عن مبدأ الحياد، والابتعاد عن إطلاق المواقف، ووجّهت سهامها نحو رئيس الحكومة حسان دياب متّهمة إياه بالمسوؤلية عن الانفجار، وتحدّثت للمرّة الأولى عن حلم الرئيس بشير الجميل، الذي ينقسم حوله اللبنانيون، منهم من يرونه المخلص الذي اغتيل بسبب مواقفه، ومنهم من يرونه عميلاً قُتل في عملية بطوليّة.

كما كتبت تعليقاً على إصابة وزير الصحّة حمد حسن بفيروس كورونا قبل شهرين: «لا داعي للهلع»، ساخرة من الجملة التي أطلقها الوزير في بداية الجائحة، يومها اعتبر البعض أنّها تشمت في مرض الوزير، وشنّت ضدّها حملة قاسية.

طالبها محبوها بالابتعاد عن السياسة، فردّت أنّها مواطنة لبنانية يحقّ لها أن تبدي رأيها ووجعها ككل المواطنين.

يحسب لنوال أنّها لا تغرق في الزواريب الضيّقة ولا تبثّ الفتن ولا تعادي أحداً ولا تناصر أحداً، بل تتحدّث بلسان المواطن الموجوع في بلد ينهار كما أحجار الدومينو.

 

الفنانون في لبنان يعيشون الأزمة بوجهها القاسي، معظمهم حُجزت أموالهم في المصارف، وتوقّفت أعمالهم بسبب توقّف النشاطات الفنيّة بعد جائحة كورونا، يعيشون الوجع وجعين،