سوريا التي لا يعرفونها

ظهرت الدكتورة بسمة قضماني عضو اللجنة الدستورية عن وفد المعارضة السورية، مرتدية الحجاب في مدينة مارع شمال حلب، أثناء إدارتها ندوة حوارية حول «مشروع المجتمع المحلي في العملية السياسية والدستورية»، مما أثار الكثير من التساؤلات عمن أرغم قضماني على ارتداء الحجاب، وهل كان هذا شرطا لتتمكن من دخول منطقة مارع «المحررة».

ولكن ما لبثت قضماني بعد يومين أن أصدرت توضيحا حيال الأمر، مؤكدة أن أحدا لم يرغمها على الأمر، بل هي قررت وضع الحجاب أثناء الندوة بمحض إرادتها قائلة«إن قراري أن ألبس حجابا لتكون رسالتي إلى النساء الموجودات، وحتى الرجال، أنني أنتمي إلى هذا المجتمع وأنا واحدة منكم». وأضافت قضماني في نهاية توضيحها: «شعرت أن الظروف وحدها شاءت أن أعيش أنا في الخارج ولا ألبس حجابا، لكن لو كنت أعيش في هذه المنطقة لكنت ارتديت الحجاب مثلهن لكن في النهاية تطلعاتنا ومطالبنا واحدة، شعرت أن رسالتي هذه قد تصل بشكل أفضل إذا تبنيت أنا هذا الرمز كرسالة لهن، كان هذا قراري الحر دون مشاورة أو إيحاء من أحد».

كامرأة سورية كانت صدمتي من التوضيح وليس من انتشار صورة قضماني بالحجاب، شعرت أن هناك من يراني في حقيقة نفسه وكأنني دخيلة على المجتمع السوري، لأنني لا أمثل الصورة النمطية التي وضعها هو في مخيلته، لست أنا فحسب، بل ملايين من النساء السوريات اللواتي لا يرتدين الحجاب، خرج من يقول لنا إننا لكي نكون جزءا من المجتمع علينا أن نكون بصورة موحدة، وكأن المجتمع السوري هو ما يتخيله هؤلاء وليس ما هو موجود في سوريا حقيقة، فكيف يمكن لمن يناضل أو يمثل المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية واحترام الآخر أن يعتبر أن لباس المرأة هو من يحدد إن كانت جزءا من سوريا أم لا؟ وأن «الإشارب»الذي وضعته  قضماني على رأسها هو جسر التواصل الوحيد مع المجتمع السوري، وعنوان الانتماء له؟ ومن أخبر قضماني أنها وحدها، ولأن ظروفها شاءت أن تعيش في الخارج فهي لا تضع الحجاب؟ هل رأت قضماني جامعات سوريا وشوارع سوريا التي تمتلئ بنساء محجبات وبأخريات من دون حجاب، وهل زارت قرى سوريا المختلفة وتعرفت على ألوان ثياب النساء التقليدية وتباين الأزياء في المناطق السورية، واختلاف حتى شكل ودور غطاء الرأس الذي يحرص بعض الرجال في القرى السورية على ارتدائه، كجزء من تقاليد راسخة ولا علاقة له بمفاهيم التدين أو سواه.

ثم لنفرض، أليس من الأهداف التي تنادي بها المعارضة احترام الاختلافات بين الناس؟ بين يمين ويسار وإسلامي وعلماني، وبين من تضع الحجاب ومن لا تضعه؟

يحق لقضماني وغيرها ارتداء الحجاب أو خلعه، ويحق لها أن تلبس ما تشاء، هذا أمر محض شخصي لا يحق لأحد أن يتدخل فيه أو يفرضه على المرأة، وإلا فكيف للسوريين أن يطالبوا بالحريات العامة والسياسية إن لم يحترموا الحرية الخاصة للفرد، والتي تأتي مقدمة على الحريات العامة؟ ولكن ما لا يحق لها أو لغيرها هو أن تعتبر أن ارتداءها للحجاب في مارع هو رمز انتمائها لهذا المجتمع وكأن ذلك يجعل المرأة السورية التي لا ترتدي الحجاب غريبة عن المجتمع السوري.

ربما يكون تبرير قضماني وتبريرات أخرى نسمعها من آخرين تحمل نفسا استشراقيا يشبه إلى حد ما السائح الأوروبي الذي يزور مناطقنا في بعض الأحيان ويسعد بلباس شيء من أزيائنا التقليدية، ليشعرنا بالألفة وبأنه يحترم تقاليدنا، هكذا فعلت قضماني الزائرة لمنطقة مارع، لم تجد طرحا تقدمه لنساء تلك المنطقة سوى غطاء تلبسه لتقول لهن إنها منهن حسب قولها، وهنا نقطة الاستغراب والدهشة التي أعقبت التبرير.

سوريا المتنوعة منذ الأزل، وسوريا التي تدخل أي بيت فيها، فتجد خليطا من الآيديولوجيات والقناعات في العائلة الواحدة، وتجد ضمن نساء العائلة الواحدة من تلبس الحجاب ومن لا تلبسه، سوريا التي عبر عنها المتظاهرون السوريون من أبناء داريا بلوحة بديعة تألفت من سبعة ألوان فقط، سوريا قوس قزح هي التي تشبهنا، أما سوريا المنمطة الموحدة التي تفترض مسبقا أن شرط الانتماء لها هو الدخول في نسق فكري أو سياسي أو ديني واحد فهي لا تشبهنا أبدا.

لقد عانينا في سوريا من محاولة قولبتنا جميعا في قالب واحد، حاول حافظ الأسد أن يصنعه مستلهما تجربة كوريا الشمالية في عهد كيم إيل سونغ، بعد أن زارها وعاد ليفرض على طلاب المدارس الثانوية اللباس العسكري الموحد، وليفرض على طلاب الجامعات اللباس الأزرق القبيح الموحد الذي يشبه أزياء الطبقة العاملة في كوريا الشمالية، هذه المحاولة البائسة لنظام حافظ الأسد وامتداده القبيح نظام بشار، سقطت في مارس (آذار) من عام 2011، ومن المستهجن أن البعض عاد ليمارس التنميط من موقع مختلف ومن مقاربة مختلفة هذه المرة.

في الواقع، فإن موضوع تبرير قضماني ليس إلا مثالا على العقلية التي تعاطت وتتعاطى بها المعارضة مع السوريين، فالأمر ليس موضوع الحجاب فقط ولا موضوع المرأة، الأمر أن كل شيء بات قابلا للمقايضة والتبرير، وأن كل شيء قابل للتنميط، وبدل الخطاب الجامع الذي يوحد السوريين حول أهداف تضمن حقوق الجميع من دون استثناء، بتنا أمام تبريرات تقسم المجتمع شكليا. والخطأ ليس جديدا، فمنذ بداية تشكيل أجسام المعارضة ارتأى البعض أنه لا مانع من التنازل مرحليا عن بعض الحريات الخاصة لتطمين فئة أخرى من المعارضة، وإن كان الهدف يومها حسب كلامهم خلق أرضية مشتركة، إلا أن النتيجة بعد عشر سنوات باتت في كثير من المفاصل كارثية، حتى بات البعض يشعر أن ثمن حرية سوريا هو تخليه عن حريته الشخصية.

المقولة الأقرب إلى قلبي هي للفيلسوف الفرنسي فرنسوا ماري آروويه، المعروف بـ«فولتير»: «قد أختلف معك في الرأي ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك»، وحتى لو سقط الأسد اليوم، فلن تنتصر الثورة، ما دامت كل فئة ترى أن من حقها فرض رؤيتها ونمطها على الجميع، متناسين عن عمد أن التنوع والاختلاف واحترام الرأي الآخر هو ما يميز من يطالب بالحرية عمن يرضى بالنظم التوتاليتارية.