كيف تتعامل الحكومة السودانية مع الأحداث المتفجرة في دارفور؟ 

شكوك حول جدوى اتفاقيات السلام  

الخرطوم: تضع الأحداث الدامية التي وقعت في «الجنينة» عاصمة ولاية غرب دارفور، الحكومة الانتقالية في محك معقد وشديد الحساسية، في ظل تدهور الأمن في أنحاء الاقليم، وتثير تساؤلات حول مدى قدرة اتفاق السلام الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في تحقيق السلام وإيقاف النزاعات القبلية التي راح ضحيتها الأسبوع الماضي 87 شخصا، وأُصيب 191، وفقا لإحصاءات غير رسمية. 

وفي أول رد فعل للحكومة على الأحداث، أعلن مجلس الأمن والدفاع حالة الطوارئ بغرب دارفور منذ الاثنين الماضي، وفوض المجلس القوات النظامية لاتخاذ كل ما يلزم لحسم المواجهات المسلحة التي توقفت، لكن التوتر ما يزال سائدا. 

وعلمت «المجلة» من شهود عيان في المنطقة وصول تعزيزات من القوات الحكومية لفض الاشتباك، وفرض الأمن بمدينة الجنينة. 

وكونت الحكومة حسب ما أعلن وزير الدفاع السوداني اللواء الركن يس إبراهيم يس، لجنة عليا بتفويض وسلطات كاملة، للتعامل مع الأحداث، كما قررت سن تشريعات قانونية خاصة تضمن للقوات النظامية حسم التفلتات الأمنية بالطرق المشروعة، واحتكار أجهزة الدولة النظامية والأمنية لاستخدام القوة العسكرية، فضلا عن مواصلة حملة الجمع القسري للسلاح وردع كل من يحمل السلاح خارج الإطار القانوني.

ووقعت أحداث مماثلة في مدينة الجنينة في يناير (كانون الثاني) الماضي بين قبيلة المساليت والقبائل العربية. 

وكان رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) ، فولكر بيرتس، قد رحب في بيان بتعامل الحكومة الانتقالية مع الأحداث في الجنينة. 

البرهان وحمدوك وسلفا كير خلال توقيع اتفاق السلام في جوبا في أكتوبر 2020 (رويترز)

ووفقا لقرار من مجلس الأمن الدولي فى ديسمبر (كانون الأول) الماضى بالرقم  2559  تنتهي مهمة قوات حفظ السلام المشتركة فى دارفور (يوناميد) فى يونيو (حزيران) المقبل، وذلك بسحب نحو 16 ألف جندي نشروا منذ 2007.  

بينما نص قرار آخر لمجلس الأمن يحمل الرقم 2525 بنشر بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية بالسودان (يونيتامس) ومن ضمن مهامها إكمال المهام الإدارية ليوناميد بدارفور. 

ودعا «يونيتامس» في بيان تسلمت «المجلة» نسخة منه، قوات الأمن الحكومية، إلى منع المزيد من العُنف واستعادة النظام لِصالح جميع المدنيين، وقال إنه يجب النظر لقوات الأمن الحكومية على أنها تعمل لصالح السلام وحماية المدنيين  منوها لضرورة الامتثال الكامل للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بغض النظر عن الانتماءات.

أكبر المشكلات أمام كل الاتفاقيات الماضية هي نقض العهود من قبل السلطة في الخرطوم، ولكن بالنسبة لاتفاق جوبا فإن المشكلة الأكبر هي استمرار الصراعات القبلية التي لم تتوقف  في دارفور

وشدد البيان على ضرورة محاسبة المسؤولين عن العنف، مؤكداً التزام الأمم المتحدة بدعم حكومة السودان في الوفاء بمسؤوليتها، تجاه حماية المدنيين ومُعالجة الأسباب الكامنة وراء هذا العنف المتجدد. وحمل البيان تعهد رئيس البعثة بحشد الأمم المتحدة وشركائها للموارد، تلبية للنزوح والاحتياجات الإنسانية المُتزايدة من اندلاع العنف.

أعضاء من بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام (يوناميد) ونازحون سودانيون، جنوب دارفور  (غيتي)

فرض هيبة الدولة

واطلع رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، على الوضع الأمني بولاية غرب دارفور من قبل حاكمها محمد عبد الله الدومة الذي صرح قائلا إن  مشكلة غرب دارفور تمت مناقشتها مع رئيس الوزراء الذي أكد التزامه بحل الإشكال بأسرع فرصة. 

لكن الوضع المتوتر في الولاية يلقي بظلال على قدرة الحكومة في التعامل مع الأزمة وتأثيرها على اتفاق السلام الموقع مع الحركات التي تحمل السلاح في إقليم دارفور، فضلا عن تأثير التوترات ذات الطابع الإثني على مستقبل السلام في الإقليم. 

وتأمل الحكومة الانتقالية في أن تسهم القرارات التي اتخذها مجلس الدفاع والأمن في استتباب الأمن بمدينة الجنينة، كما تسعى الحكومة فى السودان إلى إنفاذ خطة حماية المدنيين فى دارفور بتشكيل قوة خاصة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والمجموعات المسلحة التى وقعت اتفاقا للسلام في عاصمة جنوب السودان جوبا.

ووفقا لحسن فضل نائب مسؤول الإعلام في حركة العدل والمساواة التي هي جزء من اتفاقية جوبا للسلام، فإن للأحداث الأخيرة تأثيرا سلبيا على اتفاقية السلام لأنها صنعت مناخا غير مواتٍ لتنفيذ بنود الاتفاقية، وباتت الأجواء مختنقة بالصراع خصوصا دور الاتفاقية في إعادة النازحين وتحقيق رتق النسيج الاجتماعي. 

تسعى الحكومة السودانية إلى إنفاذ خطة حماية المدنيين في دارفور بتشكيل قوة خاصة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والمجموعات المسلحة

وعلى الرغم من ذلك يقول فضل لـ«المجلة» إن استجابة الحكومة لم  تكن بالقوة المطلوبة في فرض هيبة الدولة والتعامل مع الأزمة، موضحا أن إعلان حالة الطوارئ ليس كافيا، وأن استجابة الحكومة يجب أن ترتقي إلى حجم الأزمة وفرض هيبة الدولة وبسطها على كل الأطراف. 

وذكر أن رؤيتهم للحل تشمل العديد من النقاط من بينها التنفيذ الكامل والمتوازي والمتسق مع الأوضاع في اتفاقية جوبا للسلام، وضرورة استعجال تكوين القوة المشتركة، والعمل بجدية وسرعة على الصعيد الاجتماعي في التوعية بالسلم الاجتماعي. 

ويؤكد فضل تحمل حركتهم للمسؤولية الأخلاقية لما جرى من أحداث دامية في الجنينة باعتبارها جزءا من الحكومة الانتقالية، لكنه يشير إلى أن حركتهم لا تستطيع التدخل دون تنفيذ بنود اتفاقية السلام بشكل كامل والحصول على شرعية للتدخل في مثل هذه الأحداث. 

بالنسبة لنهار عثمان نهار، الأمين السياسي لحركة العدل والمساواة، غير الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، فإن الحكومة لا تملك استراتيجية واضحة في التعامل مع تعقيدات الملفات الأمنية، نتيجة انتشار السلاح وسط المواطنين، وانتشاره وسط قوات شبه رسمية، فضلا عن طغيان الانتماء القبلي حتى وسط القوات النظامية الرسمية. 

ويضيف في حديثه مع «المجلة» أن أحداث الجنينة تأتي من خلفية صراع تاريخي على الموارد والأراضي بين سكان تاريخيين وسكان  موجودين لظروف الجفاف والتصحر، بيد أن تعامل الحكومة تعوزه الكثير من الحكمة والقوة والحزم والشفافية وحل الإشكالات الأساسية بعقد مؤتمرات المصالحة، معتبرا أن لأحداث الجنينة تداعيات سلبية على اتفاقية جوبا لكونها لم تشمل كافة الأطراف، وأن تقاطعات الحركات نفسها تتسبب في إهمال حركات أخرى تحمل السلاح، داعيا الحكومة إلى العمل على شمولية الاتفاق لأن عمليات جمع السلاح تتطلب قوة قومية فضلا عن أهمية مشاركة كافة الأطراف بالإقليم في حل مشاكل الأراضي والنزوح. 

 

تخاذل السلطتين السياسية والأمنية

 

وأصدرت مجموعة تسمى «حماية الحق في الحياة» بيانا انتقدت فيه تعامل الحكومة مع الوضع الحرج في غرب دارفور، وأدانت ما وصفته بـ«صمت الحكومة»، وإهمال حماية المواطنين، بعجزها عن وضع حد لهيمنة الميليشيات وانتشار السلاح. 

ونادى البيان الذي اطلعت عليه «المجلة» القوى الشعبية، ممثلة في لجان المقاومة ولجان وتجمعات الأحياء؛ ومنظمات المجتمع المدني والتنظيمات السياسية، إلى الإدانة الصارخة لما يجري في الجنينة، والمساهمة في بناء تحالف شعبي تكون مهمته ممارسة أقصى درجات الضغط على الحكومة الانتقالية للتحرك بصورة عاجلة لاحتواء العنف ومحاسبة المتورطين فيه بالتدخل المباشر والتواطؤ، وحل الميليشيات، وضرورة الإصلاح الهيكلي للقوات النظامية والقطاع الأمني، بالإضافة لإشراك القواعد في دارفور في عملية بناء السلام، وجمع السلاح وتوفير درجة الأمان الضرورية للمواطن، كما دعا البيان إلى العمل على فك الاحتقان القبلي، ووضع لبنات التنمية الاقتصادية كبديل لاقتصاد الحرب بما يضمن وضع حد لمأساة المواطنين في المنطقة. 

من ناحيته، يقول أستاذ العلوم السياسية صلاح الدومة لـ«المجلة» إن أحداث الجنينة وغيرها من التوترات والنزاعات القبلية في دارفور ناتجة عن تعامل «خايب» للمكون العسكري مع الأوضاع، وتخاذل السلطة المدنية التي يرأسها رئيس الوزراء دكتور عبد الله حمدوك في مواجهة المكون العسكري بتقصيره وبمحاولته السيطرة على كافة الأمور في إدارة الدولة. 

ووصف الدومة أحداث الجنينة بأنها محاولات لإفشال اتفاق جوبا للسلام في دارفور، داعيا السلطة التنفيذية برئاسة حمدوك للتصدي بقوة وحزم لهذه المحاولات دون مخاوف من اندلاع حرب أو تفلتات أمنية، معتبرا أن حكومة حمدوك مسنودة في خطواتها على شباب الثورة ومن قبل المستوى الدولي والإقليمي. 

أحداث الجنينة تأتي على خلفية صراع تاريخي على الموارد والأراضي بين سكان تاريخيين وسكان  موجودين لظروف الجفاف والتصحر

وفي تفسيره لدور الحكومة في هذه الأزمة، يشير الدومة إلى أن المشكلة الأساسية تتعلق بكون الحكومة ليست سلطة واحدة تتعامل مع الأحداث، وأن ما يعيق دور السلطة هو انقسام المهام بين الشق المدني والمكون العسكري المستحوذ على الجوانب الأمنية والعسكرية، موضحا أن استمرار هذا الأسلوب في التعامع مع الأوضاع في إقليم دارفور سيقود إلى نتائج كارثية وفتنة قبلية يصعب السيطرة عليها لاحقا. 

 

قضية سياسية

بيد أن المحلل السياسي الغالي شقيفات فسر أحداث الجنينة بكونها قضية سياسية من الدرجة الأولى حتى لو لبست ثوب النزاع القبلي. 

وتحدث لـ«المجلة» داعيا الحكومة إلى مكافحة الخطاب الإقصائي والتحريضي بين مكونات الولاية، معتبرا أن الأزمة تتمثل في انتشار أوهام تاريخية لمكونات في الولاية تدعي حقها في كل المنطقة وأن الآخرين ليسوا جزءا من الولاية. 

وذكر أن شيوع مثل هذا الخطاب من شأنه تأجيج الصراع الإثني، وأن وجود قيادات في الحكومة تدعم مثل هذا التوجه يجعلها غير محايدة في الصراع ومنحازة لطرف ضد طرف مما يؤدي إلى تأجيج الصراع واستفحال الأوضاع بشكل أكثر خطورة. 

واعتبر ضرورة أن تتبنى الحكومة وأجهزتها الرسمية خطابا موحدا ومتماسكا يكبح جماح المواطنين الذين يدعون ملكية كافة أراضي الولاية، ويوضح أن الأصل في السكن والإقامة هو مبدأ المواطنة. 

فولكر بيرتس، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس)

واستبعد شقيفات تأثير هذه الأحداث على اتفاقيات السلام الموقعة بين الحكومة والحركات في جوبا، معتبرا أن من شأن تنفيذ الاتفاقية تحقيق المزيد من الاستقرار والسلم الاجتماعي لأن الاتفاقية نصت على تحقيق السلام وإعادة النازحين المتضررين من الحرب، فضلا عن أن الاتفاقية نفسها محمية بالدستور الانتقالي والدعم الإقليمي والدولي. 

ورأى من أولويات الحكومة في الوقت الحالي إنهاء مظاهر العنف وضبط حمل السلاح وتقنينه ومحاسبة المحرضين على العنف القبلي وبث خطاب الكراهية، موضحا أن والي الولاية نفسه يعد في رؤية كثيرين منحازا إلى بعض المكونات دون الأخرى، وبالتالي يصبح غير محايد في الصراع لمواقفه السابقة والحالية إزاء مكونات في الولاية.

 

تحديات تعيق اتفاق السلام

أما فتح الرحمن يوسف المهتم بملف الحركات المسلحة وملف السلام، فقد رأى أن اتفاقية جوبا للسلام  ناقشت القضايا المهمة خاصة فيما يتعلق بدارفور  مثل قضايا الحواكير والتعويضات والعدالة الانتقالية، لكن ما ينقص الاتفاق هو مشاركة القائد عبد الواحد محمد أحمد النور زعيم حركة تحرير السودان. 

وتحدث يوسف لـ«المجلة» عما وصفها بتحديات تقف أمام تنفيذ اتفاق السلام في مقدمتها الالتزامات المالية تجاه عملية تعويض وعودة النازحين. 

ويشير إلى أن أكبر المشكلات أمام كل الاتفاقيات الماضية هي نقض العهود من قبل السلطة في الخرطوم، ولكن بالنسبة لاتفاق جوبا فإن المشكلة الأكبر هي استمرار الصراعات القبلية التي لم تتوقف  في دارفور حتى بعد توقيع اتفاق السلام وظهور العديد من الأطراف الرافضة والتي ترى أنها همشت ولم يشملها الاتفاق مثل حركة العدل والمساواة الجديدة بقيادة منصور أرباب، وحركة تحرير السودان الفصيل المنشق من حركة  مناوي بقيادة دكتور الريح.