مبادرة «صنع في السعودية»: تجاهل للنفط أم تنويع للاقتصاد؟

المملكة نحو الاكتفاء الذاتي وتعزيز المحتوى المحلي والصادرات غير النفطية
1- المستهلكون العرب في دول الخليج والأردن وسوريا ومصر واليمن، هم الأكثر التصاقاً وولاءً للمنتج السعودي

جدة: يروي بندر الخريف، وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وجه له سؤالاً ذات مرة، قائلاً: «أين صنع شماغك (العمامة السعودية)؟ (معظم الأشمغة مستوردة من سويسرا وإنجلترا والصين؛ رغم أنها جزء أصيل من الزي الوطني السعودي).

فهم الوزير الإشارة، بأن السعودية يجب أن تقفز إلى مرحلة تؤهلها أن تلبس وتأكل مما تصنع وتزرع، بل وأبعد من ذلك، بالانتقال إلى التصدير.

النوايا الطيبة لا غبار عليها، لكنها تحتاج إلى عمل جاد عبر دعم الصناعة السعودية وتوحيد صورة المنتج السعودي بهوية جامعة تحت شعار «صناعة سعودية»، تلبي أفضل معايير الصناعة، والأهم من ذلك الاكتفاء ثم المنافسة في الأسواق العالمية. كل ذلك يأتي مع مبادرة «صنع في السعودية».

 اختير الوزير الخريف قبل أقل من عامين، وهو ينتمي إلى عائلة صناعية عريقة، تعرف خبايا وخفايا القطاع الصناعي وسبل تنميته. ليس بإمكان القطاع الخاص لوحده، القيام بنهضة صناعية، لذلك فإن الدعم والرعاية والقروض المدعومة حكومياً، هي العامل المحفز لإطلاق آفاق الصناعة المحلية.

فهل قررت السعودية إدارة ظهرها تدريجياً لدخل النفط؟ وما هو المأمول من المبادرة؟ وهل الصناعة السعودية غير موجودة؟ أم إن الأمر يتعلق بتعزيز وضع القوة السعودية الناعمة في صناعة المنتجات والعلامات التجارية المحلية وتسويقها وثبيت سمعة المنتج السعودي؟

دعونا نستكشف آفاق مبادرة «صنع في السعودية»،ومطبخها الداخلي، وما يدور في العقل السعودي الاقتصادي مع تشريح مبسط لواقع الأرقام الحالية.

مبادرة «صنع في السعودية»هي حافز للإنتاج الجماهيري للسلع التي يمكنها أن تجد موطئ قدم بفضل الرصيد المعنوي والمادي للمنتج السعودي

حال الصناعة السعودية

المنتج السعودي أو عبارة«صنع في السعودية»ليسا جديدين على المستهلك العربي، وبخاصة الدول المحيطة بالمملكة، وصولاً إلى قارات العالم الخمس. ولعل المستهلكين العرب في دول الخليج والأردن وسوريا ومصر واليمن، هم الأكثر التصاقاً وولاءً للمنتج السعودي. إن ختم «مطابق للمواصفات القياسية السعودية»أكثر من كافٍ لطمأنة المستهلك بأن ما اشتراه بماله، سيوفر له قيمة وجودة، تضاهي المنتج الأوروبي أو الآسيوي الصاعد بقوة أو حتى الأميركي.

ولا يقتصر الأمر على المنتجات الاستهلاكية، الغذائية والمنزلية، وتسالي الأطفال، بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى صناعات طبية وتقنية وأنظمة دقيقة، إلى جانب الصناعات المعدنية ومواد البناء التي لها وكلاء حول العالم. لقد اتسعت قائمة «صنع في السعودية»لتشمل شركات اتصالات (الاتصالات السعودية مثلاً) أو توليد الكهرباء وتحلية المياه باستخدام خلائط الطاقة المتجددة وغيرها (أكوا باور)، تمارس أعمالاً خارج الحدود، ولها حصص في أسواق مجموعة متنامية من الدول حول العالم.

أما أرقام القطاع الصناعي السعودي حالياً، فهي على الشكل التالي:

  • 26 نشاطاً صناعياً
  • 7400 سلعة مختلفة
  • تصل إلى 178 دولة
  • 1.1 تريليون ريال (290 مليار دولار) حجم استثمارات المصانع في السعودية

 

ما الجديد إذن؟

يصف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي المبادرة بأنها «حزمة كبيرة من المزايا والفرص للشركات الأعضاء، وذلك بهدف توسيع نطاق عملها والترويج لمنتجاتها محلياً وعالمياً، حيث يمكنهم استخدام شعار البرنامج (صناعة سعودية) على منتجاتهم التي تستوفي معايير البرنامج لضمان التزامنا بالجودة المتعارف عليها».

بكلام آخر؛ المبادرة ائتلاف صناعيين يجمع تحت مظلته آلاف المصنعين السعوديين، ودعمهم ليكونوا قادرين على توحيد التزامهم بالجودة، إلى جانب حمل هوية واضحة، ذات ثقل معنوي، وفائدة وظيفية للمنتجات، وسمعة رائجة. إن رفع المعايير وتوحيد الهوية وتحسين القيمة وخفض التكاليف، يدفع الطلب على المنتجات ويوسع الأسواق.

بداية توسيع الأسواق للمنتج السعودي، تسير في خطين متوازيين:

  • دعم المحتوى المحلي واستهلاكه داخلياً والاستحواذ على حصص أكبر في السوق السعودية نفسها.
  • توسيع أسواق الصادرات الخارجية والترحيب بأشكال جديدة من الصناعة وتمويلها وتسويقها.

 

الاكتفاء الذاتي أولاً

عند النظر إلى آخر إحصائية سنوية من إعداد الهيئة العامة للإحصاء، حول الصادرات والواردات السعودية عام 2019، نجد ما يلي:

  • مجمل الصادرات بلغ نحو 262 مليار دولار (معظمها من النفط ومشتقاته) في مقابل 153 مليار دولار للواردات.
  • الميزان التجاري راجح لصالح الصادرات بفارق كبير يصل إلى أكثر من 100 مليار دولار.
  • الواردات المصنعة بشكل كامل قيمتها الإجمالية 114 مليار دولار، تشكل المنتجات الغذائية المصنعة والمعادن والشحوم المعدنية والسلع المعمرة، حصة وازنة منها.
  • إن استهداف السوق المحلية بالاكتفاء الذاتي، هو أحد أهم أهداف المبادرة الصناعية الوطنية.
  • إن أكثر من 100 مليار دولار من السلع المستوردة، تمثل فرصة لقطاع صناعي محلي ليستحوذ على جزء منها.
  • إن مناعة الاقتصاد السعودي وازدهار القطاع الصناعي، يزيدان كلما زاد استهلاك السلعة المحلية؛ كأولوية قبل التصدير.
السعودية يجب أن تقفز إلى مرحلة تؤهلها أن تلبس وتأكل مما تصنع وتزرع

التحول إلى دولة صناعية

يقول الخبير الاقتصادي خالد الموسى، في حديث إلى «المجلة»: «إن رفع معايير جودة المنتج الوطني، يقويه داخلياً، ليفضله المستهلك المحلي، سيما أن القيمة الأفضل والجودة الأعلى والسعر التنافسي، هي معايير المستهلكين حول العالم».

ويضيف: «الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى لمعادلة سعودية جديدة: الاكتفاء الذاتي والعمل على رفع الصادرات (غير النفطية). ليس من الضروري التحول إلى دولة صناعية... الأولوية السعودية الآن هي تنويع الاقتصاد عبر تعزيز القطاعات غير النفطية مثل السياحة والتقنية والزراعة والصناعة».

قد لا يكون وصف «دولة صناعية»هو ما تسعى إليه المملكة. إن الخليط الاقتصادي المتنوع وتنمية القطاعات ذات المساهمة الأقل في الناتج الإجمالي، هو الأهم في المرحلة الحالية. إن رقمنة الصناعة والإنتاج بكلفة تنافسية، وبخاصة مع توفر الموارد الأولية، سيعطي ميزة نسبية للمنتج السعودي لتنافسية أعلى.

ويوضح الموسى: «إن مجالات التجميع والسلع نصف المصنعة، التي يستوردها المصنعون ليزيدوا قيمتها المضافة، ويعيدوا تصديرها أو طرحها في الأسواق المحلية، تشكل جزءاً من مبادرة (صنع في السعودية)لأنها تعزز المدخلات المحلية، ولو مبدئياً، وتراكم الخبرات الصناعية وتوطنها».

تجدر الإشارة إلى أن الشركات السعودية، تمتلك مصانع ومزارع خارج الحدود. فشركات الألبان السعودية، على سبيل المثال، تستثمر في زراعة الشعير في أوكرانيا لإطعام عشرات آلاف رؤوس الأبقار في مزارع أنشئت وسط الصحراء. وهناك شركات تستثمر في زراعة البن في البرازيل. إن التوسع في الاستثمارات الخارجية لصالح توفير مدخلات صناعية، يصعب توفيرها في المملكة، يصب في تعزيز موقع الصناعة السعودية.

     

قطاعات مستهدفة وبنك للتصدير

تضم المبادرة 4 قطاعات مستهدفة بمبادرة صنع في السعودية، هي:

  • الصناعة
  • الطاقة
  • الثروة المعدنية
  • الخدمات اللوجستية

يندرج تحت كل عنوان آلاف الصناعات وفرص الاستثمار، لكن من سيمول جانب التصدير؟

قبل أيام قلائل، أطلق ما يسمى «بنك الاستيراد والتصدير»، الذي سيكون قاطرة سحب للمنتج والعلامة السعودية التجارية إلى الخارج. إنه الذراع التمويلية للمبادرة. لكنه ليس وحده، فهناك صناديق حكومية وهيئة للمدن الصناعية (مدن)، إلى جانب استثمارات رأس المال السعودي في القطاع الصناعي. حتى القطاع الزراعي هو جزء من المبادرة من خلال التصنيع وخلق القيمة المضافة. كل ما يصنع محلياً؛ باستثناء السلع شديدة الحيوية، التي يرى إبقاؤها في البلاد لأغراض الاكتفاء الذاتي أو ندرة الموارد.

يقول الخبير الاقتصادي والمحاسبي، عبد الرحمن الأحمد، في حديث إلى «المجلة»: «إن المملكة صارت أكثر خبرة في إيجاد حلول للمشكلات والأدوات التنفيذية اللازمة لمعالجتها، والحديث هنا يدور عن الصناعات غير النفطية ذات القيمة المضافة الأعلى. إن توفير المزيد من قنوات التمويل والدعم التقني والتشريعي، كلها تشي برغبة جدية ومتابعة حقيقية لتعزيز القطاع الصناعي، وصولاً إلى ازدهار الصناعة ككل».

 

أرقام منشودة

يتلخص مخطط برنامج «صنع في السعودية»فيما يلي:

  • رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج الإجمالي المحلي إلى 65 في المائة
  • نمو الصادرات غير النفطية من 16 في المائة حالياً إلى 50 في المائة عام 2030
  • خلق 1.3 مليون فرصة عمل للمواطنين والمواطنات
  • إطلاق طاقات الابتكار والجرأة على التوسع خارج الحدود
  • جذب مليارات من الاستثمارات الأجنبية للتصنيع الداخلي والتصدير

لطالما تحدثت السعودية عن التخلي التدريجي عن قطاع النفط بوصفه الريع والرافد الأساسي للميزانية، وتقليص هيمنته على مجمل الحياة الاقتصادية في البلاد. في الثمانينات والتسعينات، كانت الصادرات غير النفطية تزن أقل من 8 في المائة. إن الخطوات السريعة التي تتخذها المملكة عبر تعديل التشريعات القضائية وتسريع إجراءات التقاضي، إلى جانب إعفاء القطاع الصناعي من الكثير من الرسوم الحكومية وتثبيت أسعار الطاقة في مدخلات الصناعة، كلها تساهم في تعزيز تنافسية المنتج السعودي بعلامته التجارية الموثوقة.

 

تكبير حجم الاقتصاد

ليس بالضرورة أن زيادة حجم الصادرات لن يقابله ارتفاع في حجم الواردات. فكلما كبر الاقتصاد ونمت أرقام الناتج الإجمالي المحلي، زاد الاستهلاك.

في السنوات 2011-2014، ارتفعت أسعار النفط بشكل هائل ونمت الصادرات والناتج الإجمالي المحلي، وواكبهما في النمو الواردات أيضاً. وهذا أمر طبيعي. إن تفعيل مبادرة «صنع في السعودية»، سيزيد الصادرات السعودية؛ بعيداً عن النفط الخام المصدر دون قيمة مضافة، إنما كسلعة استراتيجية.

لن تدير السعودية ظهرها للنفط بسهولة، وهي المورد الموثوق لتلك السلعة منذ نحو 100 عام. وستكون الخزينة السعودية في وضع أفضل كلما تحسنت أسعار النفط.

المبادرة والإصرار على تنفيذها، تمنح أفقاً أكبر لنمو الاقتصاد، وينبغي أن تتخذ مساراً منفصلاً عن أسعار النفط، سواء ارتفعت أم انخفضت. وليس من الوارد تخفيف زخم المبادرة في حال تحسنت أسواق النفط. 

 

الإنتاج الجماهيري والحمائية

لا تقوم العقيدة الاقتصادية السعودية على مبدأ الحمائية، فكل السلع مرحب بها في الأسواق المحلية طالما أنها مطابقة للمواصفات والمقاييس السعودية. ليس هناك قيود على دخول رؤوس الأموال وخروجها. ولا تتضمن قائمة المواد الممنوعة من التصدير سوى بعض السلع الاستراتيجية أو تلك المتعلقة بالأمن الزراعي؛ نظراً لارتباطها بالأمن المائي والغذائي.

إن مبادرة «صنع في السعودية»هي حافز للإنتاج الجماهيري للسلع التي يمكنها أن تجد موطئ قدم بفضل الرصيد المعنوي والمادي للمنتج السعودي على أن تكون قادرة على منافسة حرة في سوق مشرع الأبواب لما يرد من الخارج.

ويوضح الخبير الأحمد أن السعودية سائرة بتسارع نحو مفهوم الإنتاج الجماهيري للسلع والخدمات، موضحاً أن «تعزيز الجانب التقني والمساحات الواسعة للمصانع، تؤدي إلى خفض جوهري في التكاليف الثابتة (ماء وكهرباء وأجور) عبر توزيعها على أكبر قدر من المنتجات، يرفع مستوى التنافسية مع دول مثل الصين وتركيا والهند، التي تتبع الأسلوب نفسه».

واختتم قائلاً: «إن التزايد التراكمي للصادرات غير النفطية عبر السنين، فرصة لتنويع الاقتصاد، وما مبادرة (صنع في السعودية) إلى واحدة من سلسلة خطوات للتحول إلى مجتمع صناعي معرفي سياحي زراعي، يصدر القيمة المضافة ويستهلك المزيد ويوفر خيارات أكثر من البضائع؛ بعيداً عن الحمائية، التي ليس لها مكان في اقتصاد مفتوح، يؤمن بالمبادرة الفردية والجماعية وحرية الاستهلاك».

يترك الحكم النهائي للأرقام ومؤشرات الأداء وحدها، ابتداءً من نهاية العام الجاري، وصولاً إلى عام 2030.