رمضان بالخلطة المصرية

 

ولأن الخلافة الفاطمية هي التي أبدعت فن الاحتفالات الدينية، ولأنهم لم يفتحوا مصر عنوة بل بطلب من أهلها بعدما أصبحت الدولة الإخشيدية آيلة للسقوط ولم يدخلوها إلا في عهد خليفتهم الرابع المعز لدين الله على يد قائده جوهر الصقلي. ولأن مصر بلد الخير وأم الدنيا، فقد «صادف شن طبقة»،لما عرف عن المصريين من حبهم لأهل البيت فاستثمر الفاطميون هذ الحب في محاولاتهم المستميته لتغيير المذهب السني لمذهبهم الإسماعيلي، فأنشأوا جهازا للدعاية (يفوق جهاز غوبلز الزعيم النازي) تحت سيطرة داعي الدعاة، ولأنه يعلم مدى تطرف المصريين في أفراحهم وأتراحهم فقد نمى النزعة الاحتفالية للمناسبات الدينية.

ولأن مصر هي بلد الرخاء وقتئذ، فقد ظهرت نزعة البهرجة في أصناف الطعام والشراب من كنافة وقطايف وحلويات المولد وأنوار الزينة وفوانيس رمضان، ظنا من الفاطميين بأن المصريين سيعتنقون مذهبهم وتتحول بلد الإمام الشافعي والسيدة نفيسة ومن قبلهم السيدة زينب إلى الإسماعيلية الفاطمية، وهو ما لم يحدث، رغم استمرار حكم الفاطميين قرابة 268 سنة حتى كشحهم صلاح الدين الإيوبي، وقطع دابرهم ومحا وجودهم من مصر عن بكرة أبيهم، وكأن شيئا لم يكن. وظل المصريون على المذهب السني ولم تخدعهم المظاهر الاحتفالية ولم نعد نذكر من الفاطميين إلا الكنافة والقطايف وفانوس رمضان.

ولأن مصر كبيرة القلب وبوتقة لكل الحضارات ومقبرة للغزاة، لا زلنا نلحق القاهرة بكلمة المعزية ولم تتسرب نزعة الانتقام لهدم أو حرق القاهرة الفاطمية بل تعايش الجميع مع التاريخ بواقعية ولا زلنا نغالي في استقبال المواسم الدينية وعلى رأسها شهر رمضان.

ولم يجد الشعب المصري أي غضاضة في بهرجة رمضان والزهد أحياناً والصوم والعبادة دائماً وتعايش الجميع بفلسفة دع الخلق للخالق. حتى أقباط مصر ينتظرون الكنافة والقطايف والجلوس بعد الإفطار على المقاهي في جوار جامع الحسين، تماما مثلما يذهب بعض المسلمين لمولد ماري جرجس.

وهكذا نحن في الدنيا منذ أبونا آدم، الناس فى مصر مختلفون ولكنهم متعايشون، فقد مر الفرس على مصر والرومان وقبلهم البطالمة ووفد العرب وكلنا مصريون دون أن تستطيع أي عين مهما كانت مدربة على رصد أي اختلاف عرقي أو مذهبي في رمضان بالخلطة المصرية التي جمعت كل هذه الحضارات وهو الشهر االذي يتسامح فيه الناس بكلمة «اللهم إني صائم».

قد لا تجد معظم الناس يفقهون المعنى، ولكنهم يرددونها بقلوبهم في أماكن العمل وفي الأسواق وفي البيوت. وتصدح التواشيح الدينية بصوت فطاحل الإنشاد الديني جنبا إلى جنب مع مطربي الدرجة الثالثة والملاهي الرخيصة والجميع يتفرج على الجميع وسط نداءات الباعة الجائلين الذين ترتفع أصواتهم من بعد الإفطار حتى السحور وكأن هناك عصى سحرية تجعل الحياة تدب في الناس بعد صمت الصيام مما يجعل رمضان ليلا غير رمضان نهارا ولكن هناك أمرا واحدا مجمعا عليه؛ أنه «رمضان بالخلطة المصرية».