خطر ثورة الجياع في لبنان

مطالبات بضرورة تشكيل حكومة إنقاذ بأسرع وقت

بيروت: رغم الصرخة التي أطلقتها الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام والشعار الموحد الذي رفع من أجل «تشكيل حكومة إنقاذ وطني اقتصادي واجتماعي وسياسي على قاعدة برنامج واضح وشفاف وبآلية تنفيذية محدّدة وجداول زمنية معروفة،لأن البلاد تعيش مأساة لم تشهدها في تاريخها، إذ بات الوطن كسفينة في عرض البحر تتقاذفها الأمواج العاتية وتتسلل المياه إلى متنها وتفتقد إلى ملاح ماهر ينقذها من الغرق»،

مطلقو الصرخة «رفضوا أن تتحول قوى الإنتاج في لبنان إلى جمعية لدفن الموتى، لأن قاموسهم وتاريخهم لا يعرف إلا العمل والإنتاج والإبداع والنضال لوقف هذا الخراب والحفاظ على ما تبقى من إمكانات وقدرات، البلد بأمس الحاجة إليها للانطلاق من جديد».

مع ذلك فالطبقة السياسية وكعادتها تجاهلت هذه الصرخة مثلما تجاهلت الرسائل الدبلوماسية التي وجهت من قبل سفراء المملكة العربية السعودية وفرنسا وبريطانيا والأمم المتحدة وأخطرها البيان الصادر عن وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان الذي طالب بإنهاء التعطيل المتعمّد للخروج من الأزمة فوراً، «ولا سيما من جانب بعض الفاعلين في النظام السياسي اللبناني، من خلال مطالب متهورة وقديمة العهد»، مُحمّلاً «القوى السياسية اللبنانية ككل، المسؤولية الكاملة عن هذا المأزق».

وأشار لودريان إلى «التفكير الذي بدأ بمبادرة منه الأسبوع الماضي مع نظرائه الأوروبيين، بهدف تحديد الاتحاد الأوروبي السبل للضغط على المتسببين في هذا التعطيل المستمر منذ 7 أشهر». ورأى أن الحل لإخراج لبنان من الأزمة هو «بتأليف حكومة كفوءة، جاهزة للعمل بجدية للصالح العام، لتنفيذ إصلاحات معروفة من الجميع. هذه مسؤولية كل القوى السياسية اللبنانية التي التزمت بها أمام رئيس الجمهورية الفرنسية».

لكن هذه الطبقة استمرت بالعمل عن سابق تصور وتصميم  بنحر البلاد والعبادمن أجل تحقيق مصالحها الخاصة تحت شعارات زائفة وبالية اعتادت على رفعها للتهرب من مسؤولية التعطيل والتخريب التي يدفع الوطن والمواطن ثمنها.

«المجلة»استمزجت آراء قيادات مهنية وعمالية وسيدات أعمال حول هذه الصرخة وأسبابها ومسبباتها وتجاهل القوى السياسية لهذه الصرخة، وخرجت بالانطباعات التالية:

 

ضرورة تشكيل حكومة إنقاذ

رئيس نقابة المقاولين والبناء، المهندس مارون الحلو، اعتبرأن «صرخة قوى الإنتاج الممثلة في الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام والتي تضم أصحاب العمل والعاملين لديها على مختلف الفئات، فهي ضرورية محقة وتندرج ضمن خطوات متعددة لجميع الغيارى والمخلصين المؤتمنين على الكيان والوجود وكرامة العيش».

إن المأساة المستمرة أدت إلى انكشاف الشعب اللبناني غذائيا، وصحيا، وحياتيا؛ فهي كارثة حقيقية توّجت بالهجرة الكثيفة وبالإحباط وزعزعت قوى الإنتاج الذين عرفوا بالإرادة الصلبة والعزم والثقة ببلدهم، فباتوا إما عاطلين عن العمل وإما رازحين تحت وطأة مشاكلهم المستعصية. من هنا أوجه نداءً «ملحا»إلى تأليف حكومة إنقاذ تتمتع بالخبرة والشفافية والجرأة والمصداقية تدعمها كل الفئات اللبنانية وتكون على مستوى الأزمة فتلقى دعم المجتمع الدولي ومساعدته للخروج من هذا النفق المظلم.

لكن للأسف الشديد لا يبدو ذلك ممكنا، بسبب التجاذبات السياسية الداخلية والصراعات الإقليمية والدولية التي تمنع حدوث ذلك منذ ستة أشهر.

يبقى على قوى الإنتاج أن «تجد حلولا مؤقتة لوقف الانهيار، ومنها دعم الأسر الأكتر فقرا»،وتحسين أوضاع العاملين لديها والاتكال على الذات للحفاظ على ما تبقى.

أما على الصعيد العام، فلن تنتظم الأمور إلا بمعالجة جذرية تطال الأسس كالعمل على حياد من محاور الصراع في المنطقة وإمكانية عقد مؤتمر دولي لتثبيت الكيان اللبناني وإصلاح مؤسسات الدولة.

أما الخطوات من الطبقة الحاكمة فلا مجال لذكرها اليوم، كون تلك الطبقة سقطت فعليا،«ولم يعد لديها أي رصيد لدى الشعب وأن إرادة المواطنين ستنتصر حتما»بالتغيير الشامل لكل الذين أوصلوا لبنان إلى هذا الوضع.

يبقى أننا بأمس الحاجة إلى دعم من الدول الصديقة والمجتمع الدولي الذي هو أيضا مسؤول عما حل بالبلد بسبب الإمعان بحل الأزمات الإقليمية المتتالية على حساب لبنان.

مديحة رسلان

بدورها أشارت رئيسة المجلس اللبناني للسيدات القائدات، مديحة رسلان، في حديثها لـ«المجلة»إلى أن الأزمة السياسية والاجتماعية والصحية أوصلت القطاع الخاص إلى إطلاق صرخات متتالية منذ عام 2015، بهدف حثّ السياسيين على تغيير نهج العمل ووضع الاقتصاد في أولى سلم أولوياتهم. وقالت:

 

أعتقد أن الصرخة التي أطلقت هي ضرورة وواجب ووصف لواقع الحال الذي يتطلّب تشكيل حكومة فوراً ولكنها بحاجة أيضا إلى عمل جماعي يصب في إيجاد حلول عملية لأهداف ذكية قصيرة المدى تسمح للمؤسسات بالاستمرار...نحن نعتبر أن المشكلة الرئيسية هي أن السياسيين للأسف لم يتركوا هامشاً لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار وهو الشرط الأول لتشغيل العجلة الاقتصادية. نحن عالقون في هذا الوضع بسبب ممارساتهم التي جعلت من لبنان ورقة تفاوض إقليمية، وهذا أمر معروف للجميع. لو اتفق هؤلاء السياسيون على تأمين هذا الهامش لكانت لنا حكومة تبدأ بالإصلاحات الضرورية وتتفاوض مع صندوق النقد الدولي من ناحية إعادة جدولة الدين ومعالجة أزمة اليوروبوند وتثبيت العملة وإعادة إعمار بيروت لكي يستطيع القطاع الخاص أن يتنفس. فكيف نعتمد على مسؤولي القطاع العام الذين لم يخططوا بعد للمستقبل ما بعد كورونا كسائر البلدان لإطلاق عجلتهم الاقتصادية؟

 

والعمل على حلول سريعة قبل الصيف لكي لا نفوت موسما سياحيا بالحد الأدنى يكون مصدر أوكسجين يعطي نفسا للقطاع الخاص؟

 

تعاني القطاعات المنتجة من شركات وعمال من الوضع المرير فأصبحت استمرارية شركاتنا والمحافظة على وظائف عمالنا هي همنا اليومي وهو تحدٍّ كبير.

 

في ظل الجمود الحالي، نعتقد أن القطاع الخاص يستطيع أن يتحرك عبر إيجاد حلول آنية للتصدير والمحافظة على المؤسسات العريقة والحيلولة دون إفلاسها الواحدة تلو الأخرى بالإضافة إلى حماية اليد العاملة الكفوءة والطاقات الإنتاجية التي فقدت الأمل وهاجرت في أول فرصة سنحت لها. نحن نشهد هجرة للأدمغة والكفاءات لم نعهدها منذ أكثر من أربعين سنة، هم خسارة للقطاع الخاص وللبلد لأنهم الأمل في مستقبل أفضل.

 

تتضمن الخطوات الأخرى التي يمكن للقطاع الخاص اتباعها التشبيك مع المجتمع الاغترابي الذي يشكل رئة الاقتصاد اللبناني. في هذا الصدد، أدعو إلى تأسيس صندوق يموله رجال وسيدات الأعمال المغتربون والمقتدرون القاطنون في لبنان لدعم القطاع الخاص المحلي سواء من خلال تحسين وصول المنتجات والخدمات اللبنانية إلى أسواق جديدة، وتخفيض التكلفة، وحتى إطلاق برامج تمويلية أو شراكات مؤقتة تحافظ على استمرارية الشركات وتزيد من إنتاجيتها وقدرتها الابتكارية وتحميها.

 

وأكبر دليل على قدرة القطاع الخاص على استبدال القطاع العام هو قيام الشركات الخاصة باستيراد لقاحات كورونا وتوزيعها على العاملين فيها قبل أن تستطيع الدولة الوصول إلى الأعداد اللازمة من مقدمي الطلب والذي يؤدي يومياً إلى زيادة وفيات كان يمكن للأسف تفاديها. في النهاية، نود التشديد على ضرورة اجتماع القطاع الخاص على رؤية واحدة والتوحد نحو تطبيقها دون الاعتماد أو انتظار الدولة والقيام بمراجعة جدية للمستقبل الذي يريده.

 

نحن كقطاع خاص علينا مسؤولية اجتماعية اقتصادية والوقت قد حان لنعمل معاً على وضع مصلحة الوطن أولاً، فلبنان لنا ونحن من عليه أن يعمل ويحميه..

جهاد التنير

التضامن بين القطاعات الإنتاجية

من ناحيته أشار نائب رئيس جمعية تجار بيروت، جهاد التنير، إلى أن الصرخة التي أطلقت كان هدفها تنبيه المسؤولين إلى خطورة الأوضاع نظراً للانهيار شبه الكامل للوضع الاقتصادي والنقدي وأن أبرز مطالبات الجهات المشاركة ارتكزت على أربعة عناوين أساسية هي:

- تأكيد التضامن بين جميع القطاعات الإنتاجية من أرباب عمل وموظفين وعمال في خضم الأزمات المتتالية التي يواجهها الاقتصاد الوطني تحت وطأة المشاكل المالية التي يعاني منها القطاع الخاص والقطاعات الإنتاجية بشكل عام.

-الإسراع بتأليف «حكومة مهمّة»،من اختصاصيين تتسلم زمام الأمور وتنكبّ على معالجة الأوضاع الكارثية التى وصلت إليها البلاد، وتضع خطة إنقاذية تتضمن سلسلة إجراءات وإصلاحات اقتصادية ومالية ونقدية تلبي مطالب الدول المانحة في المجتمع الدولي ومطالب صندوق النقد الدولي.

-إقرار قوانين مكافحة الهدر والفساد المستشريين من خلال وضع ضوابط للعمل الإداري وضرورة حصر مشتريات الدولة بمجلس المناقصات وضرورة إجرائها وفقاً للقوانين المرعية الإجراء.

- المباشرة بإجراءات صارمة لضبط المعابر الشرعية بهدف قمع التهريب، وعليه تعزيز إيرادات خزينة الدولة وتمكين الهيكل الاقتصادي من تخطي هذه الأزمة الوجودية والنهوض مجدّداً.

- إن القطاعات الانتاجية كافة تريد أن تتاح لها الفرصة لمزاولة النشاط بشكل مستمر في ظل الظروف الصعبة التي تعاني منها، وتجنب سياسة الإقفال والفتح المتتالية للأسواق(Stop & Go) .. فالإقفال سهل وسريع، إنما العودة لمزاولة النشاط شاقة وبطيئة (إذا أمكنت العودة لمزاولة النشاط)، مع ما يترتب عليه لجهة خفض الرواتب أو صرف الموظفين وزيادة معدّلات البطالة في البلاد والتدهور في القدرة الشرائية عامةً وحث شرائح من القوى العاملة على الهجرة، من جهة، وتدهورأرقام الأعمال والهبوط الدراماتيكي في المتوجبات التي تسدّدها تلك المؤسسات التجارية لخزينة الدولة، من جهة أخرى.

 

انهيار النظام الاجتماعي

بدوره حذر نائب رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والأمين العام للاتحاد العمالي العام ​سعد الدين حميدي صقر​، من انهيار النظام الاجتماعي في ​لبنان​، ومن تداعيات هذا الانهيار في حال حصوله لا سمح الله على السلم الأهلي.

إن الانهيار الذي ضرب ​الاقتصاد اللبناني​ والقطاع المالي، وانعكاس ذلك على قيمة النقد الوطني حيث وصل ​سعر الدولار​ الفعلي إلى مستوى 15 ألف ليرة، هذه المؤشرات مجتمعة تسببت أولاً في خروج عشرات آلاف الناس من أعمالهم، وثانياً تسببت في خسارة 70 إلى 80 في المائة من القوة الشرائية لأجور من بقي في العمل، وهذه الأسباب وتلهي أهل السياسة بالمحاصصة والمكاسب الشخصية هي التي دفعت الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام إلى إطلاق هذه الصرخة.

لقد خسر المضمونون تعويضات نهاية خدمتهم التي لم تعد تكفي لتأمين معيشة المضمون إلا لأشهر قليلة، أضف إلى هذا كله الخطر المحدق باستمرارية مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في تقديم الخدمات الصحية للمضمونين، بسبب استمرار تخلف الدولة عن ​سداد الديون​ المتوجبة عليها إلى الضمان.

والوضع الاجتماعي لعمال لبنان ولأكثرية اللبنانين ليس على ما يرام وخطر ثورة الجياع تكبر وتتدحرج ككرة الثلج، فهل يستدرك أهل السلطة الخطر القادم قبل وقوع المحظور. الرهان يبقى على الحكومة الجديدة التي نتمنى أن تتشكل سريعاً، وأن تذهب فوراً باتجاه معالجة الملفات المتفجرة، وفي مقدمتها الملف الإجتماعي.

إن العالم لم يشهد إلا نادراً ربما طبقة سياسية تغلب مصالحها الشخصية، والضيقة على حساب مصلحة شعب بكامله. والوضع الذي وصلنا إليه اليوم إن على المستوى الصحي أو على المستوى المالي والنقدي أو على المستوى المعيشي هو وضع كارثي حتى العظم ينذر بنهاية وطن وبموت شعب.

غريب أمر هذه الطبقة السياسية التي تعيق انتظام العمل السياسي (تشكيل الحكومة)، من أجل وزير بالزائد أو وزير بالناقص، وهي مدركة تماماً لمخاطر هذا الأمر على كل المستويات.